ثقافة السرد

الوزانّة

عبد السلام إبراهيم

ريح أرجوانية دنت من الأرض فهزَّت أعماقها.
أرسلت في لمح البصر دواماتِ عنيفة، راحت تبتلع أوراق الأشجار التي تحمي البيوت الطينية ونوافذها المهشمة، تقتلع أعواد “السسبان” التي تحيط بالترعة التي تحمل في بطنها رمم الحيوانات والنعال القديمة. ترتفع قليلاً، فتضربُ جريد النخل الذي لايستطيع حمل البلح الأحمر والأصفر الذي يتساقط قبل أوانه، أغلقت النساء بناني الحمام التي تعلو السطوح، فهدل ونقر من داخلها وفجرها، ففتح لنفسه مجالاً للفرار نحو قرص الشمس.
تلك البيوت تحول فيها صغار الدجاج إلى تراب.
وهكذا حملت الريح الحمام على أجنحتها، وخبأته في طبقات السماء العليا.
نجحت المرأة في اختراق الريح الهائجة، وبصعوبة بالغة وصلت إلى بيت الوزَّانة. تخبيء صغيرها في طيات “جِبتها” ما ساعد على وصولها سالمة صمود أعواد القصب الطويلة، التي دافعت عنها ضد أطراف الريح التي انزلقت خلفها. ما إن دخلت المرأة بيت الوزانة فإذا بأعواد القصب تجاهدُ عبثاً الوقوف باستطالة مرة أخرى، فقد أحنت الريح استقامتها، وأذلتها حتى جثمت على جذورها. شعرت المرأة عندئذ أنها لم تشعر بجسدها أو حتى بساقيها وهي تهرول خوفا من سياط الريح.
كانت روح الصغير ترفرف فوقه، بعد أن زارته الحمى واستقرت داخل أحشاءه منذ أسبوعين. تصدرت النائحات ناصية البكاء في البيت، حسبن أن الموت دنا منه فترقبن خروج روحه. لكن أمه رافقته في كفاحه ضد الآلام، ولم تستسلم عندئذ لكلامهن الرخو. كان الصغير أحيانا يستعيد عافيته فيزيد صراخ النائحات.
لكن العجوز التي لم تقو على البكاء فالت لأمه: خذيه للوزَّانة.
كان الولد يعالج الزفير بصعوبة شديدة، فيفتح عينيه التي يتراقص حولها الموت، عندما كان الشهيق يأتيه يتلجلج صدره، يرتج جسده فيسعل، وتهطل الدموع من عينيه، تقلص جسده، حضنته أمه، صرخ كثيراً. علا صفير الريح خارج الباب الكبير، فتنسربت من خلال الشقوق فبثت في قلب المرأة الرعب.
لما تدلت رقبة الصغير، فشلت محاولات الأطباء في خفض سخونة جسده علا نواح النساء، وتبادلن قصائد العديد فطارت به أمه للوزانة…
السكون الذي تلا النوبة التي اجتاحت قلب الصغير سيطر على المكان، وفتافيت الريح المشبعة بأتربة القيالة، التي اقتفت أثر المرأة قبعت في سقيفة الوزانة، تناوش ثقوب الباب القديم، استقرت في المقطافين اللذيَّن تصدرا المنتصف. المقطاف الأيمن الذي يحمل أحجاراً معيارية هبط عن مستوى الآخر الذي ظل مكدساً بالفراغ.
وجد الصغير في السكون ملاذا فأغمض عينيه، انكمش في صدر أمه. لكن خطوات الوزانّة هدد سكونه الراكد بين قدميه، صرخ صرخةَ أيقظت الريح الجاثمة أمام الباب، فبدأت تعاود صرخاتها، وراحت ترسل أذيالها من خلال شقوق الباب. تشبث الصغير بحضن أمه. اقتربت الوزانه فروعته، دخل في أمه دخولاً عنيفاً، لكنها لم تذعن لبكاءه، فانتشلته من صدر أمه.
الريح المختبئة أمام الباب والمتأهبة للولوج بكامل طاقتها تتدافع أمام الباب، تدفع بخنافسها وعقاربها للداخل. تخبيء في بطنها الأتربة والأحجار الصغيرة، فكانت تلقيها على الباب من حين لآخر. لكن الوزانة التي تفهم إلى حد ما ثورة الريح التي جاءت وراء المرأة وابنها تمسكت بوقارها لكي تصدها عن محرابها.
استقر الصغير أخيراً في المقطاف الأيسر، ظلت الوزانة ممسكه برأسه. ما إن رفعت يدها عنه حتى ثَقُلت ناحيته، وارتفعت الناحية اليسرى. السكون الذي خرج من رحم الريح، وقضى على فلولها الفارة للداخل استقر في قلب الوزانة، فارتدت للوراء. راح الصغير في سبات المقطاف الذي كان يهتز بعد أن ثَقُلت كفته.
فتحت الوزانة باب بيتها ورأت منظراً كاد يودي ببصرها، فأغلقت الباب سريعا، دخلت لكي تحتمي بكفة ميزان الصغير. عندما رأت أمه هلع الوزانة أسرعت واختبأت خلفها، راحت تنظر إلى ابنها داخل المقطاف بقلق شديد.
الأكوام الترابية التي كدسها الظلام المندس خلف الباب الكبير تشع رائحة قديمة، كلما داست الوزانة على تلك الأكوام اطمأن قلبها، وأرسلت نظرات تسجيلية لأمه التي تقف وحيدة في فراغ كبير من الهلع.
الهدوء المكدس في مقطاف الصغير قفز منه، فاستيقظ الصغير صارخاً، عندئذ رأى وجوها مشوهة ملتصقة بجدران البيت، ربما حاولت تلك الوجوه ابتلاع وجهه، فذلك ما لم يبح به الصغير. لكن وقوف الوزانة دون أن تنطق بكلمة جعل أم الصغير تهم بالتقاطه من المقطاف.
لكن قدميها لم تتحركا للأمام. لما رأى الصغير تجمد صورة أمه وصورة الوزانة استجمع قواه وحاول الخروج من الميزان. لكنه كان قد مال للوراء ثم للخلف، ورفع يديه متقياً ضربات غير مرئية. انكمش داخل الميزان، لم يخرج.
ما شهده الميزان في تلك اللحظة لم يحدث منذ الحقبة الطاعونية، فالصراع الخفي الذي كان يواجهه الصغير احتدم مرة أخرى، اشتركت فيه أم الصغير التي فُك أسرها سريعاً، فارتمت فوق الصغير، انتشلته من الميزان الذي رجحت فيه كفة الأحجار. المدهش أن الصغير أمسك بيد أمه التي ترنحت، عندما هما بالخروج سمعا صرخة ألجمت ساقيهما.
نظرت أم الصغير خلفها فوجدت الوزانة تصارع شخصاً وهمياً عند الميزان، صرخت صرخة تشققت معها الجدران. ثم أُلقى بالوزانة فوق الميزان، استقرت بداخله، كفتها ما تزال خفيفة، معلقة، مهتزة. حاولت المرأة وابنها أن ينتشلاها من الميزان لكن حِيِل بينهما وبين الوزانة. رجعا للخلف، فتحا الباب وخرجا، فصُفق الباب خلفهما.
وقفت المرأة وصغيرها خارج الباب. اكتشفت أن ابنها يقف على قدميه. سحبت الريح موجاتها الموزعة في كل مكان، بدأت أعواد القصب في رفع قامتها المنكسة، فجأة عادت الريح بكل طاقتها لجيوبها في السماء. عاد الرجال لبيوتهم، والحمام لبنانيه.
عندما نظرا خلفهما كان السكون متربصاً خارج بيت الوزانة الذي راحت أركانه ترتج. صراخ شديد وصراع طويل يحتدم بداخله.

*كاتب/ أديب مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق