ثقافة السرد

“عذبة” رواية المأساة الفلسطينية – الجزء- 14

صبحي فحماوي

اتضح يا عذبة أن أصحاب الأراضي، في منطقة معسكر أنصار7 من القرى المحيطة، رفضوا تثبيت أهالي المعسكر في أراضيهم، لأنهم شعروا أن إقامة اللاجئين فوق أراضيهم ستكون دائمة، ولن تكون هناك عودة في المدى المنظور، فللأرض أصحاب، يريدون أن يحرثوها ويزرعوها، وهذا الضغط، نسف المعسكر من أساسه، فطالبوا بترحيلنا، فرحّلونا.قال والدي وهو يروي لي تفاصيل المأساة: ” نحن لم نعارض الترحيل! ذلك لأننا لم نتعاطف مع المكان، لا عشرة عُمر، ولا نيلة! وإن الشاة لا يضيرها….ومن هناك، تم نقلنا إلى منطقة جديدة مجاورة لمدينة أنصار13 فكَوَّنا معسكراً جديداً ، أسموه معسكر أنصار 13، ويبدو أن أرضه كانت حكومية، وغير مملوكة لأحد من المواطنين، والذين كانوا يسمونهم وطنيين، ويسموننا لاجئين. انتقلنا بسيارات الوكالة، وكانت شاحنات ضخمة مغطّاة بشوادر قماش، مثل قماش الخيام، وتكوَّم في كل شاحنة، حوالي ثلاثين نفراً من أسر مختلفة، كان الوقت ليلاً، والأمطار شديدة، والناس واجمون، لا يتكلمون ولايتنيلون، ذلك لأن وجوههم صارت بطبيعتها نيليّة زرقاء، وكأنك قد ضربت كل واحد منهم على وجهه بكاوشوكة أبو اسماعيل المشهورة، ثلاثين ضربة. نزل الناس في المعسكر الجديد وانتشروا، كل ينصب خيمته في مكان مُحَدّد، يجاور من يريد من أقاربه، أو أصحابه أو من له علاقة معهم.. حرية تامة في الاختيار! فما دمتِ يا عذبة خارج فلسطين، تدللي واركضي في الفضاء الرحب، في الصحاري الواسعة! كل هذه الصحاري للعرب، كلها لكم، انصبوا فيها الخيام بقدر ما ترغبون! حرية على طول! لم تكن في تلك الأيام تلك الحفاظات النسائية الرقيقة، التي تشعرهن – حسب الإعلانات – ب(حرية على طول)! ولم تكن معروفة أجهزة الهاتف النقّال، التي تمنحك (حرية على طول)، فكانت الصحاري العربية، تمنحنا تلك الحرية على طول !
وبالفعل يا عذبة، كان اللاجئون ينزفون دماءً قاتمة اللّون وهم يمارسون هذه الحرية المخيفة في اختيار الأماكن التي سينصبون فيها خيامهم! صاروا يتمتعون بالحرية القادمة من الغرب، حرية على شكل خيام، ترفرف أجنحتها في زمهرير هواء الليل البارد، الممزوج برمال الصحراء الجافة ! حرية خيام على شكل البساط الطائر الذي كان يسبح في سماء ألف ليلة وليلة، يتعرضون فيه للمطبات الهوائية، فتنزل بهم رياح الخيمة الطائرة ألف قدم تحت سطح الصحراء، ثم تصعد مرّة أخرى، وهم متبلِّدون واجمون، غير متأثرين بالعواصف العاتية التي تستنزف قواهم، وتشتت أذهانهم، وتضيِّع صوابهم. صارت لديهم خبرة في نصب الخيام بطريقة حرة! هل مارست الحرية يا عذبة على الطريقة العربية؟
أقيم معسكر أنصار 13على آثار سجن عسكري سايكسبيكوي سابق، كانت فيه كسّارات تجرش الصخور، وتصنع منها رملاً للبناء، يقف تحتها القطار، فتُملأ عرباته بالرمل، وتتجه إلى أماكن العمل! كان ذلك في ثلاثينات القرن العشرين، وكان عمال الكسّارات ممن حَكَمَ الاستعباد عليهم بالسجن مع الأشغال الشاقّة، يقومون بثقب الصخور، فيضع العامل فيها كحل البارود، ويشعل فتيلاً خاصاً بالبارود، فتأكله النار تدريجيا باتجاه الثقب! بينما العمال يهربون من المكان، وهم يصيحون بأعلى أصواتهم: ” بارود! بارود “! وذلك لتحذير الناس المحيطين في المنطقة.. وبعد لحظات، ينفجر اللّغم الأرضي بصوت مُدوٍّ! ثم يتبعه تناثر الصخور إلى عنان السماء! يقف العمال يتابعون تناثر الصخور في السماء، خوف أن تسقط شظية صخرة فوق رأس أحدهم. وبعد أن يتساقط فتات الصخور، يعودون إلى مواقعهم، أحيانا سالمين، وحينا غير سالمين! إذ قد يُجرح أو يُقتل واحد منهم بحجر، أو يحرق بنار البارود، فيُستبعد المجروح، ويُدفن المقتول، فالقتل لم يعد مسألة مدهشة، لقد تعودوا عليه منذ زمن! وبعد أن تهدأ العاصفة، يعود العمال ليتفقدوا الشروخ التي أحدثها البارود في الصخر، ويحمل كل منهم قضيب بنسة فولاذية، فيولجها بين شقوق الصخر، ويضغط لاستخراج قطع الصخور الجديدة. ثم يأخذ عمال آخرون بتكسيرها بالمَهَدّة، وينقلونها إلى فم الكسارة، التي تطحن الحجارة، وتحولها إلى رمل خشن وناعم، وعندما يقف القطار تحت اسطوانة منخل الكسارة، الذي يفرز الرمل، فينزل في كل قاطرة رمل موحد الأحجام، وبعدها يتحرك القطار.
كان قطار الخط الحديدي الحجازي يعمل، وينفع الأتراك والمستعمِرين المستعبِدين فيما بعد، فلما أصبح الخط بيد الأعراب، فتّتوهُ وساعدوا على تفتيته.. وكما فتَّت سايكس ويبكو جسم الوطن العربي، وقطَّعا أوصاله، فكك العرب سكة الحديد، فمات القطار، ولم تصدر بحقه شهادة وفاة!
هكذا خططوا، وهكذا نفّذنا. وبعد ثلاثٍ وعشرين سنة من نكبة فلسطين، أصدر والي نفطستان مرسوما، أهدى بموجبه الخط الحديدي الحجازي في بلاده إلى المتحف الوطني، واعتبر ذلك إكراما للميت، حيث يقولون:” إكرام الميت دفنه “.
كان عمي أبو الخناجر يا عذبة واحداً من المحكوم عليهم بالسجن المؤبد، مع الأشغال الشاقة في ذلك المعسكر عام l936، لأنهم اكتشفوا عنده أسلحة مخبأة في البئر، وبواريد عثمانية، سألوه عنها فقال لهم:”قد تكون منسية من زمن الأتراك “! اعتقلوه ولم يعدموه، بل حكموا عليه بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقّة! وقال له القاضي العادل:” إلى الأبد، إلى الأبد، يا أبو الخناجر”! وكان الرجل مخلصاً في محاربتهم، فلما عمل بالأشغال الشاقة في الكسارات، صار مخلصاً في تكسير الصخور، وأحب تلك المهنة اللعينة! حيث الحرّ والغبار والعناء، والجوع والإهانة .

ولا تعرفين يا عذبة كيف جاءه في أحد الأيام إفراج من السجن، وكان صوت الكسارات والبارود، وتقطيع الصخور وطحنها، يصمّ الآذان، والغبار الصادر عن المطاحن، يخنق الفضاء، فلا أحد يسمع أحداً، ولا أحد يرى أحداً، ولكن لابد لأبي من توصيل الخبر لأخيه، فناداه من بعيد، لإخراجه من أتون البارود، قائلاً بصوتٍ عالٍ:
” يا ابو الخناجر! تعال، أتاك إفراج من السجن! يابو الخناااجييير “! وبعد نداءات متكررة، ردَّ عليه عمي؛ المتورط بحفر لغم جديد قائلاً:”يا أخي سمعت نداءك! انتظر نصف ساعة، حتى أنتهي من معالجة هذا الّلغم! ظل عليه فقط إشعال البارود”!
لم يفهم منذر لماذا يتابع أبو الخناجر الأشغال الشاقة، رغم صدور عفو مدهش، لم يحلم به سجين! فبعد أن انهى ختم معاملته وأوراقه، أخذه بالحضن، وقبّلَ وجهه المكسو بطبقة بيضاء ،مثل وجه البشعة السمراء التي تدهن وجهها بعدة طبقات من الدهانات التجميلية المبيضة، بهدف تجميل وجهها، فتزداد بشاعة! ولكن وجه عمي كان شهياً وهو في حضن أخيه، رغم كل ذرورات وغبار رمال الكسّارة المتطاير عليه من كل مكان.. وبعد أن شدّه من ذراعه وأخرجه من أتون الأشغال الشاقة سأله:
” لماذا تستمر في العمل، رغم أن الخروج من المؤبد، كالخروج من التابوت، والعودة إلى الحياة مرة أخرى؟ هل كل هذا إخلاص في العمل “؟ فأجابه عمي وهو يمسح العرق المُجبِّل بالذرورات البيضاء من على وجهه:
” كلما ينفجر البارود فيفتت الصخر، يرتاح صدري يا منذر، وكأنني أفجِّر معسكراً، أو خلية تدريبية للصهاينة في فلسطين. إنها النار يا منذر! النار! أريد أن أنقلها من صدري إلى صدورهم! أنا لا يشفي غليلي غير النار والبارود! ولكن قل لي؛ كيف المرأة والأولاد”؟
” كلهم بخير”. أجاب أبي ساخراً. “أمي قائمة بالواجب خير قيام”!
كان ذلك أيام زمان يا عذبة في الثلاثينات، وأما في بداية الخمسينات، فالمستعمرون تركوا الموقع خراباً بلا كسارات، فلا قطار يذهب، ولا قطار يعود، فأنشأوا لنا مكانه معسكر أنصار 13، وكنت أشاهد بعض عربات القطار الحديدية ما زالت واقفة على سكة الحديد، صدئةً مهترئة في المحطة. حتى أن بعض العائلات سكنت؛ كلٌ منها في عربة. وهناك نصبوا خيمة كبيرة، هيكلت أبعادَها عدّةُ أعمدة، وحولها عدة خيام متوسطة الحجم في زاوية المعسكر، وأعلنوا قيام مدرسة ابتدائية، تابعة لوكالة الغوث .
كان الشيخ ناصر يعلمنا في الصف الأول الابتدائي. يدخل الصف بجلبابه الأسود الطويل، وعمامته البيضاء. يحمل بيده علبة كبريت، ويخرج منها عود ثقاب، لا ليشعل لفافة تبغ، بل لينكش به أسنانه الخربة، والتي كانت تظهر سوداء مهترئة، وهو يفتح فمه، وقد نخرها السوس. لم أذكر من علومه سوى قصة حكاها لنا عن أخوين، أحدهما تعلّم بالمدرسة، وواصل تعليمه إلى أن صار جامعياً، وأصبح محاميا ” قد الدنيا”! والثاني لم يتعلم، فعمل زبّالا ً في المدينة، وكان الأخ الزبّال يقف متخشباً، رافعاً يده لأداء التحية لأخيه المحامي، الذي يمر من أمامه، فيرد المحامي التحية لأخيه الزبّال، رافعاً رجله! تلك هي القصة الوحيدة التي أتذكرها من علوم سيدنا الشيخ ناصر. وعلّق يومها ابن عمي وائل، أحد طلاب الصف، قائلاً لسيدنا الشيخ ناصر:
” عامل النظافة يا سيدنا الشيخ أحسن خُلُقاً من أخيه المحامي، حينما يُسلِّم بيده، بينما المتعلم يُسلِّم برجله، فالذي يحرك رجله رافساً، هو الحمار! وكذلك فان عامل النظافة محترم، لأنه ينظِّف ما يوسخه الناس القذرون، فلماذا تصوِّره بهذه الصورة” ؟
” هذه مجرد حكاية يا ولدي” أجاب الشيخ ناصر مُحرجاً: “لأعملكم التشبث بالدراسة، وعدم التكاسل أو الهروب من المدرسة، لأنكم لو هربتم من المدرسة- لا سمح الله – فستُرمَون في الشارع! وماذا في الشارع غير الكناسة، أو تعلم الهمالة ؟ ولكن يا أولادي هذه القصة ليست أسوأ من قصة أخوة يوسف، الذين رموه في غيابة الجب، وقالوا لأبيهم: لقد أكله الذئب”!
وخلال أشهر، أنشأوا عيادةً في وسط المعسكر، ومستوصفاً للولادة، على شكل قاعةٍ، تتسع لحوالي ثمانية أسرَّة للنساء الوالدات، وكان المستوصف بإدارة الممرضة الحاجّة نويِّر، وهي امرأة قصيرة سمراء، كثيرة الحركة، وكبيرة العمر، وشعرها الأشيب يظهر من تحت غطاء الرأس متعاكساً مع سمرة بشرتها. تلبس ثوباً تمريضياً أبيض، ويبدو أنها كانت سعيدة بعملها بين النساء الممددات على أسَّرتهن، تغطي كل منهن ببطَّانية، بانتظار فرج الولادة، أو مستلقيةً على ظهرها ليلة أخرى للنقاهة. ومن أسباب سعادتها، كثرة الهدايا التي كانت تحصل عليها بعد كل مولود، خاصة علب حلويات راحة الحلقوم، وبعض القروش التي كان يدفعها الأب القادم لاستلام طفله، خاصة إذا كان المولود ذكراً.
كان يداوم في العيادة طبيب عجوز أصلع، اسمه الدكتور حبش، له بقايا شعر أبيض طويل، يغطي قاع رأسه من الخلف، وفوق أذنيه، وكان يمشطه إلى أسفل، ويضع نظارة طبية واسعة على عينيه، ويلبس لباس العيادة الأبيض، وممرضته شقراء محمرة، كنا نسميها ” خلود الحمراء ” ذلك لأنّ لون بشرتها أحمر، وأيضاً لأنها كانت تدهن الداخل والخارج بدواء أحمر، اسمه “ميكروكروم” حيث الجروح والقروح كثيرة في تلك الأيام، وكانت خلود الحمراء، تستقبل المرضى، وتتفحصهم بدقة قبل إدخال أحدهم إلى الطبيب ، وتصرف كثيراً منهم دون أن يتمكنوا من زيارته ، التي لا ينولها إلا المريض الذي دعت له أمه، للّله وللأولياء الصالحين !
أنشأوا مطعماً لطلاب المدارس، في الجهة الغربية من المعسكر.. وكانوا يسقوننا في الصباح، حليباً محلولاً من الذرورات المجففة. كل طالب يُعطى منه كأساً كبيرةً. وكان المراسل أبو ماجد يدخل صفوفنا المدرسية صباحاً، فيوزع على كل منا حبة زيت سمك، ويتأكد أن الطالب قد ابتلعها. وعند الظهيرة نذهب إلى المطعم، فيعطوا كلاً منا صحناً، فيه أرز وخضار مطبوخة، وقطعة لحم، وثمرة فواكه، أو قطعة حلوى! ويعطوننا أحياناً ونحن عائدون إلى البيت، قطعة جبن أصفر قشقوان للعشاء. وفي المدرسة كانوا يعطوننا دفاتراً وكتباً، وممحاةً وأقلامَ رصاص ومسطرة مجاناً، فنفرح بها. ولكن الشيء الوحيد الذي افتقدناه، كان الوطن فلسطين.
يبدو أنهم كانوا يعطوننا كل تلك المساعدات كي لا ننفجر جوعاً، فنستميت عائدين إلى الوطن! وقد تكون نوعاً من التكفير عن ذنوبهم التي اقترفوها بحق شعبنا المشرد. إنه شعور القاتل بالذنب! ولكنهم قالوا لنا:” ممنوع أن تقولوا نحن فلسطينيون. قولوا: نحن عروبستانيون”. وحسب ما قرأت، فلقد كانت الأوامر تصدر كهذه أيضا، داخل الأرض المحتلة، حيث قال المحتلون لمن استمات، وبقي على قيد الحياة فوق تراب وطنه:” ممنوع أن تقولوا نحن فلسطينيون، بل يجب أن تقولوا: نحن عرب إسرائيل.” كانوا يسيرون على درب فلسطين، ولكن بالممحاة!
وأما أنا شخصياً يا عذبة، فلم أفرح بالأقلام، ولا بالدفاتر، ولا بالمساطر. كنت أريدك أنت، أريد أن أعود لأدرس معك أينما كنتِ، كنت أتمنى أن أهرب من المدرسة وأعود إليك، ألعب معك، أُقرِّب أنفي من أنفك، تحت شجرة البلوط، لأشم رائحة عرق وجهك البهي، لأرى عينيك أمام عيني، نجمتين زرقاوين تضيئان حياتي المظلمة، شمعتان تضيئان حالك ليلي المعتم. عرقك يتصبب أمام ناظري كبلورات اللؤلؤ! عشقي للوقوف إلى جوارك، تهربين إلى عرق التينة الزراقيّة، فألحق بك إلى هناك، تصعدين التينة. تقطفين ثمرة ناضجة، ترمينها إليّ، ألتقطها بيدي، أقشِّرها وآكلها، لبّها أحمر، وطعمها مثل العسل! أُحضر “قُرطلّة” ، وأصعد إلى جوارك، لنجمع فيها الثمار الناضجة. تتمايلين فوق الأغصان، أخاف أن ينكسر الفرع فيسقط بك، أحتضنك كي لا تقعي! كانت جدتي سعدة تقول:
” شجرة التين تقول لمن يتسلّق أغصانها: (يا كاسر)! بينما شجرة الزيتون تقول له: (يا ساتر)”. ولذلك لم أكن آمنُ لأغصان شجرة التين، لأنها سهلة الكسر، فيقع من يقف عليها. أنفاسك في مواجهتي، تمنحني شعوراً بالسعادة، وتبعد عني شبح الخوف .
كنت يا عذبة أقف في صف المدرسة، بعيداً، بعيداً عنك، أحيي علم ولاية عروبستان التي نحن في منطقة نفوذها. والعرب هنا شعوب وقبائل متنافرة، وليسوا كما جاء في القران الكريم: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) فهنا لكل شيخ قبيلة حدود، تعترف بها الأمم المتحدة ضدنا، ويقف على حدود القبيلة جنود، يمنعون رعايا القبيلة المجاورة من تجاوز حدودهم، حتى لا تعود بينهم حرب داحس والغبراء، أو حرب البسوس، أو حتى على الأقل حروب الخليج الأخيرة .
طلب الدكتور حبش من الأستاذ فلاح حنّون مدير المدرسة أن يرش الطلاب بمبيد د.د.ت، نعم أل دي.دي.تي المحرّم استخدامه اليوم دولياً حتى على الأرض! لأنه مادة مُدمِّرة للبيئة، ولكن الدكتور حبش كانت تأتيه تعليمات، برشِّه على أجساد الطلاب، داخل ملابسنا، وعلى رؤوسنا.” هذا ممتاز لقتل القمل والبراغيث والصيبان والفّش ” قال الدكتور حبش. وفي اجتماعه الرسمي مع المدير فلاح حنون، اتفقا على تطبيق تعليمات الوكالة، التي تنص على أن يحلق الطلاب شعورهم على درجة الصفر. وكان المعلم يسمح لنا أحيانا بتجاوز الأنظمة والقوانين، حتى درجة 3 . ذهبت إلى الحلاق أبو حمد السمكري، فدفعت له قرشا أجرة الحلاقة :
” الحلاقة بقرشين”، قال رافضاً، “ولكن خصماً لأبيك تعريفة، فالمطلوب منك قرش ونصف فقط. شعرت بخجل وصغر الأكتاف أمامه، فقلت له:
” ليس معي غير قرش واحد “! فرفض عرضي قائلاً:
“إذن لا حلاقة لك!”
عدت إلى أبي، وشرحت له حالتي الميئوس منها، فأصرَّ أبي على أن لا يدفع أكثر من قرش واحد، وأصر أبو حمد السمكري، على أن لا يقبل أقل من قرش ونصف، فضِعتُ بين الاثنين؛ والدي يطالبني أن لا أكون مُسرفا، وأن أفاصل الحلاق، والحلاق يقول لي:
“لا داعي أن يكون أبوك كُحتة، وبخيلاً إلى هذه الدرجة”! كان المتضرِّر الوحيد من هذه المنازعة بين العملاقين الاقتصاديين، هو العبد لله، إذ منعني مُربي الصف – الأستاذ عبد الله الأطرش – من العودة إلى المدرسة إلا إذا حلقت شعر رأسي. وفي النهاية،عقدت مع أبو حمد معاهدة: ” ما رأيك يا عمي، أن أعرض عليك تسوية، أحلق بموجبها هذه المرة، بقرش واحد فقط، وفي المرة القادمة، سأحضر معي قرشاً ونصف”؟ فسئم الرجل من مفاوضاتي، التي تشبه مفاوضات العرب مع المحتلين، والتي بدأت بلاءاتهم الثلاث في الخرطوم، وبقدرة قادر، تحولت إلى آهات ثلاث، وقد تصل إلى: “آه على ذبابة”
” ماشي الحال” قال الحلاق أبو حمد. ولكنه لم يحلق لي بيده، بل أحالني إلى ابنه حمد، الذي كان” يتعلم البيطرة، بحمير النَّوَر”! حلق لي حمد، فخلع شعر رأسي بالماكنة القديمة التي أحالها أبوه إلى التقاعد، إلا في الحالات الميئوس منها، مثل حالتي، فتعود الماكنة للعمل من جديد، حتى ولو كانت تخلع الشعر، بدل أن تقصه! صرت أصرخ، وأنا أمدُّ يدي لتحمي رأسي من جرافة حمد العمياء:
” هذه الماكنة يا حمد، خلعت شعر رأسي”! فقال حمد:
“الماكنة ممتازة. الآن أخرجتها من الكاز، كي لا يكون فيها أمراض ولا جراثيم”. وفي المرَّة التالية، لم أحلق عند أبو حمد، بل ذهبت إلى الحلاق أبو مساعد الإسكافي. ذلك لأن أبو مساعد، أراد أن يضارب على أبو حمد، ويشفط الزبائن من عنده، فَقَبِل الأجرة قرشاً واحداً، بدل قرش ونصف.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق