ثقافة السرد

ذاكرة من أربعة طوابق

بقلم: زكية علال*
كانت أنفاس الغرفة تسبح في لون رمادي عقيم، وتتحرك داخل ذاكرة تصعد أدراج العمر لتختصر كل المسافات التي باضت وأفرخت في عُشٍّ خُرافي … فالستائر أسدلت على تفاصيل أحلام أخذت لون فراشة متمردة رفرفت على شرفات الروح، ثم سحبت ظل ألوانها لتحط خارج حدود الأمل … والنوافذ أغلقت على همس ابتسامة تأرجحت طويلا ثم هوت كعصفور ظل يعتقد أن السماء مملكته وعشه الكبير الذي لن يتنازل عنه، حتى فاجأته حجارة وجع قاتل فهوت بعرشه الرخامي وزلت قدم ظنَّه، فكان طعاما شهيا لسخرية العبث.  لم يكن يسمع في الغرفة إلا طقطقة ذكريات وهي تسحب نفسها متعثرة مَرَّةً بهمس كان يشرق هنا، ومَرَّةً بدفءٍ كان ينبت هناك ، ومَرَّةً بحرارة أنفاس تختلط بهمهمات الروح … كان هو قد فتح حقيبة كبيرة في عرض السرير، وراح يجمع فيها ما تناثر في هذا العُشِّ الدافئ وما تدلَّى على جدار ذاكرته زمناً طويلا، وسَدَّ كل مَمَرَّاته .
بدأ بانكسار فرحته الأولى وهو يخرج من البوابة الكبرى للجامعة، كان يحمل شهادة جامعية عليا تدل على تفوقه ونبوغه المتميز الذي ظل يلازمه، وفي يمين القلب يقبض بقوة على فرحة أمل في أن تكون هذه الشهادة مفتاحاً لكل الأفراح الممكنة في ربيع مقيم في مشرق عينيه … لكنَّ تناسل الأيام أحاله على شوارع باردة امتصت حرارة أحلامه وعبثت بدمه ليغدو جسما متكورا تتناقله الأرصفة الطاغية وتسنده الجدران الأسمنتية القاسية، وتلهو بأحلامه قدم السخرية وهي تدحرجه من مقهى إلى مقهى، وتستبيح دم الرجاء الذي ظل مطمئنا في عروقه.
ثم مدد في الحقيبة فرحته الأولى وهو يحصل على أول تعيين كمتعاون مع إذاعة محلية بالجنوب، كان هو يزودها بأخبار ساخنة عن مدينة يحاصرها الصقيع، وكانت هي تمنحه أجْراً زهيدا لا يكفي ثمنا للأوراق التي يحرر فيها تفاصيل الأخبار … كان كلما حرر خبرا مختصرا أحس أنه يحرر معه مساحات واسعة للخراب في داخله فتأتي على كل حقول الصفاء الروحي  الذي كان يسبح فيه … كلما  نقل خبر زيارة مسئول إلى المدينة ، أحس
ملايين الخلايا  تتخرب في فضائه لتحدث خللا في تفكيره … كان يتدلى على جدار وطن وهو يساعد على تزييف الحقيقة …
تعلم من عمله ـ كمراسل ـ كيف لمدينة يابسة أن تدب فيها الحياة وتتجدد في جسمها خلايا الإصباح، بل وتعود ـ  بعد اليأس ـ إلى التناسل لمجرد مرور مسئول على هامش شارع عابر … كم مرة حاول أن يخترق الحزام الأمني والدائرة البروتوكولية ويعترف للرئيس بصوت متجبرٍ عالٍ:  “قبل ساعات فقط لم تكن هذه الأشجار تنبت هنا، ولا الجدران كانت تقف على هذا الزيِّ الجميل، ولا الشوارع كانت ترفل في كل هذا البهاء … إنها صورة مزيفة لعابر مبرمج …”.
لكن لا يدري لماذا ينتصر عليه الصمت،  ويهزمه الجبن، مع أنه لن يخسر شيئا، ولا يملك ما يخاف خسارته … فحياةٌ روتينية باردة يابسة لا تستحق كل هذا الجبن في المحافظة عليها …  وعندما يعود أدراجه في المساء ويختلي إلى لحظات الصدق، كان يتساءل ببراءة طفل ساذج:
ً  هل يعلم هذا المسئول أن ما رآه اليوم مجرد لوحة رسمتها أياد تتقن فن التلاعب، ولكنه يتجاهل الأمر ليرى انتصاره الخرافي في مدينة تشبه الأسطورة … أم أن البرج العاجي الذي يسكنه يجعله يعتقد أن كل المدن والقرى التي يعبرها لابد وأن تكون عاجية … ؟ ً
ولم ينس أن يدس في جيوبه الخفية أول انكسار لقلبه البكر .. التقاها خارج حدود خيبته، فكانت فرحته الأولى، وأحس أنه وُلِدَ مع أوَّل لقائه بها … تعلم في مساحة قلبها كيف يحبو نحو الأمل ، وكيف يخطو خارج دائرة الوحدة … علَّمَتْه الحروف الأولى للفرح … كان يتهجاها في أول الأمر لكنه أتقنها فيما بعد، فنطقت أسارير وجهه، وعَبَرَ جغرافية التِّيه … لكنه فوجئ بها ذات مساء وهي تخبره أن زواجها من ابن عمها قريب، فالعائلة ملت عجزه الدائم في وضع إطار شرعي لعلاقتهما الطويلة … فترنح ثم هوى ليعود قعيدا كما كان … أخرس القلب، مشلول الدم، غائب الملامح …. إلى أن اقتحمت حياته … لم تكن حبه الأول ، لكنها كانت تلك الإشراقة التي مسحت طبقات الجليد المتراكمة عند بوابة قلبه والتي منعت عنه الدفء زمنا طويلا … استطاعت هي أن تهوي على كل هذا الصقيع الذي يزأر في جنبات قلبه.
قالت له وهو يتقدم لخطبتها:
ـ ولكننا لا نتشابه في أمور كثيرة .
رد وهو يعانق براءةً تُشِعُّ من عينيها:
ـ الزوجان كما الصديقان، لا يتشابهان ولكنهما يلتقيان.
رَدَّت بسذاجة فاضحة:
ـ لم أفهم …
قال وكأنه يشرح لها نظرية في علم الاجتماع:
ـ عندما يتشابه شخص مع آخر لا يكمله بل يعيده، وينسخ صورته، لكن عندما يختلفان يلتقيان عند بوابة التكامل ليرقع كل منهما ما تمزق من الآخر ويخيط لحظات السقوط فيه.
لم تستوعب شرحه، لكنها قبلته زوجا واحتوته بكل الأمومة التي تختزنها وهي طفلة تحضن دميتها وتلعب معها دور الأم الحنون … وهاهو اليوم يجمع حطام ذكرياته في حقيبة كبيرة، ويقرر أن يغادر جغرافية عينيها ويعبر حدود دفئها وهو يعترف لها:
ـ خارطة عينيك ما عادت تتسع لأحلامي، وفضاؤك المحدود يخنق تطلعاتي .
لم ترد عليه … كانت تقف مستندة إلى حائط انكسارها المفاجئ وصورة حسرتها تنعكس على المرآة المقابلة لخيبتها. كانت تتفرج عليه وهو يحكم قفل الحقيبة الكبيرة ويحملها بعسر … عندما كان يخطو نحو باب الغرفة المتهاوية اصطدم بابتسامة ولده الذي كان يغرق في نوم هادئ … ابتسامته حاصرته كحمم البركان أو صدمة الفيضان، لكنه عبر عليها ولم يلتفت خوفا من  الضعف ورغبة في البحث عن ذاته الهاربة.
عندما وصل إلى المطار كان لابد للحقيبة الكبيرة أن تعرض على التفتيش، وأن تمر على السكانير … لم ينزعج ، فهو بعيد كل البعد عن الممنوعات والمحرمات، لكنه فوجئ بأعوان الجمارك وهم ينادونه إلى مكتب خاص، واصطدم بقرار لم يخطر على باله:
ـ لك أن تختار بين السفر وهذه الحقيبة … إما أن تعبر أنت وإما هي، فالطائرة قد تهوي بكل هذا الثقل الموجود فيها.
لم يفكر … بل ترك طوابق ذكرياته  تنهار في بهو المطار، ليسافر شجرة عارية مبتورة .   

*أديبة جزائرية            

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق