ثقافة السرد

على مائدة الحوت

بقلم: حسين عباس*

ماذا وراءك..لتقتحم مائدتي..؟  سألني الحوت قبل يلتهم مني بياض العينين..ويلقي ببقايا الجسد المنهك في قمامة البحر الهائلة.. ورائي ضباب كثيف غيّب ملامحي..وشاطئ صخري أكل مؤخرتي فأسلمته ظهري إلى غير رجعة.. ورائي أرض شاسعة..تسع شعوب الصين والهند وما جاورهما معا..ولم تعد تسعني رغم هزالي.. ورائي خيرات لم تشهدها جزر الواق واق..ولا حلم بها السند باد الخرافي في رحلاته العجيبة.. وورائي حلم تكسر ألف مرة كمرآة العانش..ورعب أزلي يثقل الذاكرة السقيمة.. ورائي جثث تسعى في الطرقات دونما اتجاه..عبثا تتساءل في حيرة..أية حرب طاحنة نثرت دماءها..؟ وهل يهمك ما ورائي..ومن أكون يا سيد الأعماق..؟ كائن مجهول الهوية مبهم التقاسيم..يلعب لعبة الموت منذ الفطام..يركض عبر الطرقات الموحلة حافي القدمين..شاهرا أنيابه الحليبية..عبثا يذود عن نفسه فتك القواطع الحادة..يخوض معركة البقاء العبثي ليل نهار..في ساحة مبلطة بالعقارب.. أروع إنجازات غريزة البهيمة الحمقاء..تلك التي أرغمتهما ذات ليلة باردة..على الاضطجاع جنبا إلى جنب..في نشوة اللاوعي..دون أن يقدّرا ضخامة الجرم.. استمتعا باللعبة ما دامت ممتعة..ثم تخلصا من صداعها وقذفا بها إلى غابة الشوارع..ومملكة الحيطان.. لكل قذيفة حائطها الندي..وحائطي ذاك المتهرئ الذي لا تحصى أعوامه. امتلكته بالتقادم..حفرت عليه اسمي وصور أحلام حمقاء..و أودعته عند الرحيل لمنتظرين في طابور طويل.. أوصيتهم به خيرا..ما زال يحمل بصمات ظهري..وحروفا بلون الدم .. خطتها صيحات صامتة لغضبي المزمن.. غضبي من ذاك الذي يدّعي عند الحاجة..أنه صاحب النطفة ..ومالك رقبتي..دون أن يكلف نفسه يوما عناء تحسس أضلعي..وفحص مكمن مواجعي..ودون أن أعرف يقينا..كيف حاز هذه الملكية في غيابي..؟ غضبي من صاحب القبعة الزرقاء..والسيارة الزرقاء..ذاك الذي ما فتئ يتعقبني ليل نهار..مذنبا بالولادة..رغم أن ابنه الطيب وفلذة كبده..رفيقي في مملكة الحيطان والزوايا الموحشة.. غضبي من ذلك الشيخ الحكيم الذي يمتلك بالوراثة ناصية العلم والفتوى و أصدر حكمه العلني والجماعي دون أن يحدق في وجوهنا الملطخة بالقسوة” جيل شرير..والعياذ بالله “..فحشرني ورفاقي في قائمة الموبقات السبع..لتصير ثمانية.. غضبي من معلمي.. ذاك الذي حمّلني حروفا براقة لم أعثر على أية سوق لتصريفها..فألقيت بها في مزبلة الإهمال العامرة.. غضبي من الصفعات المتتالية لأكف”الحقرة”..و من الخنجر الذي اقتنيته ودسسته في حزامي متأهبا للطعن.. غضبي من التكشيرات المرسومة على الوجوه كل حين..وفي كل مكان.. ومن العيون التي تقدح شررا..ومن الأفواه التي تجلدني بالعبارة  ذاتها في كل الزوايا:

– ما بالك تنظر إلي..يا ابن ال..؟

غضبي من غرائزي الحمقاء..كيف استيقظت ذات يوم في جسد يجمع الحكماء على ضرورة وأد نزواته..وستر عوراته.. غضبي من وجوه الشاشة المحتجزة..ومن كلماتهم المستنسخة..وادعائهم المتكرر..معرفة ما يدور في خلدي ويضطرم بين أحشائي..أكثر مني.. غضبي من الآذان التي أصابها الصمم..والعيون التي فقدت القدرة على الإبصار.. غضبي من القدر الغاشم..هذا الحمار الأجرب الذي أركبونا على ظهره في ظلمة حالكة..وأقنعونا بأن لا مركوب لنا غيره.. وغضبي من غضبي..هذا الذي حرمني طعم الابتسام.. يقال بأننا ننحدر من مضر..و أن الغضب فينا سجية وطبع متجذر..لكن غضبي هذا ..فاق حدود ما تحمله الوراثة.. غضب لم يعد يسعه المكان.. غضب لا يطوّقه تعاقب الزمان..مستعر يتأجج لهبه كل حين.. بعضهم تمكنوا منه..أو تمكن منهم..أطفئوا جمرته على حافة الجسر الكبير لمدينتنا الجميلة..وأغمضوا أعينهم للمرة الأخيرة..منتظرين ليوم الحساب الموعود.. وغيرهم احتموا بملاجئ النسيان..تلك التي يستوردها كبار النخاسين.. لتبعث الدفء في النفوس لحظة ارتيادها..ريثما توضع قيود الرق في معاصمهم.. ولست لا من هؤلاء..ولا من أولائك.. ركبت ورفاقي ألواح اليأس..بعدما دفنا أواخر الأحلام في مقبرة منسية.. وغنينا ملء عقيرتنا..” ليأكلني الحوت..خير من انتظار الموت”.. وفجأة اكتشف العقلاء خلفنا أنا موجودون..أننا إحدى عوراتهم..ولعلنا أسوأها..فثارت ثائرتهم..

أفتوا.. وشرّعوا..وتوعدوا..

قالوا عنا ما قالوا..

معتوهون فعلت بهم الأقراص المهلوسة فعلتها.. خونة متنكرون للوطن الكريم.. مستلبون..أغرتهم صور الضفة الأخرى.. مغرورون..يرسمون الواقع بفرشاة الخيال الزائف.. كسالى شلت الأحلام سواعدهم..ورهلت أذرعهم..

صعاليك يشوهون الصورة المشعة..إدانتهم واجب..وفرض عين.. ولم نأبه لما قالوا..القول ديدنهم..وضمان دوامهم السرمدي.. نحن هنا..وهم هناك.. تصدّينا للموج الصاخب يا سيدي الحوت بحزم المقتنعين..وواجهنا هو.. بألسنته الجارحة.. فكانت الموقعة الضارية..

يصفعنا بكل ما يمتلك من قوة..يغرز أنيابه في أجسامنا المنهكة..يذرو ملحه على جروحنا المفتوحة حتى العظام..يصيح في وجوهنا..يزأر كأسد اقتحم عرينه..ثم يترجانا..علنا نرجع على أعقابنا..علنا نكف عن مجابهته الحمقاء..لكن إصرارنا كان أقوى وأشد.. البحر أمامنا..والضياع وراءنا..وطارق المغوار يهتف فينا.. جرح الجبار من جرح..وألقى بمن ألقى على مائدتك التي لم تشهد ألذ طعما من أجسادنا..

لسنا كما قد تعتقد..ولا كما يعتقدون.. شجعان نحن يا سيدي الحوت..ومن نسل شجعان.. لو كنا طرفا في معركة حامية الوطيس..ما أفلت منا النصر.. لو شهدنا ثورة مثل ثورتهم..لخلدت أسماؤنا في تماثيل تثقب بطولها هامات السماء.. لو أشركنا في سباقهم المحموم..لكان منا الأوائل دون ريب.. لو امتحنا يوما..لداست عبقرياتنا بلادتهم السافرة..وجهلهم الصارخ.. لو نزعت الكمامات من على أفواهنا..لأسمعنا العالم ما لم تسمعه أذن.. لكنهم لم يسمحوا..ولن يتسامحوا.. وكيف يفعلون..ولسنا قتلة تتقاطر الدماء من بين أصابعنا..ولا سفاحين أبدنا قرى ومدا شر..وأهلكنا ما كان بها من حرث ونسل..؟

لم نلحق الأذى بأية جهة..ورغم حلمنا..وصبرنا الذي لا يقوى عليه أيوب ونسله..جردونا من كل حميم..حتى الحيطان الندية لم تعد ملكنا..مذ ألصقوا عليها صورهم البشعة..وأرغمونا على اختيار جلادينا.. ولأن اليابسة ضاقت بنا..يممنا صوب البحر الهائج غير هيابين..تصدينا له كجدنا “بربروس”.. جدنا هذا أرعب الأمواج..وكسر سواريها..فلماذا ترانا نخشاها ونحن أحفاده..؟

قراصنة الضفة الأخرى..كانوا يبولون في سراويلهم عند ذكر اسمه العظيم..

لا تنخدع سيدي الحوت..فليس الصيد صيدك..

كنا ندري..حتى قبل أن نركب الألواح..بأنها ستنتهي بنا على مائدتك..

رأينا الجثث المنتفخة الزرقاء تلفظها الشواطئ..ورأينا المحاجر منزوعة المقل..وشهدنا الجنائز من غير توابيت ولا قبور..ولكن..ما الفرق بين الموت..والموت..عدا ضراوة الانتظار..؟

خيّرنا بين أنيابهم وأنيابك..فتراءت لنا ا أنيابك أكثر سماحة..ونبلا..

فهنيئا لك..وطابت مائدتك..

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق