الموقع

عن ثقافة الفهم المتأخرة !

كم من رئيس أو زعيم أو “طويل العمر” عربي سيقول لشعبه “فهمتكم، ليستوعب الشعب أن ثقافة الفهم الرسمي تمشي بنظام القطع، وأنه كلما قال “الزعيم” تلك الكلمة “التاريخية”، كلما ازداد الشعب قناعة أن الرقاب قد أيعنت وحان موسم قطافها ! لم يكن الرئيس التونسي المخلوع “زين الهاربين” سوى كرة ثلجية تساقطت من أعلى الجبل، لتزداد انحدارا وضخامة حاملة معها كل الذين لم ولن يفهموا في الوقت المناسب.. في العمر المناسب، فقد جلس الزعماء سنوات طويلة على قلوب الشعوب، لأجل أن يظلوا زعماء، وتظل صورهم على الجدران الرسمية، وعلى العملات النقدية، وفي الأغاني التي يكتبها أولئك الذين سوف يتبرأون من الزعيم بعد سقوطه، قائلين أننا كنا مجبرين على “لحس الأحذية” كجزء لا يتجزأ من كورس الثقافة الرسمي الذي ظل يصرخ طوال سنين بحياة الزعيم (طويل العمر جدا) وآل الزعيم !

لقد كشفت الثورات الشعبية الفتية التي تعيشها الأوطان أن الديكتاتورية العربية الرسمية ليست قوية كما كنا نظن، حتى لو بقيت لسنوات أخرى، فلن تكون كما كانت قبل اليوم. ثمة شيء كبير وخطير تكسر، اسمه الخوف، واسمه الصمت، واسمه المشي قدما نحو اللاشيء. ما فعله الشعب التونسي ليس هيّنا، ولا بسيطا، ولا صغيرا. لقد استطاع أن يهز كرسي الطاغية، مثلما وصل زلزالهم إلى دول أخرى، إلى كراسي أخرى لطغاة آخرين، يعرفون جيدا أن الدور قادم إليهم، وأن الكرة المتدحرجة من أعلى الجبل سوف تجتثهم هم أيضا ولو بقي من الدنيا يوم واحد ! والحال أن الثورة التي امتدت إلى مصر، مهما كانت تفاصيلها، أظهرت للعالم أن الجيل الجديد أفضل قدرة على الصراخ من أجيال ظلت صامتة لأنها خافت، ولأنها رضيت بالذل عن رغبة في العيش على الهامش.. وعلى الهامش جدا !

ما يجري أن جيل الانترنت هو الذي يقود العالم العربي اليوم، جيل الفيس بوك، والتويتر، واليوتيب، جيل يحمل من الوعي ما جعل الأحزاب السياسية تتعرى تماما، وتبدو فارغة من المحتوى، غير قادرة على فعل ما يمكن فعله، في الوقت الذي يجب فعله فيه. لقد عشنا الأسابيع الماضية على تلك الدهشة الجميلة التي قبالتها اكتشفنا الشارع العربي من جديد، مثلما اكتشفنا الثورات العربية في زمن اللصوص والسرّاق الذين يهرّبون ثروات الشعوب في حقائب سوداء إلى الخارج، تاركين الزعيم يقول للشعب” لقد فهمتكم” فقط من باب التسويق لذات الفكرة الاستدماربة التي عجز شارل ديغول قبل خمسين سنة عن تسويقها حين قال للشعب الجزائري “لقد فهمتكم”، ونتج عن تلك الجملة ثورة عاتية أطاحت به إلى الأبد ! ما لا يفهمه الزعماء أبدا أن صلاحيتهم انتهت، وأنهم أصبحوا مثل الدواء الفاسد، والأكل الفاسد، والهواء الفاسد، لا ينتج عنه سوى الهلاك والموت، لأن التغيير آت، سواء فهموا بعد عشرين أو ثلاثين سنة خلت، أو لم يفهموا، فالأمر أصبح سيان بالنسبة لهذا الجيل الجديد. جيل لا يجيد المجاملة، ويترك على الجدران بصماته الأبسط: “يسقط الزعيم الكارتوني”، مثلما يترك على صفحات الفيس بوك، تاريخا مهما من التغيير الذي بدأ في يوميات الغضب العربي الحديث.

كل القصائد والأشعار والنصوص لن ترتقي لصرخة شاب فقير وجميل يعرف أنه قد يترك حياته في شارع المظاهرة، مع ذلك يخرج، لأنه لن يستطيع البقاء صامتا أكثر مما بقى والده وجده، وتلك لعمري أجمل الثورات ! فيا أيها الطغاة، لقد “فهمناكم” وها أيعنت الرقاب وحان وقت القصاص، آجلا أم عاجلا، فلا نامت عين الجبناء !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق