قراءات ودراسات

الفترة الحمّادية من 405- 547هـ / 1014- 1153م

محاضرات في الأدب الجزائري من التأسيس إلى التّحْدِيث

أ.د شميسة غربي*

سبق الحديث عنها مع مُؤسّسِها “حمّاد بن بُلكين بن زيري الصّنْهاجي” و الذي توَلّى الحكم سنة 398هـ / 1007م، و كان آخرُ مُلوكِها، “يحْيى بن العزيز بالله” الذي اِعْتلى السُّلْطة سنة 515هـ / 1121م .
أمّا فيما يَخُصّ الحالة الثّقافية في هذه الفتْرة بِشكْلٍ عامٍّ… فيُمْكنَ الإشارَةُ إلى عُلمَاءِ الحَدِيث و الفِقْه، و عَلى رَأِسهِم: العلاّمَة “أبُو مُحمّد عبْد الله الأشيرِي” « كان رحمه الله إمام عصره في الفقه و الحديث و الأدب، إنتقل إلى الشام فسكن حلب الشهباء ففاق بها جميع علمائها كما قال ياقوت: إمام أهل الحديث و الفقه و الأدب بحلب خاصة و بالشام عامة، يتسابق النّاسُ إلى الأخْذ عنه و التّشرّف بِالانْتسابِ إليْه، و يتفاخرُ الوُزرَاءُ و المُلوك بِمُجالَستِه و الاسْتِرْشاد بعِلْمِه و آرَائه. (…) في بغْداد، أقْرَأ الحديث بكتابِ “الإفْصاح عنْ شرْح معَاني الصّحاح” بمحْضَر الوَزير مُؤلّف الكتابِ نفْسه، و هوَ شرْحٌ يحْتوِي على تِسْعة عشرَ كِتاباً شرَحَ بهَا الوَزيرُ أحادِيثَ الصّحِيحيْن. »62.
و أمّا فيما يخُصّ الشّعْر، فقد « كان عدد الشعراء الذين أمْكن العُثورُ عليْهم قلِيلاً، بالنِّسْبة إلى عصْر دوْلة بنِى حمّاد التي دامتْ نحْو قرْن و نصْف، ولعلَّ عدَدهُم في هذا العصْر كثير، وإنّما ضاعَ إنتاجُهم بِهَلاكِهِمْ و لمْ يُحْفظ في مُؤلفات، أوْ ذكِرَ فِيهَا و تلفَتْ، لاِسْتمْرَارِ الحُروبِ و الفِتنِ في أيام بعض الأمراء (…) أورد الأصفهاني صاحب كتاب خريدة القصر و جريدة العصر، لِجماعةٍ منْ أهْلِ الَمغرب الأوْسَط في عصر بني حمّاد، نقلا عن ابن بشرون في مُختارِه، و هو المصدر الوحيد الذي نقل عنه، و لولا الأصفهاني الذي حفظ لنا أشعارهم، لصعب الإطلاع على هؤلاء الأدباء؛ لأَنّ مختار ابن بشرون مفقود .»63.
وَ لِأنّ البَاحِثَ في الأدَبِ الجَزائري القدِيم، يُعانِي مِنْ صُعوبة إفْتكاك الوَافدِ منَ الأصيل… فسأكْتفِي بذِكْرِ بعْض الأسْماء مثل “أبي حفص عمر بن فلفول” الذي إشتهر بشعر النّسيب و”علِيّ بن الزيتوني” الذي مدح أحَدَ قُضاة دوْلة بنِي حمّاد بفطرة سليمة، بعيدة عن أيّةِ رَغْبـة
في التكسّب، يقول في بعض الأبيات:
نَــهــاهُ عــنْ مَحـــارِمه نُهــاهُ​​*​و قــــرَّبَهُ لـِخَـــالقه تُقـاهُ
و قـــال الله: لـيس سِوايَ ربٌّ​*​و لا لِشرِيعَتي أحدٌ سِوَاهُ
هو البِرُّ العطوف على البرايا​​*​و بالأيْتام يرْحم مَنْ أتـاهُ
« و القِطعةُ ذاتُ البيْتيْن في ذمِّ المركاز… تُرِينَا نوْعاً منَ الأطعِمَة القديمَة لدى أبْناءِ المغرب العربي في العصْر الوسيط (…) فذمّهُ مُمْتنِعاً عنْ أكله، مُنفّراً مِنْهُ، إذْ شبّهَهُ بِأصَابِعِ المَصْلوب… قال:
لا آكلُ المرْكاز دَهْرِي و لـوْ ​*​ تقْطِفُهُ كفّي بِرَوْضِ الجِنَـــان
لأنّــــه أشــبَــهُ فِـــيمـا يُرَى ​*​ أصابع المصْلوبِ بعْد الثمانِ
و تعرّض الخفاجي المِصْري لِكلمَةِ مركاز (النّقانِق)، فقال إنّها مُوَلّدَة غيْر عرَبِيَة، بِلُغةِ أهْلِ المَغرِب. »64.
و بَرزتْ أسْماء أخْرى أكْتفِي بِذكْرِها دون التّمْثيل بِنُصُوصِها بسبَبِ عامِلِ الإرْتِياب في صحّة نِسْبة هذه النّصُوص إليْها… و مِنْ بَيْنِها: يوسُف بنُ المُبارك، إبنُ المَليح الطبيب، عليّ الطبيب، عليّ بن مكوك الطيْبي، حمّاد بن عليّ الملقب بالبين، أبو القاسم عبد الرّحْمن القالمي.

الدولة المرابطية من 472هـ إلى 539هـ / 1079م إلى 1145م
نظامها الحكومي:
تنْتمِي الدّوْلة المُرَابِطيَة إلَى قبيلةِ ” لَمْتُونَة ” إحْدَى فصائل القبيلة البَرْبَرِية الكبرى صنهاجة، و اشتهرَتْ بِاسْمِ دوْلة المُلثّمين… يَتلثمُون بِعَمائِمهِم؛ لِأسْبابٍ إختلفَ فيها المُؤرِّخون…كان تاريخ استيلائهم على الجزائر سنة 472هـ / 1079م و أمّا نهاية حكمهم بالجزائر فكانت بتاريخ 29 رمضان 539هـ / 26 مارس 1145م .
و قدْ أجْمعَ « المُؤرّخون على عدالةِ هذه الدّوْلة، و قيامها بحُقوقِ الرّعية (…) و كثيراً ما كان الأمير يُباشِرُ بنفْسِه مجريات الأحوال و المسائل العامة (…) و الحكم بِالإعْدام كان لاغياً على عهد يوسف بن تاشفين، و إنَّ أقْصى و أقسَى عِقابٍ يُسَلّط على المُجْرم هو الحُكْمُ بالسِّجْن المُؤبّد »65 و قدْ أسّس “يوسف بن تاشفين” جيشا قويا، عزّزَهُ بِألفَيْ فارِسٍ منْ عَبيدِ السّودانِ و عُلوجِ الأنْدلس… و سجّلَ التّارِيخُ لهذه الدّوْلة عَظمتَها في ميْدان الزّحْف و القِتال و كان «غرب القطر الجزائري كله تقريباً تحت نفوذ المرابطين، و منهم من انتهى به شرقا إلى بجاية، وجنوباً إلى جبال الذهب من بلاد السودان، غير أنّ أيّامَهُمْ لم تطل بهذا الوطن – الجزائر – إذْ لم تدُمْ فيه سوى 67 سنة »66.
حاز فقهاء “المالكية” منزلة رفيعة لدى أمراء المُرابطين، و قرّرَ« الفقهاء بمحضر عليّ بن يوسف بن تاشفين، تقبيح الفلسفة و علم الكلام (…) و أُحْرِقتْ كتبُ الغزَالي و هُدِّدَ كلُّ مَنْ وُجِدتْ عنْدهُ منَ الخاصّة و العامّة بِسفْك دمِهِ و مُصَادرَة أمْوَالِه. »67
الحياة الثقافية:
اشتهر في تلك الفترة من الجزائريين؛ أبو عبد الله محمد بن سحنون الطبيب الندرومي الكومي من أحواز تلمسان، و محمد بن أحمد أستاذ الطب ببجاية، و له أرْجوزتان، إحْداهُما في العِلاج و الأخْرَى في ترْكيب العقاقير… و الطبيب النِّطاسِي عبْد الله بن يونس الوهراني.
و اشتغل الناس « بالتفاريع الفقهية على مذهب المَالكية، بِخِلاف العُلوم الفلسَفية و فنّ القصّة، فإنَّ كُتُبَهَا منْبوذة و أهلهاَ مَهْجورُونَ »68 و برز أيْضاً أبو عبد الله مروان البوني، و هو علاّمَةٌ فَقيهٌ، مُحدّثٌ من منطقة “بُونَة” / عنّابة، إحْدَى حَوَاضِرِ الجزائر، و أخذ علم الرواية والدراية عن الدّاوْدِي التلمْسَاني لمدة خمس سنوات، و كتب شرْحهُ لِمُوَطإ الإمام “مَالك”.
و في اللغة و النّحْو، برز الحسن بن علي التيهرتي ثم يوسف الورجلاني و الذي « شبّهَهُ الأنْدَلسيون بالجاحظ… و قد أكثر من الرحلة في سبيل العِلْم، فتوغل في أواسط إفريقيا حتى بلغ إلى قريبٍ منْ خطّ الإسْتوَاء… و قدْ ذكرَ ذلكَ في كِتابِه الجامع: “الدّليلُ لِأهْلِ العُقول” و له كتاب في التاريخ يُسمّى، “فتوحُ المغرب” و في الفقه: “العدل و الإنْصاف” ثم القصيدة الحجازية، نظم فيها رحلته العلمية إلى تلك الديار، تقع في 350 بيت. »69.
أمّا على مستوى الأدب الرّصِين – فبِكُلِّ أسَفٍ – لا يعْثرُ البَاحِثُ إلّا على قِلّة القلّة، ممّا لا يَكْفي لِتمْثيلِ فتْرَة 67 سَنة مِنْ توَاجُدِ المُرَابِطينَ بِالجَزَائِر…

عصر الموَحّدين من 515هــ إلى 666هــ / 1121م إلى 1269م
نظام الحكم:
أوّلُ خليفةٍ مُوَحِّدي هو محمّد المَهْدي بن عبْد الله تومَرت، تولَّى الخِلافةَ سنة 515هـ/1121م، و آخِرهُمْ هو عبْد الوَاحد الرّشيد بْن إدْريس، حَكَمَ إنْطِلاقاً منْ 630هـ/1232م.
نشأتِ الدّوْلة المُوَحّدية بمنطقة “تينملل” في المغرب الأقصى على يد الرّجُل السِّياسِي مُحمّد بْن عبْد الله الشّهير بِاسْمِ “تومَرْت” و معْنى” تُومَرت ” بلسان البَرْبَر، الفرَح، لأنَّ أمّهُ فرِحَتْ كثيراً بِموْلدِه… و كانتْ كُلّمَا سُئِلتْ عنْهُ، أجَابتْ بلِسانِها البَرْبَرِي: “ديك تومرت” و معْناهُ صارَ فرحا، فغلب عليْه ذلك اللقب.70
أقام “تومرت” دوْلتهُ على فِكْرَة المَهْدَوِية و أيّدَهُ رَجُلانِ من المغرب: أبُو مُحَمّد عبْد الله بن محسن المشهور بِاسْمِ البشير الوَانْشرِيسِي، و كان عالماً فصيحاً بِاللغَتيْنِ العربية و البَرْبَرِيَة وعبْد المُؤمن بْن عليّ التّاجري الكومِي النّدْرُومِي .
كان النّاسُ في هذه الدّوْلة « ثلاث طبقات: السّابقون الأوّلون وَ همْ الذين بَايَعُوا المَهْدي بن تومرت، ثمَّ يليهم الأتباعُ، ثمّ تأتِي الطبَقة الثالثة مِنَ العامّة. و لمْ يَكنْ يُطلق لقبُ “السّيد” عنْدهُم إلاّ على أعْضاءِ الأسْرة المَالِكة من أبناء عبْد المُؤمِن فقط، و قد فعلوا ذلك كيْ لا يتولّى الرِّئاسة مِنْهم إلاّ مَنْ كان سيِّداً حقّاً، فكان بذلك نظام الحكم في هذه الدولة أرسْتقرَاطياً مَحْضاً. »71 اعْتمدَ المُوَحِّدونَ لقبَ “المُؤمِنِيَة”، كناية عنِ الخَليفة “عبْد المُؤمن بْن عليّ” و قد كان هذا الرّجل دَاهية في السّياسَة و الحرْب، كفاءة في العِلْم و حِدّة الفِكْر، وهو صاحب القولة المشهورة: “العلماءُ أوْلَى منْكمْ أيُّها الأشْيَاخُ!72
خاض الرجل حروباً كثيرة، انتصر فيها… فاسْتوْلى على تلمسان، و وَهْران، ومَلْيانة، وَ جَدَّ في ُملاحَقة الأمير “عليّ بْن يُوسُف بْن تاشفين” حـتّى تـسَبّـبَ فـي هَـلاَكـهِ و نـقـل رأسـهُ إلـى
“تينملل” و استوْلَى على بِجاية، و أجْبرَ النّصارَى على الجلاء عن مدينة جيجل بعد أن مكثوا بها تسع سنوات… و يَمّمَ نحْوَ سْطيف فاشتدّتِ الحرْبُ بيْنه و بيْن رُؤساء النّوَاحِي الجَزَائِرية، حرْبٌ دامتْ ثلاثة أيّام فقط، و لكن الخسارة كانت فيها فادحة للثائرين المُتمرّدينَ على المُوَحّدين…
استطاع عبد المؤمن، بعد فتْح الجَزائر، أنْ يسْتولي على تونُس و أنْ يُخْضِعَ الأنْدَلس قبل وفاته؛ في مدينة “سَلاَ ” سنة 558هـ / 1163م و دُفن بإزاء ضريح المَهْدي مُحمّد بْن عبْد الله تومَرْت، بعْدَ أن نُقِل جُثمانُهُ إلى تينملل و بعْدَ أنْ بلغتْ ذرِّيَتُهُ 16 ذكَراً و بِنتيْنِ…
لمْ تصْفُ الأجْواءُ بيْن المُوَحّدين و بيْن بنِي عبْد الوَاد، الذين نازَعُوا المُوَحِّدِين حتّى تَغلّبَ “يغْمُرَاسَن بْن زيان” على الخليفة أبي الحسن المُلَقّب بالمعتصم و قتله سنة 646هـ/1348م، و دَفنَهُ بِالعبّاد و أصْبحتِ الجزَائرُ في يدِ بنِي زِيّان مِنْ بنِي عبْد الواد.
أمّا فيما يخُصُّ المذاهبَ و العَقائدَ، فقد عمل المُوَحّدونَ بمذهب الأشاعِرَة المُرْتكز على التأويل… و عمِلَ إبْنُ تومرت على تسهيل مقاصد الشريعة للناس « بما كتبه لهم من التأليف بلسانهم الشعبي فكتب (العقيدة) و (المرشدة) بلسانهم، و لمْ يتورّعْ فيهما عن ترجمة الآيات القرآنية باللغة البرْبرية، فكان بعمَلِهِ هذا يُعدُّ أوّلَ منْ قام بترْجمة القرْآن، إلى لغةٍ أجْنبية، كما أنّه اسْتحْدَث لهم الأذان للصلاة باللسان البربري، و كثيراً ما كانت الخطب الجمعية تلقى من أعلى منابر الجوَامِع بِلغة القوْم الشّلحية في الحثّ على الوُقوف عنْد نُصوص الكِتاب والسّنّة.»73.

الحياة الثقافية:
ازدهرت الثقافة في هذه الفترة… و السبب يتمثل في إهتمام ملوك الدولة بالعلم والأدب و الفلسفة، و يرجع الفضل إلى أبي يعقوب في نشر فلسفة أرسطو بين الناس و شرحها بواسطة ابن الطفيل و شرح ألفية ابن سينا في الطب بأمرٍ من أمير بجاية و تلمسان… و رُفِعَ الحظرُ عـن بـعض الـكتب الـتي حـذّرَ المُرَابِطون منها مثل كتب الغزالي… و اهْتمّوا بالقضاءِ
فبرَز فيه “أبو عبْد الله محمّد الوَهرَاني” و محمد بن حماد الصنهاجي المؤرخ الضليع، صاحب كتاب” أخبار ملوك بني عبيد – الفاطميين” – طبِعَ بِالجَزَائر سنة 1346هـ / 1927م و كتاب ” نبذ تاريخية في أخْبار البرْبَر” المطبوع برباط الفتح 1352هـ / 1933م.
من شعره في رثاء قلعة بني حمّاد74:
إن “العـــروسـين”75 لا رَسْمٌ و لا طللُ​*​فانْظرْ ترى ليْس إلاّ السّهْلُ و الجبَلُ
و قــصر “بـلارة”76 أوْدَى الزّمــانُ بهِ​*​فــأيْــن مـــا شــادَ منْها السّادةُ الأوّلُ
و لــيْسَ يُــبْهِــجُــنِي شـيء أُسّـــرُّ بــهِ​*​مِنْ بــعْدِ أنْ نهَجَــتْ بِالَمنْهَج السُّبُلُ
و قد عَــفَى قـــصْرُ حـمّــادٍ فـــليْس لهُ​*​رَسْـــمٌ و لا أثـــرٌ بـــاقٍ و لا طـلــلُ
و مَجْــلِسُ القـــوْم قـــدْ هبَّ الزّمانُ بهِ​*​بـــحَـــادثٍ قـــلَّ فــيه الحادِث الجَللُ
و إنَّ في القْصـر- قِصَرُ المُلكِ- مُعْتَبراً​*​لِـــمنْ تُــغــرِّرُهُ الأيّــــامُ والــــــدُّوَلُ
و اهتمَّ المُوحّدون بالعمرَان و بالأسْوار… و في ذلك يقولُ الشّاعرُ الجَزَائرِي “أبو علي الحسن بن الفكون القسنطيني”، وَاصِفاً مدينة النّاصرية (بِجاية):
دَعِ العِــــرَاق و بغْـدادَ وَ شَـامَهُـــــمَا​​ * ​ فــالنَّـــاِصرِيــةُ مـــا إن مْـــثلـهَـا بَلدُ
بَـــرٌّ و بــــحْــرٌ و مَــرْجٌ لـلعيون به​​ *​ مســــارِحُ بــانَ عـــنْها الهَـمُّ و النّكدُ
حيْث الهوى و الهـواء الطلقُ مُجْتمِعٌ​​ *​ حيْث الغِنَى و المُنَى و العِيشة الرَّغَدُ
إنْ تَـــنْـــظــرِ الــبَرَّ فالأزهــارُ يانِعة​ *​ أوْ تنْـــظــرِ الــبحــرَ فالأمواجُ تطّرِدُ
يـــا طــالباً وصفها إنْ كنتَ ذا نصَفٍ​ *​ قـــلْ جـــنـة الخلدِ فيها الأهلُ و الولدُ77
إلى جانب الشعر، ازْدهرَ النّثر… و لعلّ أبْلغ النّصوص التّمْثيليَة لِهذهِ الفتْرَة، مَا كتبَهُ “محّمد بن محرز الوَهْرَاني” المتوفى سنة 575هـ / 1179م و هو صاحب المنامات المعروفة في الأدب العربي بـ: “منامات الوهراني” و التي يمكن إدراجها ضمن ” العجَائبية” المُبَكِّرَة في الأدَبِ الجزائري القدِيم… و فيمَا يأتِي نمُوذجٌ منْ كِتابَاتِه:
قال الشيخ ركن الدين محمد بن محمد الوهراني المغربي عفا الله عنه يصف بغداد المحروسة وسفرته إليها ويمدح الخليفة.
قال الوهراني: « لما تعذرت مآربي، واضطربت مغاربي، ألقيتُ حبلي على غاربي، وجعلتُ مذْهبَات الشِّعر بضاعتي، ومن أخلاف الأدب رضاعتي. فما مررت بأمير إلا حللت ساحته، واستمطرت راحته، ولا وزير إلا قرعت بابه، وطلبت ثوابه، ولا بقاض إلا أخذت سَيْبَهُ، وأفرغت جيبه. فتقلَّبت بي الأعصار، وتقاذفت بي الأمصار، حتى قربت من العراق، وسئمت من الفراق. فقصدت مدينة السلام، لأقضي حجَّة الإسلام. فدخلها بعد مقاساة الضُّر، و مكابدة العيش المر. فلما قرَّ بها قراري، وانجلى فيها سراري، طفتها طواف المفتقد، وتأمَّلتها تأمُّل المنتقد، فرأيت بحراً لا يعبر زاخره، ولا يبصر آخره، وجنةً أبدع جنَّانُها، وفاز باللذة سكّانها، لا يميل عنها المتَّقون، و لا يرتقي إلى صفتها المرتقون، “كمثل الجنة التي وعد // المتقون “. فأرحتُ نفسي من سلوك الغور والفج، وجلست أنتظر أيام الحج، وتاقت نفسي إلى محادثة العقلاء، و إشتاقت إلى معاشرة الفضلاء فدَّلني بعض السادة الموالى، إلى دكان الشيخ أبي المعالي، فقال: هو بستان الأدب، وديوان العرب، يَرْجع إلى رأي مصيب، ويضرب في كل علم بنصيب. فقصدت قَصْده، حتى جلست عنده. فحين نظر إلي، ورأى أثر السَّفر عليّ، بدأني بالسلام، وبسطني بالكلام. و قال: من أيّ البلاد خرجت، وعن أيها دَرَجت؟ فقلت: من المغرب الأقصى، والأمد الذي لا يحصى، ومن البلد الذي لا تصل إليه الشمس حتى تَكِلُ أفلاكها، وتضجّ أملاكُها، ولا القمر حتى يتمزق سَرْجهُ، ويتداعى بُرجه، ولا الرياح حتى يحجم إقدامها، وتحفى أقدامها. قال: كيف معرفتُك بدهرك، ومن تركته وراء ظهرك؟ فقلت: أما البلاد فقد دُستها و جُستها / وأما الملوك فقد لقيت كبارها وحفظت أخبارها، وقد كتبت في ذلك مجلداً وتركت ذكرهم فيه مخلداً. فأي الدول تجهل، وعن أيها تسأل؟ فقال: أول ما أسألك عن دولة الملثمين و أبناء أمير المسلمين. فقلت هيهات، // يا بعد من مات خمدت نارهم، وبادت آثارهم، واسود ناديهم، وملكتهم أعاديهم.
جمالُ ذي الأرضِ كانوا في الحياة وهم​ *​ بـعد الممات جمالُ الكُتْبِ والسـِّيرِ
أفِلَتْ بُدورُها ، فتعطّلتْ صُدورُها ، و طلعتْ نُحوسُها، فغابتْ شُموسُها
أمـسـتْ خـــلاءً و أمسى أهلها احتملوا​ *​ أخْــنى عليها الذي أخْنى على لُبَدِ78 »79

*ناقدة أكاديمية وأستاذة جامعية جزائرية

*هذه دراسة بعنوان: محاضرات في الأدب الجزائري من التأسيس إلى التّحْدِيث ننشرها على حلقات، يمكنكم الاطلاع على الجزء الأول هنا:

العصر الرُستمي العاصمة: تــيهرت أو تيهارت من 299 -160 هــــ 911-776م

فترة الأَغالِــبة العاصمة: “طبْنــة” من 296-184هــــ 909-800م

الفترة الفاطمية العاصمة: “المسيلة” من 361-296هـــــ 972-909م؛

الفترة الصنهاجية العاصمة “القلعة” من 547-405هــ 1153-1014م

الفترة الحمّادية من 405- 547هـ / 1014- 1153م

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق