ثقافة المقال

العقل العربي ومآلاته -4-

العقول الكاملة

الشيخ سيدي عبد الغني العمري الحسني 

نقول هنا بكمال العقل، بدل الكلام عن إطلاق العقل، لنخرج من التناقض اللفظي فحسب؛ وإلا فإن المعنى المقصود واحد. وعلى هذا تكون العقول الكاملة للأنبياء عليهم السلام ولورثتهم من الربانيين بعدهم. وأما محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه الأكمل لختميته العامة. وهذه المرتبة التي لنبيّنا، هي التي يشير إليها قول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81]. فهذا الميثاق، هو إبراز للأكملية إلى جانب الكمال؛ والمقصود هو أنه عندما يأتي الأكمل، فعلى الكامل أن يتأخر. وما يجري على الأنبياء، يجري على أتباعهم بالأحروية.

وأما الكمال من حيث هو، فهو انتفاء الظلمة بالكلية، ليبقى العقل نورا خالصا. والكمال الأكمل، لا يفصله عن الإطلاق الذاتي، إلا التعين؛ لأن التعين تقيُّد. وهذا هو أول تعين تنزلت به الذات، ليُعلم منها ما كان مكنونا في غيبها من صفات وأسماء. ولهذا السبب، كان من لا يأتي من باب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا يمكن أن يحصل شيئا من العلم بالله (الحقيقة)، وإن زعم ما زعم. والربط هنا بين العقلي والديني، يبرز ضرورة الدين ضمن فعل المعرفة، ويخرج بنا عن التصور الشائع الذي يجعل الدين خصوصية ثقافية تعود إلى الإنسان ذاته.

لا شك أن الفلاسفة لو خطر لهم أن العقل يمكن أن يكون مطلقا، لسعوا إلى تحقيق ذلك ولو ببذل النفوس؛ ولكنه لا يخطر لهم. والأمر هنا ليس غياب معلومة أو حضورها، بقدر ما هو تراتب عقول، تكون المرتبة فيه حاكمة -ولا بد- على الـُمدرَك. وهذا، كان ينبغي أن يُدرج ضمن المقررات التعليمية، حتى لا يبقى العقل شيئا واحدا في التصور الجمعي، لو كان يُراد للناس الخير. ولقد ذكر الله تعالى تراتب العقول في قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]. فالتكليم بالوحي عام، وهو ما يلقي الله في قلوب عباده بداهة. وهذا يشمل ما يجده المخترعون والمكتشفون في العلوم الدنيوية الصناعية والفيزيائية والطبية وغيرها؛ وما يجده المجتهدون من الفقهاء من طرق الاستنباط التي لم تكن معروفة لديهم. وهذا باب واسع، لو أردنا استقصاءه لما استطعنا. وأما التكليم من وراء حجاب، فهو لأهل السمع؛ وهم أهل الفهم عن الله، في الكلام المعتاد للناس، من غير أن يشعر بهم المتكلمون؛ وهؤلاء من خواص الناس. كما يدخل في هذا الصنف، من يأتيهم الكلام من وراء صور عقولهم، فيظنونه من عند أنفسهم، وهو في الحقيقة من الله؛ وهذا عام. وهو أيضا باب واسع، فيه من الأسرار ما لا يُحاط به أبدا. وأما التكليم عن طريق الرسل، فهو بمعنيين: معنى خاص بالأنبياء عليهم السلام، كما هو مقرر عند أهل الدين؛ ومعنى خاص بأقوام الرسل، الذين يكلمهم الله من وراء صورهم، عليهم السلام. والرسل بالنظر إلى المعنى الأول ملائكة، وبالنظر إلى المعنى الثاني بشر. ولو علم أهل النظر من الفلاسفة، من أين تأتيهم الأفكار، لعادوا من طريقهم إلى طريق التشرع من غير شك؛ لكن الحكمة اقتضت أن يُحجبوا عن ذلك. وهذا الذي خلصنا إليه، يعني أن كل العقول، تعقل عن الله؛ ولكن منها من يعلم ذلك، ومنها من لا يعلم؛ ومنها من يعلم ذلك في وقت دون وقت… هذا فحسب!…

وأما الكمال الوراثي، فللأمة المحمدية منه النصيب الأكبر بين الأمم؛ بسبب انقطاع نبوة التشريع بعد البعثة المحمدية. وهؤلاء الورثة منا، هم نظراء لأنبياء الأمم السابقة فينا؛ إلا أنه لا نبوة. وهم لا يخلو منهم زمان رضي الله عنهم؛ منهم من هو على قدم إبراهيم، ومنهم من هو على قدم موسى، ومنهم من هو على قدم عيسى، أو على قدم غيرهم عليهم السلام. وأما المحمدي من الوارثين، فينبغي أن يكون ختم زمانه، لانتهاء علم الوراثة إليه.

فهذه العقول هي العقول الكاملة، من بين بني آدم جميعا. وغيرها من العقول، يكون ناقصا عنها، محصورا في مرتبته من سلم العقول، لا يتجاوزها. وكل ما يعده الناس عقلا في العادة، ليس هو ذاك الكامل؛ وإنما هو عقل نظري، يكون بالقياس إلى الكامل، كالأعمى مع البصير. وعندما نجد الله في القرآن يصف بعض الناس بالعمى، والبعض الآخر بالإبصار، في مجال الإدراك والمعقولات، كما في قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50]؛ فإن ذلك يكون حقيقة لا مبالغة فيها، كما يتوهم الغافلون. وهذا الفرق، لا يعلمه إلا من ذاق الإبصار بعد العمى؛ لا قبل ذلك.

ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو العقل الأكمل، فإن عقول الأنبياء وعقول الورثة الكاملة، تستمد منه؛ وهو وحده الذي يكون استمداده من الله، من غير واسطة. وأما العامة والسالكون من كل زمان، فيستمدون من الأنبياء في أزمنة النبوات النيابية، أو من الورثة. ولما كان العلم بمراتب العقول وبكمالها، من العلم الخاص الذي لا يُذكر في الجامعات والمعاهد، فإن كثيرا من الناس يبقون محرومين منه؛ بالأخص فيما يعود إلى العلم بالله وصفاته وأفعاله سبحانه؛ فإنه لا يُحصّل إلا من جهة الاستمداد حصرا.

ولما كانت العقول الكاملة، شرطا في الاستمداد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في الزمان الذي يأتي بعد انتقاله عن الدنيا إلى قيام الساعة، فإن التّديّن سيتفاوت في الأزمنة المختلفة، بين القوة والضعف، بحسب تحقق هذا الشرط. ولما كان العلم بهذا الأمر قد انقطع في الأزمنة المتأخرة -خصوصا بعد دخول النظر فيما لا مدخل له فيه- فإنه قد صار من اللازم الكلام في هذه المسائل، من أجل استعادة التدين، كما هو في أصله.

*شيخ الطريقة العمرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق