ثقافة السرد

جواز سفر

بقلم : جميلة طلباوي

أسلمتْ شعرها وهي في حالة استرخاء تامّ، كان مجفّف الشعر يحدث ضجيجا وكأنّه يحفر في دهاليز ذاكرتها تستحضر ملامحه الرجولية الجذّابة، بأنفه الشامخ ولونه القمحي ونظراته المشعّة بالذكاء. سواد عينيه كان نقطة التحوّل في حياتها، مثلما حوّلت لون شعرها من الكستنائي إلى الأسود ليصير وجهها مغريا أكثر، ليزداد لمعان عينيها وتتورّد وجنتاها أكثر، أليست العيون السوداء رمز الحالمين الأسخياء الكرماء. تمسّكت فقط بلون عينيها البنّيتين ورفضت وضع العدسات اللاصقة،  فالعينان البنّيتان ترمزان إلى الحنان والعطف وهي تريد أن تغمره بكلّ الحنان الذي تملك.

منذ شهور التقت به كان يحمل حقيبة سفره وكانت هي تحمل هموم الدنيا كلّها على كتفيها، وقفت تودّعه وتنظر إليه وهو يغيب عنها شيئا فشيئا حتى تلاشى في الأفق.

توقف صوت مجفف الشعر، تراخت خصلات شعرها، تهدهدت بين يدي المزيّنة، و هو ما زال يستفزها بعطره، بشعره المتماوج سحرا، كانت المرّة الأولى التي يعود فيها بعد طول غياب، تهيّأت لتكون له وينتهي غيابه، لكنّ ردّه كان هادئا:

دعيني أرتّب أموري و سأعود، لا تقلقي.

ابتسمت يومها  برغم مسحة الحزن على وجهها وذاب هو أمام سحرها، لم يقاوم حزنها، سحب جواز السفر من حقيبته وهو يقول:

تأكّدي، هذا الجواز سأمزّقه.

انتبهت لألم الدبوس في شعرها، بدأت المزيّنة تشكّل الخصلات على شكل وردة تتطلّع لشمس الفرح وهي تعاند دمعة التصقت بجفنها. ضغطت المزيّنة على وجهها، مسحت الدمعة  بدأت بصبغ أهداب عينيها البنّيتين الواسعتين الذابحتين، تألّقت المساحيق  على وجنتيها، على شفتيها، على وجهها البضّ الساحر. ابتسمت المزيّنة، زغردت النسوة، تقدّ مت إحداهنّ، قبّلت جبينها وهمست في أذنها :

ما أجملك، جميلة أنت يا وردة، ألف مبروك.

غاصت رجلاها في حذاء بكعب عال، و تفتّحت  داخل فستان أبيض زهرة من زهور الربيع.

وقفت أمام المرآة، تدرّج نظرها من حذائها، إلى أعلى الرداء الأبيض الشفاف على تاج رأسها. تعالت الزغاريد، فتح الباب، ضرب على الدف وتعالت الأغاني و الزغاريد. ها هو قادم  ببذلته السوداء الأنيقة طويل  القامة، هادئ الملامح، مشرق الابتسامة، فارس من الزمن الجميل، تأبّطت ذراعه، ضغطت عليه لتتأكّد بأنّها لا تحلم. رشات الورد و السكر أنعشتها، انتشت فرحا، همس في أذنها :

ألف مبروك

تطلّعت إلى وجهه و قالت:

و جواز السفر، هل مزقته فعلا؟

 

24.06.2010م

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق