قراءات ودراسات

المثقف الجزائري والموقف من التاريخ

د- وليد بوعديلة

قبل البحث في العلاقة بين المثقف الجزائري وقراءته للأحداث التاريخية، وقبل الحديث عن التاريخ و الفنون وتحديدا الرواية نؤكد هنا الفرق بين حضور التاريخ في الدراسات التاريخية و الاجتماعية و بين حضوره في الفنون، فالحضور الأول يتسم بالدقة والموضوعية والبحث عن الحقيقة التاريخية عبر الشهادات والمذكرات (…)، والمقارنة بين الأحداث والعودة للوثائق ذات العلاقة بفترة زمنية ما، أما في الفن فإن العامل الذاتي يتدخل ويقع الحوار بين التاريخي والمتخيل، عبر الحذف والإضافة والتركيز على محطات معينة، كما أن الميول الذاتية والفكرية للمبدع تدخل في قراءته للحدث التاريخي، وينفتح الوعي النقدي هنا على مسالة البحث في الرواية التاريخية وقضايا النوع الأدبي، وليس من الشرط أن ينظر الفنان للتاريخ نظرة تقديس، بل هو ينطلق من عامل الحرية في قراءته للتاريخ ،والمتلقي لا يبحث عن الحقيقة التاريخية في العمل الفني وإنما في الكتب المتخصصة. فالتاريخ في تاريخه (وقائعه الحقيقة في زمن مضى) مختلف عن التاريخ في الفن.

يجب أن نحترم كل رؤية مغايرة للحدث التاريخي ولا ننتظر من جيل اليوم أن تكون له نفس النظرة لجيل الأمس، فالاختلاف حول القراءة وارد مع حضور الاتفاق على رمزية الوطن و يقع الاختلاف في طريقة خدمته فقط، بين جيل يرفع التاريخ إلى القداسة وجيل يتعامل معه كإنتاج بشري فيه الأخطاء والزلات، بخاصة عندما يعترف بها من صنعها (مثل الصراعات بين قادة الثورة الجزائرية والصراع حول طرق التسيير التي حضرت في مذكرات كبار الزعماء و المجاهدين)، وهنا على مراكز البحث الأكاديمي أن تتدخل لتقدم النظرة العلمية الموضوعية العقلانية لكي لا يكون التأريخ سجلا تجاريا أو أداة سياسية.
و ستقف قراءتنا عند بعض النماذج من روايات جزائرية التي قدمت فاعليات نصية تاريخية، فما هي أبعاد الحضور التاريخي في الرواية الجزائرية ؟ وما هي دلا لات التوظيف وجمالياته؟ وما الوقائع الراهنة التي استدعت المحطات التاريخية؟…هي بعض من أسئلة نسعى للإجابة عنها في روايات نشرت بداية من سنة2007.

التاريخ وعلاقة المثقف بالسلطة:
تندرج رواية الكاتب مصطفى نطور “عام الحبل” في سياق البحث عن البعد القافي والسياسي لتوظيف التاريخ، وهي من الروايات التي توظف تاريخ الجزائر العثماني،و تعتمد الأساليب التراثية الشعبية وتستفيد من الموروث في لحظة فتح القضايا الاجتماعية والسياسية، و تنتمي إلى فضاء سردي عربي معاصر يحاور التراث الشعبي ووقائعه وأخباره لكي يأخذ الزاد الفني والفكري.
لقد اختفى الكاتب خلف التجليات الثقافية الشعبية الجزائرية عند بحثه في أسئلة سوسويولوجية وفكرية وتاريخية، ويقف القارئ أمام رواية رمزية تقول الكثير من الدلالات عبر تقنية إرباك وعيه و مرجعياته القرائية. لأن الروائي ينطلق من خلال شخصية “بوقرة” في سفر سردي رمزي، ينطلق من قراءة ذاكرة القبائل المستقرة في الجبال، ثم” نزوحهم إلى المدينة الصخرية الواقعة على مسافة يومين سيرا على الأقدام، فأمر مولى البلاد عساكره بتقييدهم في الكهوف الصخرية كي يحافظ على هبة القصر وجمال المدينة. انبجست الحادثة مربكة مفاجئة، حتى أفقدته تماسكه المعهود”، وتتخذ الحكاية مع تطور الأحداث دلالات تنفتح على سياق جزائري و عربي، بخاصة ذلك السياق الذي بتحرك فيه المثقف في مواجهة تصادمية مع السياسي المتحالف مع الدين و السياسة.
إذا كان بوقرة هو المثقف المتوحد في هوية المجتمع وذاكرته و المتمتزج مع البسطاء و الشعبيين في الشوارع والحارات، فإن الإمام في هذه الرواية هو رمز الفقيه الذي تحالف مع السلطان وعرف الطريق لمطبخه وخزينة المال أكثر مما عرف محراب المسجد وخزانة العلم والشريعة. ونجد في النص مشهد الفقيه أو المفتي وهو ذليل ومستكين بين يدي السلطان، ويمثل حاكم بلدة الرجل الجوال بوقرة صورة مصغرة عن الحاكم المستبد في مجتمعات متخلفة، وقد يحمل دلالات المجتمع العربي المتخلف عن الركب الحضاري، لأنه مجتمع تتحكم فيه المقدسات التاريخية والدينية، أي الشرعيات التي تتحكم في القلوب و العقول والأزمنة والأمكنة، وتسيطر على كل الأجيال ولا تمنحها الحرية في التعبير والتفكير، ولقد مارس الحاكم في رواية مصطفى نطور لذته في الاستبداد و البطش و إقصاء الأصوات المعارضة له والمختلفة مع أفكاره وممارساته، ومنها صوت المداح القوال بوقرة المقتول بطريقة أسطورية بضربات عساكر الحاكم.
ولأن الرواية تخفق بتلميحات و إحالات الرمزية السردية و الموضوعاتية، فرئيس الصيادين وصاحب المقهى يمثلان-في العمق النصي- سلطة المال، وممارساتهما لا تبتعد عن ممارسات الحاكم، من حيث الحرص على المصلحة و السعي لإيقاف كل من يشكل خطرا على المكانة والمكسب، إلى درجة التمتع باللذات عند الباي وتناسي نقل انشغالات السكان ومعاناتهم المرض و الفقر ، ويقع في الرواية التحالف بين السياسي و المالي والديني، وكأنهم وحوش كاسرة تحاصر المثقف المغلوب على أمره،و من يقرأ التاريخ العربي يجد مشاهد عديدة لمثل هذا التحالف الخبيث ضد المثقف الرافض فكريا والمقيد ماديا ، كما هو شأن شخصية بوقره في الرواية.

ويحضر الفضاء الشعبي -عبر الشعر والأمثال والصناعات التقليدية- ليشكل فضاء خاصا داخل فضاء دلالات الرواية، وعندما نتأمل عميقا نربط بين فضاءات النص الروائي، لأن كل الرواية تدور حول الحبل، ومع القوال في الأسواق وحكايات سيدنا علي والغول و لونجة بنت السلطان….، نجد توظيفا ساحرا للطقوس المطرية في الجبال، وتوظيف ممارسات الشعوذة عند النساء، لتحيق الأغراض النفسية والاجتماعية والعلاج من الأمراض، كما تقدم الرواية عوالم الأولياء الصالحين بطريقة سردية صوفية تكاشف العلاقة القوية بين أفراد المجتمع الجزائري وعالم الزوايا والأولياء، وقد نجح الروائي في الاستفادة من المخزون الشعبي، و”كلما تشبع المبدع بالتراث من قبل تشبعا مؤسسا على معرفة علمية راسخة، كلما ظهر اثر ذلك في حضور التراث داخل النسيج الروائي”.

إن رواية “عام الحبل ” تتحدى القارئ وترغمه للعودة لكتب التاريخ لكي ينفتح على تاريخ الجزائر في العهد العثماني، كما تدفعه للبحث في الإحالات للراهن عبر صفحاتها، قصد القبض على الدلالات الاجتماعية والفكرية في السياق الجزائر والعربي، بخاصة بالنسبة لقضية تاريخية و راهنية مهمة هي موقف المثقف من السلطة.

سردية تاريخ الصراع لأجل الأرض/ الهوية :

نقرا هنا رواية “شعلة المايدة” لمحمد مفلاح ، وهي رواية تاريخية تعيد التفاعل الإبداعي مع فترة هامة من التاريخ الجزائري، هي فترة التواجد التركي العثماني، فيستفيد الكاتب من ثقافته و قراءاته التاريخية، وهو الذي ألف كتبا كثيرة عن تاريخ منطقة غليزان ومقاوماتها الشعبية وأعلامها، كما له رصيد أدبي متنوع بين القصة والرواية. فكيف أنجز حواره النصي مع الذاكرة الجزائرية التركية في سياق الاحتلال الاسباني لوهران؟
تدفع رواية ” شعلة المايدة” القارئ إلى العودة لكتب التاريخ الجزائري قصد التأكد من كثير من المحطات والوقائع التي تحضر بين الصفحات، بل إن قارئ الرواية مرغم على تصفح التاريخ والبحث في مصادره قبل قراءة الرواية، وهنا يقع الحوار بين الخطاب الأدبي والخطاب التاريخي والخطاب النقدي، و من ثمة وجب تقديم بعضا من تاريخ مقاومة الجزائريين للأسبان قبل التناول النقدي للنص. فما هي الحقيقة التاريخية للتواجد الاسباني بوهران؟
احتل الأسبان وهران سنة1550 بعد ان وصلت الدولة الزيانية إلى درجة كبيرة من الضعف والانهيار نتيجة التنافس على العرش، وقد قاد الداي محمد بكداش المقاومة ضدهم وأخرجهم من المدينة، ثم عاودوا الحملة عندما كانت تحت حكم الباي ممصطفى أبو شلاغم الذي نقل مركز البايلك من مازونة إلى معسكر ليكون قريبا من المركز الاسباني بوهران، وقد استطاع الباي إجلاء المحتل من مدينتي وهران والمرسى الكبير عام 1708، لكن الأسبان أعدو حملة أخرى واستردوا المدينتين عام1732، ثم توجهوا بحملات ثلاث نحو عاصمة الجزائر، وآخرها كان عام1784 حيث خرجوا منهزمين.
وسخر محمد الكبير في فترة توليه الحكم كل الإمكانيات لتجنيد الأهالي، وبخاصة الطلبة، ولذلك قد بعث من جديد الرباطات وكان يراقبها ويدعمها ويشجع المنتسبين إليها ماديا، وقد استطاع جمع الآلاف من المقاتلين لمواجهة الاحتلال الاسباني
وبعد زلزال وهران عام1790 الذي هدم الكثير من الأبراج والحصون وحول المدينة إلى ركام كبير من الحجارة، تم جاء الانسحاب من هذه المدينة الهامة ومن المرسى الكبير في فيفري1799.
نقرأ في الرواية أحداث احتلال وهران ونتأمل منطقة الغرب الجزائري و وجغرافيتها الطبيعية ، بل بجغرافيتها الثقافية الاجتماعية.
وإذا كانت الرواية التاريخية من منظور جورج لوكاتش هي عمل سردي يرمي إلى إعادة بناء حقيقة من الماضي بطريقة تخيلية حيث تتداخل شخصيات تاريخية مع شخصيات متخيلة، فإن رواية “شعلة المايدة”قدمت مشاهد من التواجد التركي بالجزائر، بكل إيجابياته وسلبياته،كيف ذلك؟
ينطلق النص من مشهد الرؤيا وحضورها القوي في ذاكرة الإنسان الشعبي، ويقترب من يوميات الاحتجاج على سلطة الحكام العثمانيين وممثليهم وفرض الضرائب على الجزائريين، ونجد الدور الكبير للعلماء والمشايخ في المجتمع وتأثيرهم الديني والقبلي الكبير و منتجهم العلمي الوفير ، وهي مميزات حاضرة بقوة في تاريخ التواجد العثماني بالجزائر، حيث حضرت أبحاث العلماء في علم الكلام والتصوف والمنطق،كما يلتفت محمد مفلاح– بإشارات سردية ذكية-إلى ظاهرة تاريخية هامة هي الرسائل المتبادلة بين الشيوخ و البايات أو القادة الأتراك، وهي رسائل تقدم صورا من المميزات الاجتماعية والسياسية والثقافية للجزائر في العهد العثماني.

كما نلقى محاولات الجزائريين للتمرد على الأتراك بسبب الضرائب، ومحاولة الباي كسب دعم القبائل للجهاد ضد الأسبان، وموقف العلماء في الجمع بين الطرفين، ويستعين الراوي بالتوثيق و يذكر الشعراء الشعبيين وعناوين الكتب التراثية والتاريخية.

إن الكتابة عند محمد مفلاح تحيل على تجربة متميزة في المزج بين الأدبي والتاريخي، وهي تكشف رمزية العلاقة بين الإنسان وذاكرة المكان ،استشرافا لآتي الوطن ومستقبله في ظل تحولات عالمية متسارعة ، ويقدم الكاتب -عبر الرواية- معلومات ثقافية وسياسية ليؤكد سرديا على أهمية معرفة الذاكرة الثقافية والسياسية في العهد العثماني بالمنطقة الغربية من الجزائر.

الرواية بين الذاكرة و الراهن:
يعود الروائي محمد مفلاح في روايته “شبح الكليدوني” إلى حكايات الجزائريين الذين نفاهم الاستعمار الفرنسي إلى جزيرة كاليدونيا في المحيط الهادي، بالقرب من أستراليا، ويرحل بالقارئ في سرديات المنفى ليكتب التاريخ الفني للمنفى الاستعماري وتفاعل أحفاد المنفيين مع ذاكرة الأجداد في حياتهم اليومية الاجتماعية،كما أن الروائي يقترب من أسئلة جزائر اليوم.
و تنطلق الرواية من تتبع السارد ليوميات الشخصية السردية “امحمد شعبان” وهو موظف في قطاع الثقافة يعاني من مشاكل اجتماعية كثيرة ، يضيف الروائي لها الصراعات النفسية -الفكرية- التاريخية ومحاصرة الماضي له. فكل يوم وعبر كل فكرة أو خاطرة نجده محاصرا بصور والد جده الشيخ محمد الكاليدوني، بخاصة في ظل حرص والده على السعي للوصول إلى قبر الجد الذي نفته فرنسا في ستينات القرن التاسع عشر ، حيث كان الاستعمار(الاستدمار بلغة المفكر والسياسي مولود قاسم نايت بلقاسم) ينفي المقاومين والمعارضين لسياساته وممارساته القمعية والوحشية، وتتساءل الرواية عن أسباب إهمال المؤرخين للمنفيين في كاليدونيا.
و يلتفت السار د إلى الراهن الجزائري، ويقترح مشاهد من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك بعض الممارسات السياسية المحلية والوطنية ، كما لا ينسى الشأن العربي والدولي وتأثيرات الربيع العربي والخراب القيمي والمادي الذي تشهده الخارطة العربية، يقول كل ذلك في سياق سردي جميل ومشوق، ليرغم مفلاح القارئ على التفاعل الفكري مع نصه والانتقال الفني والدلالي بين الأزمنة(الماضي،الحاضر، المستقبل) والملامح الاجتماعية والقناعات السياسة و القيم التاريخية، و هو ما قد يتعب القاري الكسول الباحث عن الدلالة من القراءة الأولى فقط،
يدخل محمد مفلاح في عمق الجزائر ليكشف مافيا العقار وأزمة السكن والبطالة وسطوة المال على السياسة، وبعض الظواهر الاجتماعية السلبية مثل سرقة السيارات و أزمة المقابر و الاستعمال السيئ لتكنولوجيا الاتصال، كما يذكرنا بجزائر العشرية السوداء وسنوات الدم و النار والتطرف والاغتيال(…).
إن هذه الرواية صرخة فنية في وجه كل سياسي جزائري بل في وجه كل مواطن،و تدعوه للعودة إلى دراسة التاريخ المحلي وحفظه وصيانته ، والابتعاد عن الطرح الأيديولوجي الضيق و الموقف السياسي المنغلق، قبل فوات الأوان، وقبل أن يجد الوطن نفسه أمام أبناء من غير ذاكرة ومن غير قيم. وربما هذه الرؤى التي حضرت سردا تفسر الحنين الكبير لتراث و أزمنة الأجداد في كاليدونيا .
و يسائل الكاتب في روايته دولة فرنسا(التاريخ والحاضر) مساءلة تاريخية وإنسانية ، وهو في العمق الدلالي يتحسر على الصمت الجزائري الرسمي، تقول الرواية:”هل يخجل مؤرخو فرنسا الكولونيانية من الكتابة عن معاناة هؤلاء الثوار المنفيين؟”(18)، وكأن المبدع يعبر من خلال هذه الرواية-الوثيقة عن أسفه للسير في العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية الجزائرية- الفرنسية دون الفصل في القضايا التاريخية.
ومن الملامح الثقافية والاجتماعية التي حضرت في الرواية بفضل استدعاء التاريخ الجزائري في ظل الاستعمار نذكر مايلي:
– يوظف الروائي الكثير من جماليات وملامح الثقافة الشعبية، من الشعر إلى الأمثال الشعبية،و من الطقوس و الممارسات في الزوايا و أضرحة الأولياء الصالحين إلى الحديث عن الصناعات التقليدية والألبسة في الأرياف، وصولا إلى مدرسة مازونة وتعليم الفقه المالكي وأجواء التعليم القرآني وعادات الدفن والجنائز في الغرب الجزائري….
– يحمل الكاتب الروائي محمد مفلاح ثقافة شعبية كبيرة، وهو الباحث في التاريخ الثقافي لمنطقة غليزان، و يتجلى هذا في توظيفه -بين ثنايا الرواية- للشعر الشعبي، مثل شعر قدور بن عمار،عبد القادر بوراس، الشاعر الأخضر بن خلوف، الشاعر محمد بلخير…، بالإضافة إلى مقاطع من بعض الأغاني الشعبية المشهورة، نقرأ هذا المقطع للشاعر عبد القادر بوراس عن المنفيين:
“لوكان بكيت بطال تلقى في صهد الجمهور، بي ضاق المور،هما عز المضيوم يوكدو في اليوم المعتاد،…لوكان بكيت أبطال رفدوهم في بابور، بيضاق المور، راهم شق البحور دارقين وخبرهم ينعاد..”.
-كما تتضمن الرواية الكثير من أسماء الأعلام الجزائريين، وهو يجعلنا نعود إلى كتب التاريخ و التراجم لمعرفة كل شخصية ومنجزاتها الثقافية والسياسية ونوعية المقاومة التي قدمتها لهذه الأرض الجزائرية الطاهرة، هل هي مقاومة روحية أو فكرية أو عسكرية…؟ مثل الشيخ بومعزة،الشيخ بصافي، الشيخ محي الدين، الأمير عيد القادر ، الحاج الطيب المفلحي،سيدي عبد الله بن فاطمة، الشيخ المقراني،…، والأمر التاريخي يصدق عند تتبع ما تقترحه الرواية من وقائع تاريخية كثيرة عن المقاومات، المدارس والزوايا، المحارق الاستعمارية، الإدارة الفرنسية…لمعرفة الحقيقي والمتخيل في النص الروائي.
تلك هي أهم الملامح التي يمكن للقارئ الوقوف عليها بعد القراءة، لكن الشئ الغريب في نهاية الرواية أن حفيد المنفي يصر على الاتجاه نحو المنفى ( جزيرة كاليدونيا)، هربا من قسوة الظروف الاجتماعية في الوطن، وقصد الالتقاء بفتاة عرفها عبر الفايسبوك ، فهل هي عودة للماضي ؟ أم هل هي بحث عن المستقبل، حتى لو كان هذا المستقبل في ارض كانت قمعية قاسية على الجزائريين المنفيين في الزمن الاستعماري؟ ماذا تريد أن تقول الرواية ؟ و ماذا تقصد من هذه النهاية يا محمد مفلاح؟… إن رواية “شبح الكليدوني” رواية عن التاريخ والراهن.

التاريخ وقضايا التطرف والإرهاب :
يقترح الكاتب عز الدين ميهوبي في رواية “إرهابيس” رواية تتشكل من مدينة افتراضية تجمع الكثير من الإرهابيين المشهورين في العالم ومعهم الزعماء والقادة الديكتاتوريين عبر التاريخ، ومن هنا نحتاج لمفاهيم الدراسات الاجتماعية و الأنتربولوجية لدراسة الرواية، و يمكن ان نعتبرها رواية ملحمة الإرهاب، لأنها تجمع الكثير من الملامح التاريخية والثقافية والاجتماعية لمدينة المتناقضات( الفكرية والسياسية) الإرهابية، وهي تنطلق من رحلة بحرية لسفينة تتجه نحو جزيرة تحتوي دولة إرهابستان، والسفينة تنقل بعض الصحفيين من دول مختلفة قصد التفاعل مع مؤتمر الزعماء الذين تلوثت أيديهم وضمائرهم بالدم، وكأن الكاتب ينجز نصا يتماهى مع رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وقد صنف الشعراء بين الجنة والنار وأنطقهم في قبورهم وأقام قيامتهم خيالاً وفنا.
يقرأ الروائي الآتي بعيون استشرافية، حيث تقوم قيامة متخيلة وفنية لرجال الدم والنار والقتل والبطش..، وهي رحلة سردية فكرية إلى كونية الفعل الإرهابي وتعدد أشكاله ومرجعياته وأدواته، مع الحديث عن فعل القتل، وهو حديث شاهدته الرواية اللبنانية كثيرا في السياق السردي العربي،مثل رواية إلياس خوري”الوجوه البيضاء”(1981)، إلى درجة توقف فيها النقد عند الأبعاد البنيوية الخاصة بالقتل والموت…
لقد أحالنا الروائي ميهوبي إلى البعد الخصوصي في كل فكرة وممارسة إرهابية أو تقتيلية، يقول بيان تأسيس دولة إرهابيس: “إننا نحن الذين أعلنا الحرب على عالم مزيف، وشعوب خنوعة، وساسة يمتهنون الكذب و النفاق، وعلى أفكار تقتل حق الإنسان في أن يرفض ويقول لا…، قررنا هجرة هذا العالم الموبوء وبناء عالم مختلف أسميناه على بركة الله إرهابيس، يلتقي فيه القاتل من أجل لقمة العيش والمؤمن من أجل فرض شرع الله والثوري من أجل اقتلاع أنظمة فاسدة، والديكتاتور الذي يرى القوة سبيلا للاستقرار، والمتاجر بالسلاح والمخدرات لتحقيق أمنية الموت في الجحيم…”.)
إنه بيان تحالف مافيا السلاح والسياسة والدين، ووفاق قوى الظلامية والشر والمخدرات، كل ذلك “على بركة الله”، مع اختلاف معنى البركة ودلالة الله، بمعنى أنّ الروائي يشكل بناء لغويا دمويا يعيد تشكيل وبناء العالم الدموي الحقيقي، فيتحول المتخيل إلى فضاء دلالي لتحرك عناصر وأدوات متخيلة مستمدة في عمقها من فجيعة الواقع، وقد تكون المدينة افتراضية، لكن التجارب التاريخية علمتنا أن متخيل اليوم هو خطوة لحقيقة الغد، والفن – في روحه وجوهره- استشرافي تنبؤي، وقد احتفت الرواية العربية بأنواع عديدة من العنف، وهو ما تأملته الحركة النقدية العربية.
وما المانع- ضمن هذا الإطار- أن تجد الأجيال القادمة مدنا بل دولا بكاملها تجمع قوى الشر والقتل والتخريب وإلغاء المختلف؟ بل ألا توجد ملامح لبدايات تشكل جماعات عرقية ،ثقافية ،مالية ،دينية، وسياسية في العالم المتقدم أو المتخلف، تجمعها المصلحة وفقط، وتحركها شهوة المال والأيديولوجية؟؟ ، فتتحالف ضد شهوات مغايرة لها، تحت غطاء متعدد وتبريرات مختلفة، فيتحول السلم إلى حرب والاستقرار إلى فتنة، تقول الرواية عن رجال المدينة الافتراضية: ” الثوار و القتلة والديكتاتوريون وزعماء المافيا وتجار السلاح والكوكايين كلهم هنا، يعيشون في وئام ويتعاملون باحترام وهم أكثر ديمقراطية”.
لقد لاحظنا أن الروائي ينجز ملحمة الإرهاب عبر دلالات التناقض بين مواقف الإرهابيين والثوار، وتجلى هذا في كثير من الفصول، حيث يطلق المبدع أسماء الشوارع والمحلات والأغاني.. في سياق سردي ملحمي يكثف الكثير من المعلومات والأفكار والأخبار والوقائع، من الماضي والحاضر، من التاريخ البعيد والقريب، من حضارات ودول الشرق والغرب.
ونقرأ في النص مشاهد الوصف ولحظات الحوار والانتقال الزمني والنزوع الشعري ، كما يحضر الخطاب السياسي والديني والتأمل الصوفي، كذلك التأريخ للأحداث الإرهابية ، كما تمنح الرواية القارئ أفقا للبحث في قضايا الهوية والدين، وتاريخ الأصوليات الدينية و الفكرية …
فـ”إرهابيس”- باختصار- هي نص مفتوح عابر للأجناس الأدبية ومنفتح على الفنون والآفاق المعرفية ، فنحن نجد أخبار الصحف والنشرات الإخبارية، كما نجد بيانات وخطب الزعماء والقادة (هتلر، بن لادن، القدافي، صدام، تشي غيفارا….)، وكلها تؤكد التداخل الفكري والسياسي في هذه الدولة المتخيلة، بل قد يلتقي القاتل والمقتول في بعض المشاهد، كما تلتقي المتناقضات، نقرأ هذا المشهد أثناء زيارة الصحفيين لمكتبة إرهابستان: “وصلنا المكتبة ذات الباب الخشبي الكبير، كان يقف على المصراعين مسلحان، أحدهما يدخن والثاني يحمل مصحفا صغيرا ويتلو سورة الكهف بصوت مسموع”.

يتحول النص الملحمي الإرهابي إلى وثيقة تؤرخ لتاريخ الأفكار والسياسات والانقلابات والثورات، وإذا تأملنا ما يسميه السارد كتاب “الإثم والغفران” في نصه نجد أن اللغة والمعنى يأتيان لنا من عوالم أسطورية ودينية يتفاعل فيها الروحي مع المادي، السماوي مع الأرضي، الغيبي مع الحقيقي… وكأنها نصوص من الزمن الهندي أو الفارسي أو الصيني القديم البعيد،
ويمكن أن نقول – من منظور البحث في سويسولوجيا الكاتب- أنّ عز الدين قد تعب كثيرًا لكتابة الرواية، تعب ذهنيا وجسميا، لقد تعب و سيتعب القارئ معه، وهذا هو المبدع الحق وهذا هو النص الناضج .
ومن علامات تعب القراءة أنّ القارئ يدهش أمام تلاحق البنى السردية، ويدخل دوامة فكرية تبحث عن السردي المتخيل والسردي الحقيقي، كما يضيع بين ملامح الإرهاب الهمجي والنضال الوطني الثوري الشريف..
لقد عانق عز الدين المبدع ميهوبي السياسي- المفكر عندما اقترب من المرجعيات التي أسست بعض الجماعات مثل أفكار التطرف الإسلامي ،وأشار إلى جزائر التسعينات واغتيال الرئيس محمد بوضياف، وقدم عرضا لأفلام تحدثت –عبر العالم- عن الإرهاب والمقاومة، ولعل ما يحسب للرواية أنها نبهتنا إلى أهمية ظهور علم نفس الإرهاب قصد كشف خبايا وأسرار العالم الداخلي لهذا الإنسان المتطرف/القاتل، ثم تأتي التحاليل الأمنية والسياسية فيما بعد.

ولعل أهم مسالة أحالنا عليها ميهوبي هي الاستفهام عن المراجع والنصوص والوثائق الفكرية والدينية والأمنية من أرشيف الزمن الإرهابي في الجزائر؟؟ وهي مهمة للباحثين المؤرخين وللفنانين وعلماء الاجتماع لتفسير ما حدث، وهي مهمة للأجيال القادمة لكي تعرف قيمة السلم والأمن والصلح وضرورة التغيير الديمقراطي والتداول السلمي ودور كل هذا في التنمية الاقتصادية والسلم الاجتماعي.
الخاتمة:
لقد حاولت هذه الدراسة كشف طريقة تفاعل الروائي الجزائر مع التاريخ، بمختلف فتراته الجزائرية والعربية الإسلامية، حيث اعتمد الروائيون الكثير من التقنيات وقدموا الكثير من الأفكار حول هذه المسألة، كما جعلوا من التاريخ قناعا للاقتراب من الراهن الجزائري والدولي، فمنهم من كتب الرواية التاريخية ومنهم من وظف التاريخ في نصه الروائي، قصد مكاشفة قضايا الحاضر وتحولاته الاجتماعية، الفكرية، السياسية… مثل علاقة المثقف بالسلطة، الثورة التحريرية و الواقع الجزائري، المجتمع والدين و الإرهاب،… فحاولنا كشف دلالات وأبعاد حضور التاريخ في نماذج من الرواية الجزائرية المعاصرة التي كتبت بعد سنة 2007.
و قد توصلنا إلى أن الروايات السابقة تفاعلت مع الكثير من المحطات التاريخية الجزائرية والعربية والدولية، قصد تحليل بعض المظاهر الاجتماعية والسياسية والثقافية (…)من عمق المجتمع، وقد يقع الاختلاف في التفاعل- فنيا وفكريا -مع التاريخ بحسب المرجعيات الجمالية والقناعات الأيديولوجية، مع تحقق جمالية الكتابة الإبداعية وأصالة الانتماء التاريخي، وهو ما يدفع القارئ إلى التسلح بالمعرفة التاريخية والانفتاح على كثير من المعارف التي تتجه نحو الفلسفة والدين والعلاقات الدولية والكتابات الإستراتيجية والفقهية وغيرها، فلا تكون مهمة التأويل سهلة عند نقد نصوص سردية تنفتح على التاريخ و تقترب من الراهن الوطني والعربي والعالمي..

د/وليد بوعديلة(جامعة سكيكدة-كلية الآداب واللغات)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق