ثقافة السرد

هاجس

بقلم: عبد القادر كعبان*

استوقفتنا الأيام صدفة بكافيتيريا “الآمال” التي أرتادها يوميا. تعانقنا بحرارة، تذكرت وقتها أيام الدراسة التي جمعتنا وذلك الوله الشديد منه للغتنا العربية. كنا نتنافس دوما على كتابة مواضيع التعبير الكتابي. قال وهو يبتسم:  – أمازلت تكتب؟ بعد صمت وجيز، قلت:- ستظل الكتابة هاجسي الوحيد.. قاطعني: ـ هيا بنا نرتشف فنجان قهوة و… قاطعته بسرعة: ـ أشكرك ولكني مرتبط بموعد خاص والوقت ضيق، و… رد بإلحاح: – كلنا معنيون بأهمية الوقت يا صديقي… جرني من ذراعي بابتسامة طيبة ووجدتني ادخل معه الكافيتيريا.. جلسنا قبالة بعض، رأيته ينظر إلى ساعة معصمه بنفس الابتسامة، وبنفس الصوت قال:…

– لدينا بضع دقائق لنتحدث.

نظرت إليه، وتنفست بعمق وأنا أكتشف أنه هو نفسه لم يتغير. ابتسمت بيني وبين نفسي وأنا أسأله:

ـ حدثني عنك، ما هي الوظيفة التي تعمل فيها اليوم؟

نظر إلي بعينين تكسوهما ثقة طاغية، ورغم أن ابتسامته ظلت كما هي، إلا أن شيء اكتسى وجهه أقرب إلى الغرور:

ـ أشرف على القسم الثقافي بإحدى المجلات.

بادرني بذلك السؤال الذي تمنيت ألا يسألني إياه:

ـ وأنت؟ن

ظرت إليه وأنا أحاول أن أحتفظ بابتسامتي، شعرت بقلبي يدق وأنا أتذكر أنني فقدت وظيفتي قبل فترة، وأنني أبحث عبثا عن عمل جديد.. كان ينظر إلي منتظرا إجابتي التي تأخرت قليلا.. قلت أخيرا:

ـ ما زلت كما تعرفني، أحمل قلمي كما يحمل المقاتل بندقيته، رافضا التنازل عن مبدأ يعي أنه يعنيه !

رد بابتسامة بدت لي ساخرة:

ـ لم يعد ثمة شيء اسمه بندقية مقاتل، بل ثمة شيء اسمه ضرورة مقاتل !

ـ الضرورة صنعها الجبناء ليتسلقوا، لكن الشرفاء يقاتلون لأجلهم ولأجل غيرهم، وهذا هو الفرق !

شعرت وكأن ابتسامته قد اختفت، وأنني ربما أصبت فيه شيئا كان نائما في داخله. التقت نظراتنا للحظة، حادة ومليئة بالأسئلة. من على حق ومن على باطل؟ تذكرت أنني لو بعت قلمي لوصلت إلى ما وصل إليه هذا الصديق المغرور. لكني لست من نفس الطينة، رغم أنني بحاجة إلى المال لسد جوع أسرتي. ثمة شيء يرتفع في داخلي رافضا التنازل عن تلك القيمة التي تسكنني، إنه شرف البقاء نقيا، كما تقول والدتي حين تتحدث عني أمام إخوتي.. كانت عبارة ” البقاء نقيا” تعني لي طريقا يجب أن أسلكه بكامل خسائري الجميلة، ومعاركي، باتجاه شيء أعي أنني سأجده ذات يوم. أعادني صوته إلى الواقع:

– سوف لن تجني من عنادك هذا إلا البؤس والتعب..

ابتسمت، وبدت ابتسامتي جارحة بالنسبة إليه، شعرت به يتململ فوق كرسيه، لكن صوته بدا أكثر هدوء:

ـ لن تكسب من هذه المعارك سوى وجع الدماغ !

ـ لهذا أنا أخوضها، ليس لأجلي، بل لأجل أطفالي الذين سيولدون ذات يوم !

نظرت إلى ساعة يدي وقلت له:

ـ يجب أن أذهب كي لا أتأخر !

ـ هل هو موعد غرام؟

قالها مبتسما، وجدتني أقول له بابتسامة صادقة:

ـ الحب يمنح شيئا دافعا، إنه يغذي هذه الرغبة على المضي قدما نحو شيء عظيم ! البسطاء والفقراء يعرفون قيمة الحب، أكثر من غيرهم !

قلتها وأنا أنهض، وقبل أن أغادره وجدتني أضيف:

ـ أما تزال تحتفظ بتلك القصص القصيرة التي كنا نكتبها سويا؟

صمته بدا كإجابة واضحة. ابتسمت وأنا أضيف:

ـ أنا ما زلت احتفظ بها، إنها تذكرني بشيء مهم، أحلام كتبتها عن إيمان، بينما كتبتها أنت لمجرد الكتابة ! أليس هذا مدهشا يا صديقي؟

قلتها وأنا أغادره. كان صامتا وبدا شاحبا وهو ينظر إلي مبتعدا. تنفست بعمق وأنا أفكر في حبيبتي التي تنتظرني، أشعر أنني مليء بالأمل، رغم كل شيء.. رغم كل شيء !

 

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق