قراءات ودراسات

رؤية نقديّة للمجموعة القصصيّة “غواية أخرى” للكاتبة التونسيّة عائشة المؤدّب

في شعريّة السّرد وسرديّة الشّعر

 النّقد والقراءة:هالة محمود

1- غواية العنوان ودلالة الأوتوبوغرافيا:
حين أمسكت بالكتاب لفت نظري تصميم الغلاف، الّذي كان باللّون الرّماديّ، الّذي يصنّف بأنّه ليس الأبيض وليس الأسود، هو لون خالي من المشاعر يلمح للاستقرار والقوّة نوعا ما، يخلق بعين الرّائي هدوءا ورباطة جأش، يبعدك نفسيّا عن فوضى العالم، لكنّه في نفس الوقت هو لون التّحفّظ والحرص وقلّة النّشاط وكبت الإثارة، يوحي أيضا اللّون بالتّقليديّة والشّخصيّة العمليّة والنّضوج والرّوتينيّة، كما يوحي ذلك اللّون بعدم التّشبّث برأي ما أو وجهة نظر ما، فهو دائما يقف موقفا محايدا وسطيّا لا هو أبيض ولا هو أسود. ونجد على الغلاف يداً متحفّزة لجذب أحد ما إليها وكأنّها تريد جذب من تمّ وصفه بأوصاف اللّون الرّماديّ.. تلك اليد تريد جذب ذلك الثّابت المتحفّظ.
فانتقلت إلى العنوان أسفل اليد مباشرة “غواية أخرى” تمعّنت في معنى الغواية تلك الكلمة الدّالة على التّدلّه في الضّلال والميل إلى هوى النّفس والحياد عن الحقّ، والغواية هي الإكثار من فعل السّوء حتّى التّخمة والفساد به ومنه. الغواية استمالة وجذب يؤدّي للضّياع والفساد أي أنّ الغواية هي التّضليل عن كلّ جميل.
المعنى مفهوم واللّون مناسب للمعنى لكنّ التصاق كلمة أخرى بغواية أدّى إلى زيادة التّفكير في معنى العنوان فهي كلمة توحي بتكرار العمل للمرّة الثانية إذن فقد سبق الغواية غواية، فإن كان هذا هو المعنى المقصود فهذا الشّخص لا يتعلّم من الوقوع في الخطأ أو أنّه أدمن الوقوع في الغواية، أو أنّه كفر بمعكوس الغواية وحبّذها وفضّلها لأنّها تتناسب مع هواه، أمّا إن كانت كلمة أخرى بمعنى أخير فهي تدلّ على تكرار الغواية مرّات ومرّات وبأنّ هذه الغواية هي الأخيرة فقد يتّعظ أو تقضي عليه فلا يكون هناك غواية قادمة بعد ذلك، أمّا إن كان المقصود منها أنّها دار الحياة بعد الموت فالمعنى كبير كبير..

2- غواية المتن / المستوى الدّلاليّ
مجموعة قصصيّة يتشكّل محورها الأساسيّ في الخروج عن المألوف بطريقة مقصودة، جمعت بين السّرد والشّعر فخرج المزيج لا يمكن وضع توصيف موحّد له فلا نقدر على قول أنّ هذا الكتاب مجموعة قصصيّة ولا نقدر على نعته بأنّه ديوان شعريّ.. وبذكاء أسمته الكاتبة قصائص .. وهي بالفعل قصائص جمعت من الشعريّ والسّرديّ معا. هذا المزيج أضفى على المضمون حالة من التّماهي يميل كلّ قارئ لما ذهبت إليه نفسه إمّا يراها نصوصا شعريّة أو يتماهى معها على أنّها قصائص سرديّة، أرادت الكاتبة الخروج من التّقليديّة في أسلوبها والخروج من تقليديّة التّصنيف فجمعت بين السّرد والشّعر وكان فارسها وفرسها اللّعب بالكلمات.
بدأت الكاتبة كتابها بنصّ بعنوان “وصايا قبل عبور المضيق” كانت بدايته :
“أيّها المارُّ من مضيق النّصّ، ترفّقْ. اخلع نعليكَ. تحسّس تربتي بقدمين حافيتين، سر عليها وأنصتْ. ترفّقْ وأنت تطأ العتبة الأولى حافيا وأنت تطأ العتبة الأخرى تحيطكَ اللّغة بكمائن من مجاز”.
فكان مفتتحها عبارة عن لوحة فنيّة بنقوش عبّرت عن اتّساع أفقها اللّغويّ، فكانت كأنّها تخبرنا بأنّ لغتنا العربيّة بها ما لم نكتشفه بعد، بها من التّشبيهات ما استعصى على الكثيرين ومن المجاز ما أعطاها قدسيّة تفوق أيّ قدسيّة وظهر هذا في تعبيرها “اخلع نعليك”، تطلب من القارئ أن يستعدّ للولوج بين كلماتها بأن يخلع نعليه قبل أن يمرّ على كلماتها وكأنّ كلماتها بلدة بأكلمها وأنّه سيسير في شوارعها بين كلماتها الّتي اعتبرت كلّ كلمة فيها بمثابة مبنى ضخم به من الجماليّات ما يجبرك على التّوقّف والمشاهدة والتّأمّل، كذلك وصفها بأنّ نصّها وكتابها ما هو إلاّ مضيق وقبله اتّساع وبراح وبعده اتّساع سيغيّر كلّ مفاهيمه ومعتقداته، إذن أنت داخل الكتاب حين تصفّحه ستكون داخل المضيق وما إن تمرّ منه تتغيّر فاستعدّ للتّغيّر لأنّك حين تصل لنهاية تؤكّد لك بأنّ وشم الرّحلة سيكون على كفّك اليمنى مرسوما بدمها، وأنّك لن تنسى كلّ ما مررت به، سيلتصق بروحك وكيانك، وتؤكّد أنّك بنهاية القراءة ستكون قد تورّط في غواية أخرى، لم تخاطب الأنثى أو المجتمع ككلّ، بل كان خطابها وكلماتها موجّهة للذّكور، وكأنّها تضع توابل على إبداعها بأن تقول للقارئ بأنّ كلّ ما ستمرّ عليه ما هو إلاّ شيء يخصّ الأنثى لكنّي كتبته بطريقتي وليست بطريقة معلومة ومعهودة للجميع لأصل بك ومعك إلى مبتغاي ومرادي بلغة تعبيريّة جديدة.
ولكي نبدأ في قراءة المجموعة لابدّ من ترتيب قصائص غواية أخرى وفصل القصائص السرديّة عن النثر الشعريّ الّذي تشوبه السّرديّة، وهناك قصائص سرديّة تشوبها الشعريّة، القصائص السّرديّة مثل: أرملة الوقت .. وإن أردت اختصار تلك القصاصة في جملة واحدة ستكون “قهر الأنثى” ليس هناك تكثيفا في القصاصة بينما السّائد هو التلاعب بالألفاظ اللّغويّة والصّور والمجازات وغلب هذا على محتوى الكتاب كلّه، صوّرت ورسمت المراد من قصاصتها بأنّ جوعها العاطفيّ غربان لا تعاركها بل تعارك فارسها اللاّهي، تحاول هي الهروب من واقعها المؤلم إلى خيالها فتجد كلّ الطّرق تسدّ في وجهها باب الولوج إلى الخيال، تؤكّد أن لا أمل في وجود بارقة ضوء تجعل اللاّهي عنها كأنثى لها احتياجاتها العاطفيّة يعود إليه الإحساس والشّعور بها أنثى في مجتمع ذكوريّ حتّى في المتطلّبات الّتي زرعها الله فيها، وهي لم تقف مكتوفة الأيدي بل حاولت وحاولت لفت النّظر بكلّ ما أوتيت من قوّة أنثويّة ومغريات وغيرها، تقاوم كثيرا تحاول جذب المتاح والشرعيّ لكن تجبرها كلّ الأشياء على الخروج من عتمة ذات لاهثة خلف متطلّباتها إلى أوّل شعاع خالته ضوءا تسقط فيه وحين الانتهاء يكون قد مات داخلها كلّ شيء وتحوّلت لذات أخرى ستظلّ تنتظر غواية أخرى تشبعها.
في “عطر زليخة” تتناول نفس موضوع القصاصة، وهو الإشباع الغريزيّ لشهوة الأنثى وإن اختصرت القصيدة في جملة سأقول “أنا الأنثى .. مزيج بين الوقور واللّعوب حدّ الفُجور”، وصفت نفسها هنا بأنّها ثملت لكنّها ما زالت عطشى، لكن ركنت لهدأة كاذبة أقنعت نفسها بها، هي تكذب على رغباتها، تحاول التّحايل عليها بالكذب، لكن تبقى الرّغبة غذاءها الوحيد الحرمان فهي كلّما زاد الحرمان تكبر، وفي هذا تدليل على أنّها لا تأخذ حقّها وتكبر رغبتها ويصبح غول الجوع الّذي يجبرها على إقامة احتفالات الجوع للوصول للشّبع على قارعة الطّين، ما أجمله من وصف هي تريد أن يأتيها الثّور المقدّس “الكاماسوترا” الّذي أطلق تعويذة يريد بها إيقاف سماع أصوات ممارسة الحبّ الّتي كان يسمعها من الإله شيفا وزوجته يارفاتي، أطلق التّعاويذ حتّى أصبح ثورا مقدّسا، هي ترى وتسمع عن تلك الممارسات لكنّها لا تعيشها، عبّرت عن ذلك بلغة إنزياحيّة عن مالوف الدّلالات، فقالت أنّ شرايين وأوردة القلب تشاطرها وتقاسمها اللّهاث خلف إشباع رغبتها المخلوقة معها منذ أن كانت طينا لم يتماسك بعد، هي تفّاحة لكنّها سليمة وترغب بشدّة في من يقضمها وتكون قضمته ليست كأيّ قضمة، أليس ما يحدث مع الأنثى قمّة العذاب والقهر لها؟ ذلك القهر والعذاب اللّذين يجبرانها على غواية أخرى.

وفي “سيجارة الجدّة” وقصيدة “زوربا يرقص على إيقاع نشيدنا الوطنيّ” تجسيد حيّ لدراما تحدث في معظم الأوطان العربيّة، تصف الطّغيان وما يخلّفه من مأساويّة ضدّ كلّ ما هو حيّ، أطفال، كبار السّنّ، مرأة، مزروعات، تصف بلدها بأنّها بائسة ملعونة، تلك البلدة الّتي تتّفتح زهورها على الإسفلت، أيتام أبرياء أمّهاتهم غير موجودات، كلّ ما يعرفونه عن الأمّ والوطن مجرّد ذكريات، تصف شوارع مدينتها بأنّ بها وباءً اسمه الحفر، وأنّ الحجارة لديها مرض نفسيّ، فوبيا من سماع اسم يوم الجمعة، فكلّ جمعة لها اسم والحجارة تخاف من الجمعات الّتي يبحث فيها الثّوريّ عنها فلا سلاح له غيرها، وصفت الوطن بأنّه قاتل والمقتول معروف، تصف الغازات الّتي تطلقها الدّماء الغريبة بأنّها شالّة للخجل.. الوطن يكابد ويعاني من العرج ولأنّه أعرج فهو يمشي بخطوات راقصة رقصة الألم، يرقص ويحاول مداراة عرجه بوضع ذراعه على كتف زوربا ويلكزنا بذراعه الأخرى. ولعلّ اختيارها لرقصة زوربا لأنّ الرّاقص هنا اعتبر الرّقصة هي النّافذة الوحيدة الّتي تربطه بالعالم هي الوحيدة الّتي تجعله يطلّ وينتظر بأمل الخروج من تلك النّافذة إلى مكان يرضاه لنفسه ولمن حوله. ما أروعه من تشبيه قادنا إلى غوايات أخرى.
وحين ننتقل إلى “خلل مناخيّ” نجدها تكمل الحديث عن الوطن، ورغبة الكاتبة في المشاركة في أحداث الوطن الثّائرة، هي ثوريّة تبحث عن المشاركة والدّفاع ومحاولة التّغيير، لماذا يترك العريس عروسه ليثور ويحاول التّغيير وهي ماكثة في مكانها، المشاركة ذكوريّة وأنثويّة، الوطن يحتاج للأيدي كافّة، فكلّنا عالقون بين ضياع حقّ ومحاولة استرداده، نحن جميعا خارج الوقت وتريد هي تحديد المصير والدّخول في الوقت المطلوب فيه التّغيير. وبين أمانينا وواقعنا تتصيّدنا غواية أخرى .
حين قرأت عنوان القصاصة التّالية “أمنيزيا” توقّفت للحظات، أليس الأمنيزيا مرض فقدان الذّاكرة؟ نعم هو.. ووضعته الكاتبة عنوان قصاصتها ليكون هو الشّرح الوافي لما تتضمّنه القصاصة، أوضح المضمون قمّة ما يحمله الإنسان من هموم إنسانيّة مأساويّة خاصّة فيما يخصّ الوطن، كلّنا مصابون بالأمنيزيا، كلّنا نعيش في أوطان تسوء حالتها يوماعن يوم، ممّا شحن نفوسنا بانفعالات نفسيّة وإدراكيّة فكريّة أوصلتنا إلى الذّهول والعيش بأوطاننا بغربة الغريب، أصبح الجميع سواء كان الأحياء أو الجماد يسخر منّا ويعذّبنا ويعرّينا وينشر عجزنا، جلعتنا الكاتبة نعيش نبض الوطن ونسري بشرايينه وأوردته ونتنفّس خيباته حتّى باتت زفراتنا كلّها انكسارات وآمالنا محطّمة وأصبحنا نعيش بين المعقول واللاّمعقول والمرفوض واللاّمرفوض ليس لدينا رقيب ولا حسيب فأخذنا شيطان المتربّصين إلى غوايات تساعدهم في هدم ما تبقّى من الأوطان. وأكملت ما تريد أن تقوله في قصاصة “خدر” فردّدت نفس ما قلناه عن أمنيزيا حتّى أنّني تمنّيت أن تدمج الكاتبة القصاصتان معا تحت عنوان “خدر الأمنيزيا”. وهناك في الكتاب أكثر من نصّ إن رفعنا عنهم العنوان وأدمجناها سيكون الدمج أروع.
هكذا تأخذنا الكاتبة بحرفها الرّاقي الرّافض للقديم المحاول إيجاد طريقة جديدة للتّعبير، جعلت كتابها كأرض خصبة نديّة مليئة بالأفكار مشحّذة باستعارات ومجاز وصور شعريّة تعكس ذاتها المعجونة بالألم والوجع على كلّ ما يحدث حولها، اهتمّت الكاتبة عائشة المؤدّب بجماليّات تعبيراتها، وكثرة استعمال صورها الشعريّة والمجازيّة والاستعارات قرب المسافات بين ما كتبته كسرد وما نثرته، فكانت نصوصها تلك التّربة النّديّة الّتي غطّت أرضها وأعطتها صفة الخصوبة، فطرحت أجمل أزاهير ذاتها الشّفيفة. ففي قصاصة “وعل مهاجر” وجدتني أسأل عن سبب اختيار الكاتبة لهذا العنوان، لماذا اختارت الوعل وليس أيّ حيوان آخر؟؟ ألأنّه كان رمز إله القمر في عهد بلقيس وتمّ صكّ رأس الوعل على العملات المعدنيّة وقتها؟.. إذن هو وعل له مكانة وقدسيّة. قالت عنه أنّها علمت أنّه شبح حين لم تجد له ظلاّ، وحين تيقّنت أنّها ظلّه انتقل تعريفها له بأنّه ليس شبحا بل هو حقيقة ولها ظلّ، حارب وواجه وتحمّل فحُمّل بأتربة الحروب ووكستها وجروحها، تائه في وطنه وكلّما غدا شرقا أو غربا تتبعه وكأنّها الرّيح خلفه. إنّه غير قادر على مواصلة مشواره، وحين واتته القوّة وتطاولت قوائمه وأصبحت شاهقة واستطاع الرّكل لم يركل إلاّ فراغا، والفراغ هنا في كلّ شيء حولها، فراغ الأمل والأماني، فراغ الصّدور والعقول، فراغ المشاعر الّذي يقودنا إلى غواية أخرى.
وفي قصاصة “خطيئة أولى” نعود لاحتياجات ورغبات الأنثى الّتي لا يشبعها المتاح والشّرعيّ بقدر إشباع خطيئة ما لرغباتها وشهواتها حتّى أنّها باتت تبحث عن خطيئة مماثلة تبلّل بها الشّوق وشهوتها الّتي نعتتها بأنّها عابرة، حياتها كلّها مساءات، فلا شعاع ضوء ينير الطّريق وفي خضمّ الالتفاف بالشّوق ومحاولة إشباع الأنثى نجد أنّ هذا الشعور بدلا من إشباعه فقد التهمها وحين يدقّ الباب بخطيئة أخرى وغواية أخرى تشعر بالرّعب وتظلّ تتفشّى بداخلها الرّغبة في معاودة الخطيئة الأولى الّتي لم تنس مذاقها وتواجهها الحقيقة فتركض بكلّ ما أوتيت من قوّة تسابق الرّيح وتودّعها وتودّع معها الخوف وتستعدّ لتعيش غواية أخرى. تليها قصاصة “جاذبيّة” حكاية خطيئة جديدة تتحدّث عن المرأة اللّعوب الّتي تتمايل وتتأرجح وتتعطّر بعطر نفّاذ تجتذب به جسد آدم، الحكاية ليست نادرة ولا غير معروفة فالعالم كلّه وقع في الخطيئة، كلّ لعوب هي جاذبة في حدّ ذاتها فانتفت صفة الجاذبيّة الّتي حدّثنا عنها نيوتن وتبدّلت لتكون المرأة هي التّفاحة وآدم هو الأرض الّتي تجذبها دائما لتعيش غواية أخرى وكان يمكن للكاتبة أن تدمج القصاصتين معا.
قصاصة “سباحة خارج الوعي” هي حلم امرأة تعلم أنّه ناشز عن كلّ شيء حولها، ناشز عن أحلامها وواقعها، ناشز عن عذريّتها وكارهة لها وإن لخّصت تلك القصاصة في جملة ستكون “والهة بالرّجال” ترغب في غواية أخرى .
قصاصة “مقبرة آهلة بالفرح” حديقة عامّة يجلس فيها الأحبّة متراصّين، لكنّها تراها مقبرة آهلة بالفرح، فرح لن يدوم، فرح ينتهي بمجرّد تركها، حديقة كثر زوّارها، وكثيرة حكاياتها، لكنّها حكايات متشابهة مثل المقابر تماما، كلّها متشابهة في هيئتها ومحتواها.. حديقة تجذب روّادها لغواية أخرى.
قصاصة “شائعات” تعلن تلك القصاصة أن لا دخان بغير نار، وأنّ هناك دائما غواية أخرى في الأفق. أما “منبوذون كملائكة” تحمل أثقال الألم والوجع الّذي جعل المرأة مقيّدة وموبوءة بعادات وتقاليد وتحذيرات لا داعي لها حوّلت تلك القيود كلّ رغبات المرأة لأحلام مستحيلة التّنفيذ فتلجأ للعشق الممنوع والعشق القاتل والعشق خارج المألوف الّذي يقودنا لغواية أخرى.
قصاصة “طائرة ورقيّة “طالت أوجاع النّساء في كلّ شيء حولها حتّى أنّ طفلة بريئة لم تسلم من تناثر أنفاسها واختلاط ريقها بدمها بدمعها بموتها بلا موت للجسد حين هاجمتها ما تهيّأ لها أنّها فراشات ليل مضيئة، لكنّها مزّقتها ومزّقت سقفها وجدرانها وجسدها، كانت طيورا كاسرة، لم ينقذها الصّمود، إنّه الخراب وهمّنا الآن لمّ أشلاء الجسد لتهنأ الموت بدمية كاملة تزفّها لمقبرتها زفّة على طائرة ورقيّة لأطفال الخراب الموتى السّابقون الضّحايا لغوايات سابقة وهناك آخرين ينتظرون مصيرهم من غوايات قادمة.
قصاصة “ديجافو”عنوان يستحقّ التأمّل وقد يكون اختياره مع أو ضدّ الكاتبة، الديجافو يمكن تفسيرها على أنّها “سبق الرّؤية” كما وصفها العالم الفرنسيّ إميل بويرك في كتابه مستقبل علم النفس، وهو تفسير لبعض المواقف الّتي يشعر فيها الإنسان أنّه رأى أو عاش هذا الموقف من قبل، بينما التفسير العلميّ لهذه الظّاهرة هو شذوذ الذّاكرة عندما تعطينا مشاعر خاطئة يعطيها المخّ أمرأ بأنّ هذا الشّيء قد عشناه من قبل لكن متى وأين وكيف، لا نعرف، عنوان القصاصة وحده يغني عن الدخول في تفاصيلها.
“أنياب وخنجر” ذكرت كاتبتنا عائشة المؤدّب اسم ميدوزا وهي ابنة بورسيوس إله البحر الّتي ادّعت أنّها أجمل من أختها أثينا ومارست الجنس مع بوسيدون في معبد أثينا فحوّلتها لامرأة بشعة المنظر إلى أن تمّ قطع رقبتها وإهداؤها لأثينا، تقول أنّ ذئبا كان يلهث خلفها حتّى تراءى له وجه ميدوزا فارتعب وحين هوى عملت به بأنيابها وخنجرها حينها علمت من تكون.
“مجرّد نوايا” تتلخص هذه القصاصة في فحوى “جاء ليصيده فصاده” و”للخطيئة رواية أخرى”غواية المرأة للرّجل الّتي كانت ومازالت من قديم الأزل تجذبنا إلى غوايات وغوايات.
المجموعة ككلّ يتشكّل محورها الأساسيّ من جلاء الذّات الأنثويّة وهي تراقب ما يدور بفلكها ومجتمعها تنتقل من قصّة لقصّة أو من قصّة لنثر تجد أنّ شاغلها الشّاغل هو الأنثى بكلّ ما يخصّ الكلمة من موضوعات تتنوّع وتتعدّد الأنماط السّائدة فيها… لكن اتّسم واقعها الأليم الأنثويّ بالازدواجيّة السّوداء الّتي ظهرت في اختيار العناوين والحركة سواء في السّرديّ أو النثريّ والتفاعل مع المعطيات والواقع والخيال والوقفات بكلّ قصّة والمعاني المقصودة والتّصدّي والدّفاع عن حقوق ضائعة وقضايا أنثويّة ووطنيّة قد يراها البعض وقد يعمى عنها الكثيرين وقد يراها البعض تافهة أو أنّ التّحدث بها يعيب المرأة ويوشمها بما ليس فيها، وفي إنكار المعاناة خطر داهم لا يشعره إلاّ أديب مستبصر بالحالات الإنسانيّة خاصّة للأنثى والوطن…. إنّ أكثر ما كان يشغل مخيّلة وبال الكاتبة هو كثرة الغوايات وأنّها تراها في كلّ صوب وحدب حولها عبارة عن سيف بتّار يسحق ويدمّر كلّ ما يمرّ أمام نصله… الغواية قد تقود الإنسان للدّمار حيث أنّه يقتل المشاعر الإنسانيّة على مختلف أصعدتها فهو مسيطر على مختلف الأجواء فجعل الفكر ثابتا وجامدا في قالب لا منطقي… ذلك الفراغ الممتلئ بالغوايات أصبح ثابتا في حياتنا ثبوت الجبال ورسوخها يزيل من الوجود الوجود الطبيعيّ الحيّ، ويزيل الشّعور البشريّ بالأمان والراحة ونظافة النّفس، هو شرّ له شرر يتطاير لأنّ ما يحرّكه هو يد وعقل اللامنطق.

3- غواية أخرى واستنتاج تركيبيّ
لم تبق الكاتبة كتاباتها في إطار العقلانيّة، بل أطعمتها بتناصّ ومجاز وتشبيهات واستعارات لا حدود لها أصفها بأنّها جميلة أعطت النّصوص طراوة وليونة وتشويقا، فكتبت برموز وانبلاجات روحيّة جعلت كلّ نصّ يبدو أمامنا كأنّه مصوّر وممثّل على مسرح وكلّ قارئ كان بطلا يتأمّل سطورها ويستبطن ما بين السّطور استبطانا عميقا… جعلت القارئ يعيش الغواية كأنّه البطل فيها لا قارئا يمسك بيده كتابا، وخواء حياة البشر الّذي أثّر بالسّلب على الأنثى بكلّ بقاع الأرض قذفها إلى قسوة الغوايات… الخواء الّذي يختفي تحت أقنعة الحياة الّتي تعتلي كلّ الوجوه.
تتبّعت الكاتبة السرياليّة بكتاباتها فعبّرت عن العقل الباطن في نصوصها بصورة يعوزها النّظام والمنطق فاستخدمت أشياء وأحداثا أسطوريّة كرموز للتّعبير عن أحلام الأبطال والارتقاء بالمشاعر الطبيعيّة إلى ما فوق الواقع المرئيّ وغير المرئيّ كذلك استخدامها لتلك الرّموز كانت تختصر به شرحا طويلا للحالة.

*ناقدة مصرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق