قراءات ودراسات

الحضور الاجتماعي والسياسي في الرواية الجزائرية

د. وليد بوعديلة*

يستدعي الخطاب الروائي قضايا وانشغالات المجتمع في مختلف تحولاته، كما يستدعي المصادر الثقافية ويحاور المرجعيات عندما يشكل هويته النصية، ويعد المرجع الاجتماعي والسياسي من أهم التكوينات التي تجسد و تشكل-عبر بنيتها الدلالية- المنظور الفكري للروائي. فيتحتم على القاري إنجاز بحث يتحرك بين الداخل النص وينفتح على السياقات المختلفة لينجز فعلا نقديا محترما.
و قد عادت الرواية الجزائرية -في مختلف فترات التحول الاجتماعي/السياسي-إلى رموز تاريخية متعددة وكانت الثورة الجزائرية علامة هامة في هذا السياق التفاعلي مع اختلاف التوظيف والموقف بين الروائيين باختلاف القناعات والأيديولوجيات، وهو الأمر العادي المألوف في كل موقف من مسائل الدين و التاريخ و التراث عند المبدعين او المفكرين أو رجال السياسة، كما عاد الكاتب الجزائري إلى محطات تاريخية أخرى سابقة عن زمن الثورة قصد تأمل الراهن بمنظور الماضي وقراءة إشكاليات اليوم عبر أجوبة قد تحضر في أزمنة سابقة، نجد هذا في روايات الطاهر وطار، و رشيد بوجدرة، و واسيني الأعرج،و أحلام مستغانمي، وحميد عبد القادر،…
كما اقتربت الرواية الجزائرية من المشاكل المجتمعية بكل امتداداتها المختلفة، وبحثت فنيا في حضورها السياسي، والثقافي، والاقتصادي ضمن ّأفق السرد الواقعي أو التجريبي، ويمكن العودة بالدرس لكثير من الروايات التي نشرت بعد سنة ألفين للتأكد، وهي الفترة التي تهمنا في هذه الدراسة؛ حيث حضر الهم الوطني بآليات سردية مغايرة، كما حضر الطرح الأيديولوجي بأبعاد دلالية تكون رمزية في الغالب وواضحة صريحة في بعض الكتابات،و نقرأ في نصوص الجيل الجديد من الروائيين الجرأة والمغامرة والتمرد ومحاولة تقديم قراءةمتمردة للشأن المجتمعي الجزائري ، أي فيها الصدام مع رؤية السلطة السياسية والمألوف الفكري الاجتماعي أكثر من المهادنة والمدح.

وقد تناول الروائي الجزائري تلك التحولات الاجتماعية واقترب منها بتقنيات سردية متعددة ومتباينة بين روائي و آخر بل عند الروائي الواحد بين مختلف نصوصه،كما كانت الرؤية الفكرية متغيرة ،بحيث يجد القارئ كل الأصوات الاجتماعية والسياسية التي برزت في سنوات التسعينات(العشرية السوداء) وما بعدها، فتحضر بممارساتها وأفكارها، في حركية فنية ودلالية لم تتخذ النمط الأحادي في النظر، وهو ما يصعب فعل القراءة…
و إن تفاعلت الرواية الجزائرية مع المحنة الوطنية في التسعينات من القرن العشرين، واقترح الروائيون قراءات كثيرة للحدث المأساوي، بما فيه من مشاهد إرهابية (تطرف، دم، رصاص، تخريب…)، فقد عاد النقد الأدبي لهذه الروايات بالتحليل والدراسة في الرسائل الجامعية والمقالات الصحفية والأكاديمية، كما أن نصوص مابعد الفتنة الدموية(من سنة 2000 إلى اليوم) قد قدمت مواقفها من الرهانات الاجتماعية والسياسية الجديدة على ساحة الوطن، فتناولت المصالحة الوطنية والتحول السياسي التعددي ومختلف المظاهر السلبية والايجابية التي شهدها المجتمع وعرفتها الدولة بمؤسساتها…
لقد استعان الروائي الجزائري المعاصر بأدوات فنية متعددة لقراءة الراهن وكشف عناصره المتغيرة، فبرز التوظيف التاريخي والاشتغال التراثي، وقرأنا التحليل النفسي والطرح الفلسفي والصوفي، كل ذلك نجده في روايات عبد الله حمادي(تفنست)، و محمد مفلاح (شعلة المايدة)،و مصطفى نطور (عام الحبل)،و بشير مفتي(أشجار القيامة)، و اليامين بن تومي(الزاوية المنسية) …، حيث سعى المبدع الجزائري لكشف جوهر وروح الإنسان الجزائري، وتفاعل مع تراثه وذاكرته و تتبع نبضه الفكري والسياسي،، من خلال منظور أدبي باحث عن التفرد،و يعتمد الروائي في إنتاج نصه الروائي على الحياة لأن النص الإبداعي هو حوار متواصل مع الأبعاد الذاتية والمجتمعية للمبدع و لأفراد مجتمعه، ويصعب على القارئ فصل الذاتي عن الجماعي في النص و في هوية الكتابة لدى المبدع.
فما هي القضايا الاجتماعية والسياسية التي حضرت في الرواية الجزائرية المعاصرة؟ وما هي الأبعاد الرمزية التي حملتها؟ وكيف تأمل الروائي التاريخ في لحظة البحث السردي في الراهن؟ وهل حضرت السياقات المجتمعية في نسق سردي واقعي أو عجائبي؟ و ما هي الظواهر السلبية التي كشفها الخطاب الروائي؟ وهل طغى الخطاب الأيديولوجي على الروح الفنية في الروايات؟…ستحاول هذه الدراسة البحث عن الأجوبة في نماذج من الرواية الجزائرية.
1-الخطاب الروائي والانهيار الاجتماعي-السياسي:
أ- انهيار المجتمع و حضور الفتنة :

يكشف الروائي عز الدين جلاوجي في روايته “الرماد الذي غسل الماء”(،درا هومة للنشر، الجزائر2005)الكثير من الملامح الاجتماعية، عبر البحث في قضايا الدين و السياسة، بالإضافة إلى مسألة الموقف من الحضور الثقافي في مجتمع عربي استهلاكي ومتخلف يعاني الكثير من الانهيارات الحضارية، وهذا بعد روايته “راس المحنة”(1998) التي قاربت الأزمة الجزائرية و مرجعيات الممارسات الإرهابية و تجلياتها، و هو يقدم لنا الموضوعات والأفكار عبر تتبع قصة اختفاء جثة القتيل “عزوز” ورحلة سردية جمالية واجتماعية بحثا عنها.
رغم أن القارئ يريد منذ الصفحات الأولى معرفة القاتل والمقتول(الجثة) إلا أنه لا يدخل في أحاسيس القلق والانزعاج، لأن السارد يعتمد التشويق السردي بالانتقال بين الأمكنة والأزمنة والمواقف كما يستعين بالموروث الشعبي وينوع اللغة ومستويات الشخوص( اجتماعيا وثقافيا)، وتكشف الرواية بعض الحقائق السياسية الجزائرية ؛ فالزمن الإرهابي حصد الأرواح البريئة، و أغرقت الممارسات السياسية الضعيفة الوطن في الفوضى…
تقدم الرواية صورة عن كيفية توزيع المسؤوليات الهامة بطرق غير شرعية، كما أن المثقف الثوري التحرري يعاني من الغبن والإقصاء الاجتماعي والسياسي، يتساءل الضابط في الرواية” هل يمكن أن يكون عزوز ضحية هذا الإرهاب الذي راح يضرب بجنون البلاد والعباد، ولكن أي نوع من الإرهاب وقد فرخ وتعدد في هذه البلاد”، فلا يريد النص الروائي أن يتحدث عن ظاهرة أمنية وسياسية واحدة في إطار ضيق يل يريد من القارئ أن يتجه بعيدا في النظر للتحولات الاجتماعية والسياسية.
يوظف الروائي التاريخ العربي الإسلامي، ويفضح رموز الإقصاء ويطلب المساعدة والعون
من رموز التحدي لأن الراهن هو إعادة للماضي ، ويبقى المثقف “فاتح اليحياوي” هو روح وضمير الأمة وهو رمز للمثقف الذي يعاني الغربة والاغتراب في مجتمع يقدس أصحاب الأرجل(كرة القدم)
و يحتقر أصحاب العقول، إنه مجتمع-بحسب خطاب الرواية- يرضى بالأنظمة المستبدة ولا يريد التغيير والتحول، و هنا تتجلى براعة التفاعل السردي مع الراهن ، و يكون الماضي هو وسيلة كشف وتأويل الحاضر.

و تبقى الرواية في الغالب تتجه نحو الأمام لتمارس الإغراء والإغواء على القارئ في سرد بوليسي يكشف المواقف السياسية الساخرة، ويفضح الأخطاء والسلبيات في المجتمع وفي أجهزة الدولة، حيث ينتشر التزوير ويغلب اللاقانون على القانون ويتفوق المال المشبوه على العلم والمعرفة
في السياق الاجتماعي الجزائري، بل هو شأن السياق العربي بعامة.
تريد رواية “الرماد الذي غسل الماء” أن لا تكون رواية مهادنة، بل تريد أن تكون صادقة فاضحة، فهي تكشف لنا ممارسة شخصية نسائية اسمها”عزيزة” التي ترمز إلى المافيا السياسية والمالية، كما تفتح الرواية قضية هامة في المجتمع تتمثل في التطرف والغلو، فإذا كانت توبة الشاب”عمر كرموسة” من الذنوب والعودة إلى الله جيدة، فإن تقدمه للرقية الشرعية والعلاج الروحاني أمر غريب وخطير، لكنه للأسف هو ما يحدث جزائريا وعربيا، فيتجه الشباب بحماسة نحو التدين من غير زاد معرفي شرعي، فتقع الفتن بسبب التأويل الخاطئ للنصوص الدينية.
وبعد سنوات من تلك الرواية كتب عز الدين جلاوجي رواية”العشق المقدنس”(10)، وكلمة المقدنس هي جمع بين المقدس والمدنس، وفي هذه الرواية يرحل المبدع إلى زمن الدولة الرستمية(776م-909م)، مشكلا عوالم يتداخل فيها التاريخي الحقيقي مع الفني المتخيل، ويقترب
من قضايا الفتنة والتطرف في المجتمع العربي المسلم زمن الحاضر بالعودة للماضي.
تبدأ عملية لعب المبدع مع القارئ أو تحديه من خلال العنوان-العشق المقدنس-، فهو عشق يجمع المقدس والمدنس وهنا تتعدد القراءات والتأويلات، ويمكن أن نقترح قراءتنا التي ترى بأن العشق هنا يأتينا من نبض وعمق الوطن الباحث عن هويته وذاكرته، لكن الإنسان(إنسان هذا الوطن) يغامر في البحث المشوه عن هذه الهوية بآليات ناقصة ورؤى ضيقة فلا هو عانق القداسة ولا هو تجاوز الدنس، فأدخل العشق/الهوية في متاهات ودهاليز مفجعة رهيبة، هي متاهات التأويل الخاطئ للنصوص الدينية والقيم الثورية التحريرية العادلة، مما يحتم عودة دور المثقف العضوي، رغم أن هذا الأمر تجاوزه الزمن ووقعت تحولات كثيرة مع التغيرات الاجتماعية في ظل الثورة المعلوماتية وظهور الفاعلين الجدد
في ميادين الثقافة وصناعة الرأي والفكر.
يريد جلاوجي أن يقول عبر روايته بأن المجتمع الجزائري(والعربي)يشهد تراجعا لروحانية القداسة وسيطرة لترابية الدنس، والوطن محاصر بقداسة مجهولة ودنس معلوم، كما أن أصوات الإقصاء تطغى على أصوات الحوار والاتفاق، وحروف التكفير تتحكم في المجتمعات بدل معاني التفكير، وتحتاج مؤسسات الدولة والمجتمع لكثير من الجهد لمواجهة التطرف ومكافحة الإرهاب ، في ظل الاستقطاب والتأثير الكبيرين للمجموعات المتطرفة والهشاشة الاجتماعية الاقتصادية للدول المتخلفة.
والإمارة- في الرواية- هي كذلك هذا الوطن العربي الذي تلاحقه الدماء و الفتن ، من دون قراءة واعية للتاريخ والأحداث، من زمن تسعينيات الجزائر المحاصرة بالتطرف إلى عرب الربيع العربي الذي حول الديار إلى خراب ودماء وشتت الشعوب شرقا ومغربا و…
و تحيلنا الفرق المتصارعة -في البنية العميقة للنص- على الطوائف و المذاهب والأحزاب المتقاتلة في المشهد المجتمعي والسياسي الجزائري والعربي اليوم، و هي طوائف سياسية مذهبية حولت الجغرافية إلى فضاء للاغتيال والتخريب وجعلت من التاريخ سجلا تجاريا ، وهو ما فهمه المبدع وقرأه بوعي واستفاد منه سرديا، فالمجتمع هو مرجعية المبدع وهو خزانه الفكري والسياسي والثقافي، ومعه المرجعيات التاريخية و الدينية والتراثية.
يقترح الكاتب الكثير من اليوميات الاجتماعية والثقافية للمجتمع الجزائري في ظل الدولة الرستمية الاباضية، حيث التنوع الفكري والعقدي والعرقي و احترام معتقدات من لا يعتنق الإسلام،
والمكتبات عامرة بكتب العلوم والآداب والفنون مثل مكتبة المعصومة في تيهرت، وللدين السلطان الكبير على المجتمع،ونجد حرص الأمراء على المعرفة من جهة و التحكم في الممارسة الدينية
من جهة أخرى، مع كثرة الفتن والتصارع حول السلطة، ثم ينتقل من الماضي إلى الحاضر، فيضطرب القارئ عبر هذا التحول الزمني…
فتحولت المدن من زمن الحاضر إلى زمن آخر، هل هو الماضي الذي عاد؟ أم هو المستقبل برؤية مغايرة، حيث المستقبل هو الماضي في مجتمعاتنا العربية؟فتصيب المتلقي هنا الصدمة والدهشة، وتتشكل الكثير من عوالم التجريب السردي بما قيها من إضافات وتحويرات في النص السردي الكلاسيكي من جهة والتأسيس لخصوصية نصية جديدة مغايرة تبحث عن تشكيل لقوانينها وأصولها الفنية والفكرية

ولا يمكن للقارئ أن يعرف الحقيقي من المتخيل في الرواية إلا بالعودة لكتب التاريخ التي تحدثت عن الدولة الرستمية، بخاصة والرواية تنفتح على الكثير من القيم الاجتماعية والسياسية والحضارية،ومعرفة هذا التاريخ قد تسهل فهم بعض ممارسات الراهن، والمجتمعات بحاجة ماسة لرموز ومرجعيات تعود إليها في لحظات الأزمات والإخفاقات قصد قراءة جديدة للراهن وتحولاته.

نقرأ الرواية ونعود لفترة الدولة الرستمية في التاريخ الجزائري، وكأن بجلاوجي يطلب من الدولة والمجتمع العودة إلى التاريخ لقراءة الراهن، فهو يتأمل أحداث العنف في غرداية(شهدت المدينة أحداثا تخريبية وأعمال شغب عنيفة بين 2013-2015) بعين إبداعية تنبؤية لا بعين سياسية أو أمنية. والرواية تفتح امم القارئ الكثير من المشاهد التراثية وتقدم له زادا من المعلومات، لكن القارئ مطالب من التأكد من كل معلومة ليكشف خطوط التلاقي بين الحقيقي والمتخيل.
يمكن أن نذهب إلى أن الروائي اختار قراءة تاريخ الاباضية في الوقت الذي كان الإعلام مشغولا بتتبع أخبار العنف و الحرق في غرداية، ليدفع القارئ نحو تأمل الأنساق الثقافية والحقائق الاجتماعية في الزمن الماضي، لنتأكد-مثلا-من حضور التسامح والتنوع الفكري العرقي في المنطقة و من ثمة البحث عن عوامل اجتماعية اقتصادية للعنف ولما لا تكون مافيا المال والعقار والسياسة تقف خلف الأحداث؟؟ وهنا لا يمكن تأويل النص الأدبي بعيدا عن سياقاته الثقافية، فيظل المبدع على تواصل مستمر بع مجتمعه من دون أن يقع في فخ التقرر والمباشرة وسطحية الطرح الأيديولوجي.
وتحرص الرواية على قيمة الحوار بين المختلفين فكرا ودينا وتحذر من التقاتل، يقول العميد المسؤل على تسيير مكتبة المعصومة:” كثير من الفرق والطوائف شرعت تفرخ بسرعة عجيبة في الإمارة، ستتحاور تم تتجادل ثم تتقاتل وتهدم كل شيئ”، ونقرأ كذلك في الرواية”: ما هذه العواصف الآتية من أعماق التاريخ، المحملة غبارا وعفونة، المتراكمة على جفون العقل”، فلماذا لا نجد في عرب اليوم من يقف عند التجادل الفكري دون التقاتل الدموي؟ لماذا تاريخ الدم يعيد نفسه بدل تاريخ العقل والفكر؟ لماذا لا نقرأ التاريخ بوعي؟.

ب- سرد الفساد الاجتماعي- السياسي :
عندما نقر أ رواية الكاتب محمد مفلاح ” الكافية والوشام”( منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين، الجزائر،2002). نكتشف أن “الكافية” هو اسم مؤسسة صناعية و “الوشام” هي زوجة مدير المؤسسة، وكل أحداث الرواية تقع فيها والسارد عارف بكل شئ في القصة على طريقة الروايات الواقعية، كما قد أعطاه المؤلف مهمة الحديث من البداية إلى النهاية، فتحدث عن الأوضاع الأمنية، الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، و كشف الرداءة السياسية والإدارية وفضح المواقف السياسية والمالية الباحثة عن المصلحة الشخصية على حساب المصلحة العامة، فتتحرك-ضمن هذا المنظور- شخصيات النص على إيقاع المصالح وليس المبادئ والنزوات وليس القناعات الفكرية.
لقد وجدنا الخطاب الروائي يتحول إلى خطاب فكري وسياسي في بعض صفحات الرواية، في محاولة من الروائي لفضح مشاهد الغليان الاجتماعي والاضطراب السياسي في الجزائر، مع التوقف عند الانتقالات السياسية و تأثيرها الاقتصادي على المجتمع، كما نقرأ عن مشاكل العمال و الصعوبات التي يتعرض لها العمل النقابي، ويختار محمد مفلاح كشف أسئلة السياسة وصراع الإيديولوجيات، ويبحث في صراع المصالح الفردية والاجتماعية وفي وسائل الترهيب والترغيب عند السلطة السياسية المالية.

ويقترح هذا المبدع في رواية”سفاية الموسم،الدروب المتقاطعة”(،دار الكتب، الجزائر،2013 ) تجربة سردية جديدة تحاور موضوعات هامة في المجتمع و السياسة، وتفتح للمتلقي دروبا من النقاشات التي عرفها ويعرفها الشارع الجزائري وتحديدا في فترات الانتقال من الزمن الاشتراكي إلى الزمن الرأسمالي، مع ما يحدثه الانتقال من تحولات اقتصادية وأيديولوجية، وكذلك ما يتركه من تغيرات في المفاهيم و الممارسات.
يقدم الروائي لنا فضاءات سردية ليوميات المواطن الجزائري، فنقرأ عن شخصيات يمكن مصادفتها يوميا في الشارع وفي المؤسسات وعلى صفحات الجرائد والقنوات العمومية و الخاصة،مثل شخصية”خليفة السقاط” الذي يحيلنا على مافيا العقارات و تبييض الأموال الذين يستغلون النفوذ والعلاقات مع المسؤلين الكبار في الدولة لقضاء الحاجات و الاستيلاء على الأملاك العمومية، ولتنظر القراءة في العلامات التي تختفي خلف لقبه (أو ربما هي كنية ينادى بها في المجتمع المتخيل والحقيقي) “السقاط”؟؟،نجد دلالات حب امتلاك ما لدى غيره،التسلط،الأنانية،خرق القوانين و الأعراف…
كما ينفتح النص عند محمد مفلاح على إشكاليات الخوصصة والفساد الإداري وبيع المؤسسات العمومية، وكأننا أمام رجل اقتصاد أو خبير مالي يلبس عباءة المبدع الأدبي، و ينقلنا إلى متاهات اقتصادية واجتماعية بلغة سردية كلاسيكية مشوقة…
و تمثل شخصية “نذار السفاية” صورة للرجل النقابي الشريف ،إنه رجل تحركه القناعات الفكرية والمبادئ الأخلاقية، وهو رافض للتنازل عن حقوق العمال ومقاوم لعمليات الخوصصة للمؤسسات العمومية، وهنا نلتفت إلى سوسيولوجا الكاتب و نترك الراوي جانبا، و نسأل: لما لم يقدم لنا حقيقة بعض النقابيين الذين يتحالفون مع المافيا المالية والسياسية؟ وأين هي صورة النقابي المتنازل
عن المبادئ والأفكار اليسارية من أجل المال والأعمال؟ ...
من المشاهد السردية والفكرية التي تقدمها الرواية مشاهد الاحتجاجات الاجتماعية الكثيرة
في الجزائر، فنقرأ ثورة الشباب ضد الحقرة والظلم والفساد وغياب العدالة في توزيع السكن ومناصب الشغل…،ويكشف الروائي الفوضى السياسية والتداخل بين رجال الأعمال و المسؤلين السياسيين والمنتخبين وكذا أخبار المستفيدين من سنوات العشرية السوداء (1990-2000)، حيث الانهيار الاقتصادي والاضطراب الأمني والهشاشة الاجتماعية و التشرد الفكري- الديني و كلها مشاهد تخلق التهميش الاجتماعي ، لأن العنف بكل أنواعه هو نتاج لكثير من المناسبات التي تحتاج إلى تأمل معرفي و تتطلب المتابعة الاجتماعية قبل التناول الجمالي.
لقد تحول المبدع في هذه الرواية إلى خبير استراتيجي وأخذ المحلل السياسي قلم الأديب ليكتب
عن صراعات الزمر السياسية واختلاف الأفكار وتضارب المصالح بخاصة في ظل المواعيد الانتخابية، لكن الكاتب المبدع لم يغفل الجانب الفني ورفض السقوط في نثريات الخطاب السياسي، فكان يقدم المشاهد الحوارية والسردية والوصفية، كما كان ينتقل من حكاية لأخرى باحثا عن الخصوصيات الفنية للخطاب الروائي ومشكلا عالما سرديا يغاير عوالم الكتابات الاجتماعية والاقتصادية.

ونقرأ في الرواية عن المؤامرات والدسائس للإطاحة بمافيا المال والسياسة في جزائر التعدد الحزبي والأحادية السياسية والفكرية ، واستطاع هذا الأديب العارف بأن الممارسة الفنية تحتاج لجرعات الحرية والمغامرة أن يقول- من داخل الرواية وعبر الراوي والشخصيات- ما لم يقله المبدع/ السياسي المدافع عن قناعات أيديولوجية والملتزم بتوجهات الإطار السياسي المناضل فيه.

2-التاريخ الاستعماري و قضايا الراهن الجزائري:
تعتبر تقنية استدعاء التاريخ بما فيه من شخصيات ووقائع من التقنيات الهامة في الرواية الجزائرية وهي تعود لأسباب مختلفة يتداخل فيها الثقافي والسياسي والفني، وتحضر في مختلف الأجناس الأدبية والأنواع الفنية وقد حضرت في نصوص كثيرة في لحظة الاقتراب من القضايا المجتمعية التي تظهر مع التغيرات والتحولات السياسية التي مر بها المجتمع، ولقد قرأنا هذا الأمر في روايات واسيني الأعرج، بشير مفتي، أحلام مستغامي،لامين الزاوي، رشيد بوجدرة…
ولأن الروايات كثير ة فسنكتفي بمنوذج واحد فقط للروائي الأزهر عطية، عاد فيه إلى ذاكرة الشهداء وقدم حكاية رمزية، تقرأ الراهن بعين الماضي وتحاول أن تتبع وفاء أو خيانة الجزائريين لتاريخهم.
فبعد أن اشتغل على التاريخ السياسي الجزائري والتراث الشعبي في روايتيه “المملكة الرابعة”
و”غرائب الأحوال”(صدرتا سنة 2007) يقدم الروائي الأزهر عطية في رواية “الرميم(دار الكتاب العربي، الجزائر،2014) محاولة للمزج بين التاريخي و الراهني في رواية تتحدث عن محاولات إعادة جمجمة شهيد لرميم جسده قبل الاستقلال وبعده، بعد أن استشهد في إحدى المعارك ضد المستعمر الفرنسي، فما هي العوالم الدلالية للرواية؟ وما قصة الرميم فيها؟…
تتشكل الرواية من ثلاثة فصول يحمل كل واحد فيها قصة المجد الثوري الجزائري لكن بتقنيات وتصورات مختلفة مرتبطة فيما بعضها، فأرملة الشهيد “الكاملة” لا تتوقف عن سفرها المفجع الحزين بحثا عن رأس زوجها الشهيد، وفي هذا الفضاء السردي البطولي يقرأ القارئ مشاهد فلاحية ورعوية كثيرة، تجعل من أسلوب الرواية رومانسيا بامتياز.
لا يكتفي السارد بسرد الوقائع اليومية للفلاحين وأخبار المجاهدين وتنقلاتهم فقط، وإنما يقترب
من ممارسات المستعمر وهمجيته في البطش والتعذيب وقنبلة القرى وعرض جثث الشهداء في الساحات، كما تلتفت الرواية من حين إلى آخر للثقافة الشعبية ،مؤكدة على أن الأزهر عطية عارف بالعادات وبالموروث الشعبي وهو يتحرك أدبيا بفضل ذاكرة شعبية في السياق وفي النص، ويشكل عالمه الإبداعي عبر لحظة فنية تمزج الحدث التراثي بالحدث السياسي والفكري، لتمنح القارئ متعة الانفتاح على رواية تقدم فضاء متخيلا فيه من القيم الأصيلة و السياسة و الفكر و العاطفة…، دون السقوط في الوعظية والتقريرية.
وبعد أن تتعرف الزوجة على جثة زوجها الشهيد (رغم قطع رأسه بقنابل فرنسية) تسعى لجلب الجثة ودفنها تحت شجرة الزيتون بالقرب من المنزل من دون أن يكتشف الفرنسيون الأمر، وهنا يقدم السارد وصفا صوفيا للشهيد ،و قد لاحظت القراءة أن الروائي لم يذهب بعيدا في التأريخ للثورة التحريرية
و معاركها وبطولاتها ، وكأنه كان مشغولا بفكرة ما أو كأنه لا يريد أن يعيد ما كتبه غيره من الروائيين الجزائريين وما قدمه السينمائيون و المسرحيون من مشاهد ثورية وأعمال فدائية،أو أنه كان مصدوما بما يقرأه أو يسمعه من صراع واتهام و تلاسن بين المجاهدين(شهدت سنوات مابعد 2010 ظاهرة الاتهامات المتبادلة بين المجاهدين عبر الصحف و الفضائيات)، بمعنى أن الكاتب أراد انجاز قراءة فنية دلالية مغايرة للحدث الثوري المجيد.
فالوطن الذي يخون ذاكرته- منظور سوسيو نقدي للنص- يتحول إلى رميم، و لا أهمية من بقائه المادي في ظل ضياعه القيمي الرمزي، و الإنسان الذي يدوس على قيم و عهد من منحه الحرية لا يستحق الحياة، وسيكون ذليلا مهانا في محفل الأمم، بل هو رميم أو هو إنسان مشوه، منحط، تافه، معوق… رغم مظاهر الزيف المدني التي تحيط به؟؟
تظل صورة الجثة مقطوعة الرأس-عبر كامل الرواية- تحرك وجدان الأرملة وتخلخل فكرها وتتحكم في حياتها، فما هي الدلالة والرمزية؟ ألا يحمل مشهد اختفاء رأس الشهيد دلالات اختفاء قيمه وأفكاره وأحلامه في الجزائر المستقلة؟ ألا تحمل صورة الرميم الذي لا رأس له دلالة غياب رأس(مبادئ/فكر/أخلاق) هذا الوطن وتراجع أبنائه عن الوفاء للشهداء؟
لم يضع الكاتب اسم “الكاملة” لأرملة الشهيد إلا ليقول نقصنا وهواننا، وهى تحمل صورة المرأة الجزائرية المجاهدة و المناضلة عبر التاريخ،و كيف لا ترفض ” الكاملة” أن تمنح –بعد الاستقلال- رميم زوجها الشهيد للسلطات المحلية قصد دفنه في مقبرة الشهداء وهي تسمع -مثل كل الجزائريين- عن مقابر تحولت لأماكن عبث ومجون وشرب للخمور ؟
تحيل الرواية في عمقها إلى أن الذين صنعوا المجد النوفمبري الخالد لم يتمتعوا بالاستقلال، فمنهم من مات ومن عاش عانى في صمت بعيد ا عن الأضواء و الامتيازات، وعانت الجزائر التي ماتوا لأجلها من خيانة بعض زملائهم في الكفاح لأنهم لم ينقلوا قيم الجهاد و التحرر بسبب انشغالهم بالسلطة والمال والعقارات و التحكم في الوطن باسم الشرعية الثورية لا الشرعية الدستورية و الديمقراطية؟
يؤمن الكاتب بشرف الجهاد وقداسة الشهادة، لكنه بقي مصرا على الانتقال بالرميم من قبر
إلى آخر….
كما يلتفت الروائي لهجرة الشباب من الوطن ورفضهم للواقع السياسي والاجتماعي، مقدما عواطفهم الجريحة وأفكارهم المتمردة الرافضة لممارسات سياسية فاشلة، يقول النص”: كثيرة هي الأوطان التي تفرض على أبنائها أن يهجروها “.فقد هاجر الشاب الجامعي ابن الشهيد وطنه بعد أن لم يحترم السياسيون الفاسدون علمه، وبعد أن تضايق من أفعال الفاسدين ومافيا المال السياسي الذين خانوا عهد الشهداء و تأكد من فشل السياسات الاقتصادية في تحقيق الرفاهية الاجتماعية – الاقتصادية والنمو الحضاري.
وقد انتقلت جثة الشهيد من ساحة القرية إلى قبر تحت شجرة، ثم- بعد أن صارت رميما-
إلى صندوق في المنزل…قبل أن تستقر في مقبرة الشهداء في آخر الرواية، لأن الزوجة ظلت تبحث عن الرأس لتلحقه بالرميم من دون جدوى،متحدية المتاجرين بالجهاد، ومقاومة من صنعوا البطولات الوهمية وحولوا الثورة إلى سجل تجاري.
و صارت هذه التقنية – المتمثلة في العودة للموتى وتراثهم و حكاياتهم وتأثيراتهم في يوميات الأحياء- حاضرة في السردية الجزائرية المعاصرة بقوة،و يمكن أن نطلق عليها سرديات العودة إلى الموتى/ الموت،و هذه المرجعية الفنية/ الفكرية نجدها عند مبدعين نشروا مؤخرا نصوصهم(مابعد2014 تحديدا)، مثل محمد مفلاح في روايته “شبح الكليدوني”، زكية علال
في روايتها”عائد إلى قبري”، اليامين بن تومي في روايته “الزاوية المنسية”، وعبد الرزاق بوكبة في مجموعته القصصية”كفن للموت”، والروائي عبد العزيز غرمول في رواية” اختلاس رواتب الموتى”، …فهم يعودون لقضايا الراهن عبر تقنية استدعاء الموت و الموتى.فما دلالات هذا الفعل الفني على المستوى الفكري؟
الخاتمة:
لقد توقفنا عند بعض النماذج الروائية الجزائرية التي قاربت التحولات الاجتماعية والسياسية في الجزائر وحاولت أن تقدم رؤية الروائي لكل مايقع في المجتمع عبر أدوات فنية مختلفة ومنطلقات فكرية متباينة، لكن المشترك بينها هو ربط الممارسة الإبداعية بالسياق الجزائري وعدم الهروب
من التناول الفني للرهانات والتحديات التي تصيب المجتمع، فوقف السارد الجزائري عند قضايا الفساد المالي و التزوير السياسي والصراعات الفكرية…
كما قدمت الرواية الجزائرية المعاصرة عوالم تحاور التاريخ و تقرأ عناصره للاستفادة منها في النظر للراهن، فكان الخطاب الروائي رمزيا تلميحيا حينا و مباشرا صريحا في الطرح حينا آخر، وهناك تجارب سردية أخرى يمكن قراءتها و التفاعل مع عوالمها الشكلية والدلالية لمعرفة محطات تاريخية هامة حول الجزائر المستقلة.
غامر الروائيون الجزائريون -في ظل التعددية السياسية والفكرية- في الانفتاح على موضوعات حساسة ومهمة تتعلق بالشأن الداخلي وتحاور الشأن الإقليمي و الدولي، بخاصة بعد سنوات من مشاهد الثورات العربية وما أحدثته من خلخلة في الأفكار و السلوكيات والقناعات و، ما حولته من قيم حول النظر للأنظمة الاستبدادية، كما أن تغير المجتمع أصاب الخطاب الأدبي عامة و الروائي خاصة بتحولات كثيرة، في سياق التفاعل بين المبدع والظروف الاجتماعية السياسية التي يتحر ك ضمنها.

* د-وليد بوعديلة /جامعة سكيكدة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق