قراءات ودراسات

قراءة في رواية” في المدينة ما يكفي لتموت سعيدا”:

سرديات تحوّل المجتمع وقبضة"مافيا الدولة"

بقلم د. وليد بوعديلة*

بعد أن أنهيت قراءة رواية المبدعة ياسمينة صالح، والتي منحتها عناوانا صادما “في المدينة ما يكفي لتموت سعيدا”-منشورات فضاءات للنشر والتوزيع بالأردن 2017- تساءلت:  لماذا لم تنتبه الساحة النقدية والإعلامية في الجزائر والوطن العربي لهذه الرواية؟ وكيف استطاعت الكاتبة أن تقترب -بجرأة كبيرة- من ممارسات مافيا الدولة رغم ان هذا الموضوع صعب بالمفهوم الفني والفكري والسياسي؟ وهل الساردة العربية ستفتح -مستقبلا- أبوابا/موضوعات عجز السارد العربي عن فتحها في ماضي الرواية وحاضرها؟

1-الرواية والمال والعسكر:
لم تكتب الروائية شعرية السرد بل واقعيته ومباشرته، لأنها كانت منشغلة ومهتمة بقضية، بالتأريخ لبعض الممارسات السلبية لقادة من الأجهزة الأمنية المختلفة في تاريخ الجزائر المستقلة، من السبعينات إلى التسعينات في القرن العشرين، وبعد ان قدمت في روايتها “وطن من زجاج”-2006- الكثير من التأمل السردي/ التاريخي/ الفكري حول الإرهاب وأسبابه ومجازره وضحاياه، تقترح على قارئ في روايتها “في المدينة ما يكفي لتموت سعيدا- تغريبة لخضر زرياب-” مكاشفة صريحة بل صارخة رافضة لما ينجزه بعض المنتمين للأجهزة الأمنية في وطن هو نموذج لما يقع في الدول المتخلفة وذات الطابع الاستبدادي البوليسي، في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وهذا الموضوع يمكن إدراجه ضمن المحرمات والممنوعات في الفن عموما والرواية بخاصة، إلى جانب الدين والجنس والسلطة، وقد نبهتنا رواية الروائية ياسمينة صالح إلى مسألة لم تنتبه لها الكثير من الأبحاث الأكاديمية، وهي حضور الأمن والعسكر في الخطاب الروائي العربي ومنه الجزائري، فإذا اهتم القارئ الجزائري والعربي بطبيعة تجلي شخصية الحاكم والسلطة والمثقف والإمام وغيرهم من الشخصيات المتعددة التي شكلت العوالم الروائية العربية، فهذا القارئ لم يتتبع تجلي رجل الشرطة او الدرك او الجيش بمختلف الرتب والمهام، رغم حضورهم في بناء وتشييد الكثير من الروايات، بدرجات مختلفة الحضور والأثر في النص والخطاب.
ونحن نرى بأن قارئ هده الرواية يحتاج لمعرفة مفهوم دولة المافيا والكثير من المفاهيم المرافقة لها لكي يستطيع تأويل الأبعاد الفكرية والسياسية لها، ودولة المافيا تتشكل عندما ترتبط مؤسسات الدولة مثل الحكومة والمجالس المنتخبة محليا وطنيا بالجريمة المنظمة ويشارك المسؤلون الحكوميون والأجهزة الأمنية المختلفة في أعمال غير مشروعة، و تتشكل دولة المافيا عندما ترتبط جماعات إجرامية منظمة بشكل قوي بالسلطات .
ومافيا الدولة تحضر في الرواية من خلال متابعة مسار حياة الشخصية المركزية”لخضر”، وكشف التعاملات التجارية المشبوهة في الميناء ومشاهد حضور ممثيلين عن عسكريين لاستلام سلع ونقلها لمستودعات خاصة، بعيدا عن القانون، يقول الراوي عن الشاب لخضر العامل في الميناء:” كان لخضر مقتنعا ألا وجود لحرية فوق السلطة وألا وجود لكرامة فوق المال، حتى القانون يتنازل عن حقوقه أمام السلطة وأمام المال”(ص80).

وتحضر مافيا الدولة من خلال الصراعات الدموية في شوارع المدن بين مختلف المنتمين للمؤسسات الاقتصادية والأمية، وعبر صور عمليات التصفية الجسدية لكل معارض او كاشف للفساد الإداري وأخطار القتل والسرقة باسم الدولة، وهو مصير النقابيين ورجال الإعلام في هذه الرواية.مثل اغتيال الكاتب الصحفي الباهي بطريقة بشعة واتهام الجماعات الإسلامية المسلحة (ص190)
وعلى قارئ الرواية أن يعود لكثير من كتب العلوم السياسية وعلم الجريمة وحقوق الإنسان… ليقترب من القضايا الحساسة الحاضرة في نص ياسمينة صالح، لأنه نص ينبه إلى أهمية القراءة العلمية الاجتماعية للمؤسسة الأمنية والعسكرية في الدول العربية، قصد إصلاحها أولا وقبل كل شئ وتطهيرها من الفساد والرجال الذين شوهوا قطاعا شعاره “خدمة الشعب”، فتحول إلى “سرقة الشعب وبهدلته وضربه وظلمه و(…)”؟؟. نقرأ في الرواية ” أن تمتلك بطاقة عليها ختم وزارة الدفاع معناه أنك مواطن استثنائي في دولة تقدس البذلة العسكرية والجزمة الغليظة التي يلبسها أولئك الذين يملكون موهبة إرهاب الآخرين..”(ص15)
ولا تتوفر المكتبة العربية (وفي الدول المتخلفة عوما) إلا على دراسات قليلة تقدم بعض المعلومات عن الخصوصيات والمميزات النفسية والسوسولوجية والفكرية لأبناء الجهاز الأمني والعسكري، عكس المكتبة في الدول الغربية المتطورة، أما عن الحضور في الرواية والسينما والدراما فالأمر يحتاج إلى بحوث ودراسات معمقة…
رغم أني أذهب إلى أن الرواية العربية لم تتفاعل كثيرا مع توظيف الأمن والعسكر عموما وشخصية الجنرال تحديدا إلا في نماذج قليلة جدا، مع أن حضوره مرتبط واقعا وفكرا مع حضور الزعيم (الديكتاتوري بالأساس)؟؟،
تكشف الرواية المال الفاسد والجهاز الأمني الفاسد، لتفتح ملف خطيرا بطريقة فنية يتداخل فيها الحقيقي والمتخيل، بعيدا عن الطرح السياسي الضيق وبعيدا عن خطابات المعارضة والموالاة.
وقد نبهت هذه الرواية بطريقة غير مباشره لمسألة مجتمعية وفنية هامة وهي تفاعل الدرام بكل أنواعها مع شخصية الجنرال او الضابط في الجهاز الأمني والعسكري، وقد سعت- مثلا- السينما المصرية ( باعتماد نصوص أدبية مختلفة تحولت لسيناريوها درامية) لنقل بعض النماذج الشرطية والعسكرية، بخاصة بعد الإطاحة بحكم حسني مبارك.
لكن ماذا عن الدراما الجزائرية؟ لماذا لم تنقل لنا مميزات حياة الشرطي وصعوباتها وتضحيات الشرطة والدرك والجيش بخاصة في ظل مقاومة الإرهاب مثلا؟ أم إن القضية متعلقة بإمكانية غياب التمويل من المال العام في حالة كشف ملامح سلبية عن المؤسسة الأمنية؟ وهنا تفتح إشكالية الإبداع والرقابة…
قد شاهدنا أفلاما جزائرية حضر فيها الشرطي في ادوار رئيسسة مثل أفلام الممثلين المميزين الراحلين حاج عبد الرحمان ويحي بن مبروك، بطرق حكائية مختلفة وأفكار عديدة مثل (عطلة المفتش الطاهر، إخراج موسى حداد) وفي ادوار ثانوية مل عيش باثناش (إخراج وسيناريو محمد حلمي) وفيلم كحلة وبيضاء (إخراج وسيناريو عبد الرحمان بوقرموح).
وليس هذا مجال لتحليل الإشكالية في السينما الجزائرية والعربية، وعلى النقاد تقديم دراسات حول المسألة، لكن اعترف أن رواية ياسمينة صالح فتحت موضوعا هاما في السياق العربي، وهي رواية تتوفر على العناصر الكبرى لتكون عملا دراميا جيدا، وقد تتلهف عليه المؤسسات الإنتاجية الفنية المصرية لتتبناه بسبب تقاطع الأبعاد المجتمعية والسياسية والاقتصادية بين الدول العربية عندما يرتبط الأمر بشأن بشخصية الزعيم أو الجنرال…

2- نص التأريخ السياسي والاجتماعي:
هذه الرواية هي رواية تتحرك بين قصص الجزائر العميقة ( ومثيلاتها في الدول العربية) وأحيائها الشعبية بهموم أهلها وصراعهم مع رغيف الخبز وكيس الحليب، وبين قصص رجالات السلطة ومن يتحرك باسمه ويمارس الأعمال غير القانونية دون حسيب ورقيب، فتشكل الصورة السلبية في الذهنية الجزائرية والعربية عن رجال الأمن والعسكر.وقد انتقل الزمن السردي من الماضي إلى الحاضر ومع تحولات الجزائر من السبعينات إلى التسعينات في القرن العشرين.
فمن أحادية الديكتاتورية الاشتراكية إلى يوميات الإرهاب الهمجي، نقرأ رواية واقعيه الأسلوب، ولا تشتغل كثيرا على التجريب السردي، وتعتمد في كثير من الصفحات على البنية الحوارية لنقل الأفكار والمشاعر، وتوظف الزمن الاسترجاعي للبحث في ذاكرة الشخصيات، كما تستشرف المستقبل بحثا عن آفاق شخصيات تريد الهروب من ظروفها الصعبة…
وكنا نطمح أن نقرأ الكثير من مميزات الحارات الشعبية الجزائرية بمظاهرها التراثية الغنية، وبجماليات الأمكنة وروائحها وهمساتها وأغانيها الكثيرة، لان الرواية أدخلت القارئ في الأحياء الشعبية لكن بخجل فني وانتروبولوجي بسبب اهتمام الراوي -في الحكاية- بالأبعاد الفكرية والنفسية لشخصية الجنرال، فلماذا هذا البخل الحكائي أيها الراوي في الرواية، بل أيتها الروائية ياسمينة صالح؟؟
إن كان على المبدع الحذر عند الاقتراب من التوظيف التاريخ والموقف السياسي، فالأمر أصعب عند الاقتراب من قضايا وموضوعات ذات صلة بالأجهزة الأمنية والعسكرية، فهنا ترتفع درجة الحذر الفني-الفكري، ويتماهى الحقيقي والمتخيل، ولا يجب ان يقع الخطاب الروائي في فخ التقرير وقيود الخطاب السياسي والإعلامي، ونرى بأن رواية ياسمينة صالح قد تمكنت بفضل تقنية المونولوق من الهروب من سلطة الطرح الأيدولوجي وقيد صوت الرفض السياسي.
نقرأ في الرواية مشاهد التغني بالوطنية وممارسة أفعال ضدها (انظر ص203 مثلا)، ويتحول الوطن إلى كابوس مفتوح على الفتن والهزائم والدمار واليأس، وقد تكون نتيجة كل هذا أن لا يجد الزعيم المستبد او السياسي الفاسد شعبا ليحكم، او أرضا لتزرع او خزائن لتنهب؟؟ و للنظر لمصير دول الربيع العربي كيف صارت وأين هو الشعب السوري واليمني والليبي و(…)؟ لكن من يسمع لصوت العقل والفن؟ ومن يقرأ الرسائل المشفرة المرسلة في رواية ياسمينة صالح قبل أن (…)؟؟
لقد تركت الروائية شخصية الجنرال لخضر تمارسها إفضاءتها النفسية بالمونولوق، فتحرك -مع تحركها- السرد متتبعا تحولاتها، ومن ثمة كانت الطريقة ذكية على المستوى الفني للوصول للتأريخ لكثير من التحولات التي أصابت المجتمع والدولة في الجزائر، ولأن الونولوق الداخلي تقنية تستعمل في تيار الوعي في الكتابة الروائية، وتترك الأفكار المنطقية المجال أمام الأفكار المبنية على التداعي.
كما تفتح الرواية الكثير من الملفات الاقتصادية والسياسية، وتنقل للقارئ العربي والغربي ممارسات الوزراء في الجزائر والدول العربية، فهم يقدمون الخدمات للمؤسسة العسكرية للبقاء في المنصب أو على الأقل للدفاع عن مصالح مؤسساتهم الاقتصادية بعد العزل، وليقرأ القارئ مشهد زيارة الوزراء للجنرال المريض، حيث الوصول للسلطة بالمال والمال يحمي السلطة كما تقول الرواية.
واستطاعت الروائية أن تقدم شخصية الجنرال لخضر وتناقضات عالميها الداخلي والخارجي في نفس الوقت، وهي عملية صعبة في أبعادها السردية، المشهدية، الأسلوبية، الحوارية… وتحيلنا الرواية للمقارنة بين الحياة الداخلية للجنرال كتعارض مع الحياة الاجتماعية، ليتأمل القارئ ملامح المثالية ومحاولات التحكم الاجتماعي برؤية سلطوية ديكتاتورية.
وقد وجدنا أن وصول الشاب لخضر لمنصب جنرال لم يكن واقعيا، وكان بإمكان الكاتبة أن تقول بأنه أصبح قائدا عسكريا او امنيا كبيرا من دون تحديد، لأن المبدعة لم تنتبه للمسار المهني والترقيات التي تحقق الوصول لرتبة جنرال ولا يقتنع القارئ بان عاملا بسيطا في الميناء يتحول إلى مخبر، فضابط، فجنرال من دون أن ينتمي للمؤسسة العسكرية ويمر على مختلف الرتب؟؟
وإذا نجحت الرواية في نقل الكثير من المشاهد الاجتماعية والسياسية في مسارات الوطن الجزائري (وفيها ما يشبهها في الوطن العربي)، فنحن نرى ان الكتابة – بكل طرحها المتخيّل والحقيقي- عن أسرار وخفايا الجهاز الأمني الجزائر والعربي في الكتابة السردية او الدرامية أو السينمائية يتطلب جملة من الشروط عند المبدع للإبداع وعند المتلقي للفهم، وهي:
1-بالنسبة للمبدع (الروائي او المؤلف المسرحي او كاتب السيناريو السينمائي) فمن المحبذ أن يكون أبناء القطاع الأمني له دراية بعوالمه واخص خصوصيات رجاله النفسية والفكرية والاجتماعية، او يكون مطلعا على مذكرات السير الذاتية (رغم ما فيها من واجب التحفظ)، أو متابعا للدراسات العلمية المنجزة حول مختلف أبعاد شخصية رجال الأمن و العسكر.
2-بالإضافة لما سبق ذكره من شروط لا نغفل الموهبة والبعد الفني، لأننا نقرأ أو نشاهد إبداعا وليس عملا صحفيا أو تقريرا علميا.
3-بالنسبة للقارئ، عليه ان يكون مزودا بالمعرفة الأنتروبولوجية والثقافية والسياسية ليميز الحقائق والتشكيلات السردية والوصفية وأبعادها الدلالية حول رجال الأمن، ويحرص على فكرة انه أمام عمل إبداعي يتداخل فيه الخيال مع الواقع، وقد يمرر المبدع قناعاته الأيدولوجية والسياسية عبر توظيف قضايا من عالم الجنود والضباط والجنرالات ؟؟

في الختام
في السنوات الأخيرة من عمر الإبداع العربي اقتربت بعض الروايات والأفلام العربية من موضوع طريقة تعامل الأمن مع الشعب، ونقلت ممارسات غير قانونية مرتبطة بالديكتاتورية والدولة البوليسية، كما سعت بعض النصوص لدخول في عوالم الجنرالات، بطرق مختلفة وقناعات فكرية متباينة، وهي محاولات إبداعية تحتاج لتأملات نقدية أكاديمية، لتضيف خصوصية فنية وفكرية جديدة للبحث الأدبي والنقدي العربيين .
ولم تتوقف المنوعات في السرد والإبداع الأدبي والفني عند تناول قضايا الجنس والدين والسياسة لتصل إلى العسكر وشؤونه الداخلية، وتعتبر رواية ياسمينة صالح” في المدينة ما يكفي لتموت سعيدا” رواية محترمة في تشكيلاتها الفنية وجريئة في طرحها المسائل الاجتماعية والسياسية ، عبر التفاعل الفني مع نموذج شخصية الجنرال.
لقد اكتشفت روائية جزائرية جديدة من خلال هذا النص الجريء، وهي تسير بخطى فنية ثابتة لتصنع اسمها ضمن الحقل الثقافي الجزائري، لتكون كاتبة مهمة في تاريخ السرد النسوي العربي، عبر البحث السردي في موضوعات صعبة حول الوطن و الأمة، وننتظر منها الأجمل مستقبلا.

*ً د-وليد بوعديلة –جامعة سكيكدة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق