قراءات ودراسات

“أحلام تمد أصابعها” لتنشئ نمطا روئيا جديدا*

"نصوص مفتوحة" لعبد الله المتقي وفاطمة بن محمود

 محمد اقضاض

أحلام تمد أصابعها”[1] للمبدع المغربي عبد الله المتقي والمبدعة التونسية فاطمة بن محمود، هي “نصوص مفتوحة” كما جنسها الكاتبان، ليشكلا ميثاق قراءة خاصة. هي حقا نصوص مفتوحة: مفتوحة على بعضها وعلى أجناس أدبية أخرى وعلى التراث وعلى التاريخ وعلى  المجتمع…

تقوم المجموعة على نصوص شاعرية مترابطة ومتتالية في ترابطها، يجعل هذا الترابط القارئ حين يتأمل النصوص يرى فيها نصا واحدا مرتبا في مقاطع أشبه بمينيقصص مرقمة. ومتعة قراءتها وتأملها لا يمكن أن يكمنا في كل مينيقصة بمفردها، كما أن دلالاتها لا تتجلى في كل نص قصير جدا على حدة، والرؤية العامة فيها تتم حين إقفال المجموعة بعد إنهاء قراءتها، خاصة وأنها مقاطع بلا عناوين. من هنا متعة قراءتها العادية وصعوبة قراءتها النقدية. نحن أمام مجموعة نصوص لا هي قصص قصيرة جدا ولا هي قصائد نثرية قصيرة جدا، هي نصوص نووية يشد بعضها في تلابيب بعض، إلى أين تتجه بهذا الاصطفاف، ذلك ما لا يمكن معرفته إلا إذا أغلق علينا الكتاب، الذي يضمها، دفته الأخيرة، مع مساءلة كل نص مقطعي عن طبيعته، فلنجرب: لذلك لا أبالغ إذا قلت إن هذه “النصوص المفتوحة” هي نص واحد، بل هي مينيرواية مقطعية.

في النص رقم (1)، نتعرف على شخصيتين، فقط، بضمير المفرد المذكر الغائب وضمير المفرد المؤنث الغائب، لا نعرف طبيعة الشخصيتين من خلال هذا النص. ما عرفناه هو أن الأنثى كانت تحسن ضبط وقتها جيدا، وكانت تعرف أنها ستلتقي شخصا ذكرا، بتمكنها من زمانها وزمانه، ومعرفتها حياتها وحياته، وهي مدركة أنه لا يكتشف الخطة، وسيعتقد أن اللقاء كان صدفة. والسارد يؤكد على أولوية فعل الشخصية المذكرة، فالجملة الأولى تبين أنه هو الذي التقى بها، ظانا أن الصدفة كانت معه، والأنثى لا تعرف شيئا عن اللقاء، وهذا وهم مركب، لأنه اعتقد أن المبادرة منه، وأن اللقاء لم يتم التخطيط له، وهو عكس ما يؤكده السارد في الجملتين المواليتين. وإذا قرأنا المضمر في النص سنتوقع أنها لا تتحكم في اللقاء ووقته فقط، وإنما لابد أن تتحكم في أشياء أخرى، وليس من المعقول أن تخطط للقاء من أجل اللقاء فقط. وربما سندرك لاحقا ما وراء هذا اللقاء والتخطيط له. ونحن إلى حد الآن أمام مينينص، لم يعلن بعد عن جنسه، فهو ليس مينيقصة، لأن شروطها ناقصة جدا فلا مؤشر على فضاء اللقاء، إلا ما يتضمنه فعل “التقى”، ولا مؤشر على الزمن، إلا ما تشير إليه أفعال المضارعة، نصفها مرتبط بفعل ماض مساعد، ولا حدث إلا إذا اعتبرنا اللقاء في حد ذاته لقاء، وتعاقبية السرد جامدة لأن النص يصف حالة ويترك التعاقب السردي في الخلفية التي يمكن للقارئ أن يكشفها، وهو لا يستطيع ذلك إلا حين يطلع عن المينينصوص الآتية.

ثم إن اللقاء كشف تحققه ذلك الضمير المذكر، بينما الضمير المؤنث لم يهتم باللقاء، لكنه اهتم بدقة المواعد ومعرفة تاريخها، فمن لم يخطط صرح باللقاء، ومن خطط لم يصرح به لأنه كان اللقاء مضمونا من بداية التخطيط. كان من الممكن أن يصرح السارد باللقاء ثم يضيف الاعتقاد في الصدفة، وكان من الممكن التصريح بغرض اللقاء ومقصديته، غير أن السارد ترك المضمر للتخمين. والنص/المقطع كله في ثلاثة أسطر، هي ثلاثة جمل. وكل الجمل تتكون من أربعة أفعال مضارعة وفعلين ناقصين مساعدين، وهي أفعال تخفي المعنى وتوفر إيقاعا موسيقيا يشغلك أحيانا عن تأمل الدلالة. ثم تبدو كل جملة مستقلة عن غيرها، خاصة الأولى التي نعرف علاقتها بالثانية من خلال الضمير المتصل “ها/بها”. بيد أن الجمل الثلاث، بالإضافة إلى أنها تقلص المعنى، توحي بتحكم الأنثى… وإذا لم ننتقل إلى الصفحة الموالية سوف نكون أمام لغز مبهم.

وفي المينينص (2)، نبقى بين ستة أسطر جد قصيرة، أمام الضميرين السابقين، وأمام علاقة بينهما أوضح، وأمام ردود فعل الضمير المذكر يغلفها الشك، وهو شك ينجلي بالتدريج ويتحول أخيرا إلى حماس وفرح، حين يتحقق موضوع اللقاء الذي لم نعرفه في النص (1)، وهو “سماع حكاية جديدة…”. بهذه العبارة الأخيرة ندخل مجال أسرار الثنائي المذكر والمؤنث، وهو مجال يقودنا إلى قصر حكايات ألف ليلة وليلة، رغم أن شخصية رئيسية غير مذكورة هنا، ولكن تتضمنها الجملة الأخيرة، “سماع حكاية جديدة…”، ربما لو ملأنا فراغ نقط الحذف لبدت أمامنا عبارة “من لسان شهرزاد”. نتعرف أكثر على نفسية شخصية المذكر، فهو غاضب وحذر من الخيانة… في اليوم الأول. ثم اختفى الغضب ليبقى حذرا فقط خلال الأسبوع الأول. ثم يختفي حذره في الأسبوع الثالث. وفي الأسبوع الرابع يتحول كل ذلك لحماسة وفرحة، لأنه اكتشف موضوع اللقاء، وهو سماع حكاية جديدة…

في هذا المينينص يتحكم الزمن، فرض اليوم الأول الغضب والحذر من الخيانة. وبعد مرور الأسبوع اختفى الغضب. وفي الأسبوع الثالث أصبح الرجل عاديا جدا. وخلال الأسبوع الرابع تحول جذريا. أربعة أسابع، بمعنى ثمانية وعشرين يوما. زمن واسع بالنسبة لنص قصير جدا، واسع لأن الأحداث فيه لابد أن تتراكم، ولابد أن تتغير فيه أحوال الشخصيات. ما الفاعل في هذا الزمن الطويل كي يتغير الرجل؟ لا نعرفه بالضبط، ربما هو شهرزاد إذا اعتمدنا ذكر الحكاية في الجملة الأخيرة. وبهذا المينينص أصبحنا في بداية كشف الغطاء على مينيقصة، بحضور الفضاء، “غرفتها”، وهو فضاء جد معزول إلى حد الآن. وبكثافة حضور الزمن وبقوة وجود شخصية الرجل، التي يمكن أن تكون شهريار، حسب مؤشر الحكاية أيضا. والحدث هنا هو دخوله غرفتها التي مكث فيها أربعة أسابيع تغيرت خلالها نفسيته…

ورغم غياب شخصية الحاكية، فإنها مازالت تتحكم في كل شروط حضور الرجل، فكما أنها خططت للقاء وتحكمت في الزمن والتاريخ نفسه، فقد هيمنت أيضا في النص الثاني هذا، وحولت نفسية “شهريار”… والغريب أن المينينص يتقدم أمامنا بلغة بسيطة شفافة مقطرة ومنغمة، في جمل مرتبة صرفيا ونحويا وزمنيا، ترتيبا سلسا لا تعقيد فيه.. فبذكاء حاد، وضعنا السارد في المينينص (1) على العتبة، ثم أخذ بيدنا، خلال النص (2)، في تلقائية وهدوء لنطل من الباب على شخصية شهريار ونرى ملامحه المتجهمة القلقة في البداية، والمنشرحة والهادئة، بتدرج، خلال الأسابيع الثلاثة المتتالية. وندرك، هنا، أيضا التخطيط المضبوط المستويات الذي اعتمدته شهرزاد، وهو تخطيط فيه كثير من المنطق، بينما نتأكد بان شهريار مازالت تتحكم فيه ردود فعل عاطفية: الصدفة، الغضب، الحذر ثم الحماس والفرحة.

وفي المينينص (3)، أصبحنا بوضوح تام أمام مينيقصة، تتكون من شخصية ذكورية كشفت عن نفسها، هي شهريار، الحاضر بكل ثقله، اسما وسلطة ـ برمز السيف ـ. رغم أن اسم شهرزاد لم يبرز بعد ولكن الحيثيات اللغوية والسردية، بما في ذلك اسم شهريار ومؤشر الزمن، أول الليل، لأن شهرزاد كانت تحكي ليلا حكاياتها لشهريار. وقد تقدمت العلاقة بين الشخصيتين، الظاهرة والمضمرة، من بداية الحكي إلى شبه لوم خفيف، وهو قولها “لماذا لا تتنصل من الموت يا مولاي؟”، ومعروف أن شهريار في ألف ليلة وليلة، كان ملكا دمويا، ولومها ذاك ينطوي على خوف كمين، لأن نساء كثيرات قتلهن بعد ليلة واحدة معه، أما تدبير حكمه فقد كان قائما على التسلط والقتل أيضا. لم يجب عن سؤالها، بل أحس “بالحرج.. وتظاهر أنه على موعد مع وزيره”. وسؤال شهرزاد يفسر القلق النفسي الذي رأيناه سابقا: الغضب والحذر، فضلا عن السذاجة باعتقاده في الصدفة… ويعلق السارد أن شهريار انسحب من الحكاية، ولم يقل انسحب من سماع الحكاية، لأن السارد نفسه حول شهريار، وربما شهرزاد أيضا، إلى مكون للحكاية، أي حكايته الجديدة، لنكون أمام تناسل حكائي، حكايات شهرزاد وشهريار التي تتضمن حكايات ألف ليلة وليلة، التي كانت تحكيها شهرزاد لشهريار، ثم حكاية ساردنا الذي عاد ليجعل من الشخصيتين حكاية/حكايات أخرى.

كانت تلك الملاحظة التي تبين أن شهرزاد مقتنعة بكون شهريار يعتمد على القتل في حكمه. ونحن في المينينصين السابقين لم نصادف شهريار يقتل، غير أن السارد يبني سؤال شهرزاد على الحمولة اللاشعورية التي تراكمت في ذاكرتنا عن طبيعة شهريار. وإذا كنا أيضا لم نصادف شخصية شهرزاد إلى حد الآن، في المينينصوص الثلاثة، فإننا أمام حضورها المضمر الكثيف، سواء من خلال تحكمها أو من خلال حكايتها أو من خلال سؤالها. حاضرة بقوة فحين تغيرت حالة شهريار النفسية والعاطفية في المينينص(2)، أكدت بسلطتها الهادئة، ربما الخفية، التي تفوق هنا حد السيف، حضورها بالإضمار اللغوي، خاصة تاء التأنيث المتصلة الدالة على الفاعل، ومن تلك السلطة جرأتها على تأمل سيف شهريار، وجرأتها بتساؤلها الخطير. وهي رغم تأملها للسيف لم تذكر، في تساؤلها، السيف باعتباره أداة حرب، وإنما عممت ودققت بذكرها الموت لتوسيع الدلالة، واستعمال لفظة التنصل يعني أن فعل القتل وممارسة الموت امتلكا شهريار، وترجوه شهرزاد أن يتخلص من هذا الجبار الذي استعبده، أي أن شهريار مريض وقد بدأت الحكاية في إشفائه.

نحن، في هذا المينينص، أمام صورة مشهدية، نرى فيها المرأة (شهرزاد المضمرة) تطيل النظر في سيف شهريار، مستخدمة بصرها وبصيرتها، (تتأمل)، فتجسد أمامها قتلا وموتا، وهي بقرب شهريار، فجعلتها حدة دلالة السيف تتجرأ على القول “لماذا لا تتنصل من الموت يا مولاي؟”، ليس هذا مجرد سؤال، إنه تساؤل، ينطوي على قرار، أو على الأقل اقتراح، أن يترك ويتملص بل ويتبرأ، حسب لسان العرب. فالتنصل إذا ينطوي على دلالة ممارسة إثم، اقتراف ذنوب، أي أن السيف هنا مرادف للقتل ظلما وجورا. أحرج التساؤل شهريار فاضطر إلى الانسحاب متذرعا. والاضطرار هنا مرادف للهروب من حقيقة ما، والمضطر يدرك معاني التنصل بما فيها الإثم والذنب، لكن شدة ضعفه منعه من “التملص” من الموت. وضمنيا يؤكد السارد دلالة الهروب، حين أقسم “باليمين الغليظ أن شهريار انسحب من الحكاية”. خاصة وأن الحكاية ترفضه مادامت لم تتمكن من تغييره بعد، لذلك لا يمكن ان يشكل عنصرا منها ولا تشكل جزء من متعه. والحوار في النصوص السردية إما يسلط الضوء على الشخصية، كما في الرواية، وإما يسلط الضوء على العقدة أو الحدث، كما في القصة القصيرة، وهنا رغم اقتصاره فقط على قول شهرزاد صراحة وعلى تعليق السارد على انصراف شهريار، فإنه يسلط الضوء على شخصية شهريار وعلى السلطة وعل نفسية شهرزاد المتوجسة وعلى أداة القتل، السيف، الذي تأملته شهرزاد قبل أن تسأل الملك.

نصادف شهرزاد في المينينص (4)، حاضرة، لأول مرة، باسمها وبمهمتها وطقوس تلك المهمة، وبكل معرفتها بقداسة الحكاية، “مهووسة بالحكي”، إذ امتلكها الحكي ولم تستطع هي أن تتخلص منه، بل قدسته، وهنا نجد أنفسنا أمام مفارقة شهريار مهووس بالقتل/الموت، وشهرزاد مهووسة بالحكي، والحكي هنا يحمل دلالة الحياة أو على الأقل الإحياء، عوض إزالة الحياة عند شهريار. ربما لذلك أصبح الحكي نوعا من العبادة التي تحتاج إلى طهارة، حيث لا تفتح شهرزاد “قفل الحكاية” إلا بعد أن تتطهر، “تغسل يديها بالماء والصابون”. “وحين انتهت علبة الصابون، فركت أصابعها بالعطر”. هكذا قدست شهرزاد الحكي والحكاية، ومن خلالهما الحياة، لأنها مدركة أن شهريار لا يمكن أن “يتنصل من الموت (القتل)” إلا حين يتشبع بالحكاية، وإلا لماذا تتحول الحكايات إلى “أحلام تمد أصابعها”؟!,.. والملاحظ في هذا المينينص غياب شهريار، لا إشارة إليه، لا بالاسم ولا بضمير، ربما لأن حضوره مازال يلوث قداسة الحكاية، بل لا حضور لا لزمن ولا لمكان، عوض ذلك ركز السارد على طقوس بداية الحكي. ولكن إلى حد الآن، وبعد أربعة مقاطع (مينينصوص)، لم تفتح شهرزاد صندوق حكاياتها، هل يمكن اعتبار هذا المقطع تمهيدا لانطلاق الحكي؟ وتهيء له ما يشبه طقوس العبادة لتحكي وليتمتع المتلقي بالحكي، والمعروف في كل أنواع الحكي الشفهي في التراث الشعبي يحتاج إلى طقوس… وهل سنقرأ في هذا الكتاب حكايات شهرزاد؟ سوف نرى.

 نصل إلى المينينص (5)، لنجد شهريار مازال غائبا من الحكاية منذ أن انسحب منها في المقطع الثالث، لذلك بقيت شهرزاد تواصل السهر بمفردها، ولتشغل نفسها دون الحكي راقبت الخادمة والخادم. فقد تفتح هذا المقطع (5) على فاعلين آخرين، هما الخادمة “التي تداعب قطة بيضاء”، والخادم “السكران يكلم زجاجة نبيذ رخيص”. كانت شهرزاد تراقبهما وهي “تواصل السهر في غياب شهريار”، فـ”ابتسمت، وقررت حينها تعديل حكاياتها..” “لأن الحلم هنا…”. وقد وظف السارد فعل “تراقب” الذي يعني أنها تنظر إلى الخادمين دون أن ينتبها، وقد تمتعت بتلك المراقبة، وهي في نفس الوقت تتفرج عليهما، لأن سلوكهما فيه بعض الغرابة، إذ نادرا ما تداعب الخادمة قطة، وقطة بيضاء، بحمولة الجمال والبراءة، ربما لأن القطة نفسها تمثل صورة الخادمة، التي لا يمكن أن تكون إلا وديعة وجميلة، فأثارتها صورتها. بينما الخادم قد عب النبيذ الرخيص إلى أن سكر، وانتشى يكلم زجاجة نبيذه. وضعيتان لم تألفهما شهرزاد، فدفعتاها إلى تعديل حكاياتها. والخادمان، وهما يفعلان ما يفعلان غارقان في الحلم، وكأن شهرزاد دخلت في نفسيتي الكائنين بتأملها لسلوكهما، الذي لا يمكن أن يصدر إلا على الحلم، في وحدة وعزلة كل منهما.

غاب شهريار وحضرت الخادم والخادمة، كل واحد منهما منشغل في عالمه الخاص، يداعب حلمه الجميل ربما، وإلا لماذا ابتسمت شهرزاد، وقررت تعديل حكاياتها…؟!. لم يدفعها شهريار نفسه إلى تعديل حكاياتها بينما شخصيتان هامشيتان وثانويتان جعلتاها تعدل، ولا تغير، طبيعة عملها. هل حقا الحلم يدور بين الخادمة والقطة البيضاء وبين الخادم وزجاجة نبيذه، وما العلاقة بين الحكايات والحلم، خاصة أن عنوان الكتاب هو “أحلام تمد أصابعها”، ونحن في النصوص نتعامل مع الحكاية والحكايات، فأية علاقة بين الحلم والحكاية؟ ربما أن أساس الحكاية هو الحلم، والحكاية نفسها تنطوي على الحلم، بل يبدو أن في هذه المقاطع الأولى بدأت تتشابك أصابع الحكايات والأحلام. والمقطع ينتهي على الشكل التالي “لأن الحلم هنا…”. إن الحلم هنا، وبعد “هنا” نقط الحذف الدالة. هل المقصود بـ”هنا” الزمن أم الفضاء؟ أم المقصود ما يجري مع الخادمين؟ هي إشارة غامضة، ربما إشارة إلى زمن الكتابة، خاصة ونحن لا نعرف بعد أي زمن نعيش مع هذه شهرزاد وذلك شهريار، كما لا نعرف أي فضاء نتواجد فيه خلال المقاطع التي رأيناها. ربما أرادت شهرزاد أن تربط حكاياتها بواقع الناس العاديين وأحلامهم، إذا كان الأمر كذلك ـ وفي اعتقادي هو كذلك ـ فإن هذا المقطع ينسل بنا بطريقة هادئة وغير مباشرة نحو زمن الكتابة، نحو بعض عناصر الواقعية، ستتضح الأمور فيما بعد، ربما…

في المقطع (6)، الضمير المتكلم الغائب، ربما شهريار، ينتظر في مكان ما يوجد في الليل، “الآن يقف على شرفة الليل”، أحس بغربة ووحشة في قلبه “كان المكان موحشا”، المكان هنا هو قلبه. ينتظرها بحرارة ويقدر “ستأتي بعد قليل..”، يتوهم أنها جاءت، “ستأتي… إنها هي” توهم سماع خطاها، “وكانت الخطى لحفيف الشجر”. لابد أن تأتي، “ستأتي… وتؤثث قلبه بحكايات جديدة”، ها هي مقبلة، “ستأتي… إنها هي..”، غير أن الخطوات التي سمعها هي وهم أيضا، “وكانت الخطى لحبات المطر”. لابد أن تأتي ببراءتها المشرقة، “ستأتي… تضيء ليله وتشرق كالأطفال”. بزغ الصباح وهو مازال ينتظر في شرفة الليل، “طلع الصباح ولم يغادر بعد شرفة الليل”.

في هذا المقطع مينيقصة قائمة بذاتها، شخصيتها الرئيسية الأولى هي ما يومئ إليه الضمير المذكر الغائب، شهريار، وشخصية ثانية منتظرة يشير إليها الضمير المؤنث الغائب، شهرزاد، تؤشر على تحديد الشخصيتين، الليل، لأن حكايات شهرزاد، في ألف ليلة وليلة، كانت تحكيها لشهريار ليلا. ويوجد المكان المجازي، شرفة الليل، والمكان الموحش في القلب. والزمن هو امتداد الوقت من بداية الليل إلى انصرامه النهائي. والحدث هو انتظار مجيئها، والنهاية هي عدم تحقق الحدث المنتظر، بينما الموضوع هو نفسه الحلم، شهريار يحلم بلقاء شهرزاد التي ملأت قلبه. والمحيط العام ربما يؤثثه فصل الربيع خلال فضاء رياض القصر، بحفيف الشجر وحبات المطر. والمينيقصة تتطور زمنيا، خلال كل الليل وسيكولوجيا، بتنامي توتر الشخصية الحاضرة، وبتنامي السرد من البداية إلى النهاية، والسارد هنا يعرف كل شيء، يتحدث عن الشخصية ومن داخلها وعن محيطها.

هي مينيقصة تقع بين السرد بزمنه وفضائه وشخصياته وأحداثه وتناميه. والأسلوب السردي يبدو بسيطا، غير أن لغته تخلت عن معانيها المعجمية واتخذت لنفسها دلالة جديدة، لابد للقارئ أن يؤولها ويكشف تموجاتها وتعدديتها… وفي هذا المستوى تقترب أيضا من اللغة الشاعرية، وبهذه الشاعرية تتميز بالتكثيف والاقتصاد وتتخلص من الزوائد إلا الضروري منها.. لذلك تقع في عمق قصيدة النثر بتوظيف الرموز “يقف على شرفة الليل”، والمجازات، “كانت الخطى لحفيف الشجر” أو “لحبات المطر”، و”تضيء ليله…”، والتشبيهات، “تشرق كالأطفال”. ثم الإيقاع الشعري بتكرار ستأتي خمس مرات في بداية جل الجمل، وكأننا أمام روي مقلوب يوجد في بداية السطر عوض نهايته، والروي الطبيعي ثابت أيضا، بتكرار اللام المكسورة في نهاية السطر الأول ونهاية السطر الثالث، وتكرار ضمير “هي” بين السطر الرابع ونهاية السطر السابع، وتكرار روي الراء في “الشجر” بين نهاية السطر الخامس ونهاية السطر الثامن، في “المطر”، وتكرار روي اللام في السطرين الأخيرين، في “كالأطفال” ثم “شرفة الليل”، إيقاع شعري خارجي يوازيه إيقاع داخلي بتكرار الأصوات وتشابه إيقاعاته، فضلا عن الإيقاع الدلالي المتواتر منطويا على قلق متنامي أيضا وتوتر نفسي حاد. في هذا المقطع نجد  أنفسنا أمام قصيدة نثر سردية أو قصة سردية شعرية…

والمينيقصة في جوهرها، هي صورة للحالة الحقيقية لملك جبار مثل شهريار، إنه متعطش لحضور شهرزاد، ليس لأنها امرأة جميلة ومقتدرة، ولكن أيضا لأنها مفعمة بالحكي، الذي يبث الحيوية وينعش. هكذا يبدو شهريار في هذا المقطع، خارج إطاره العام وبعيدا عن جلاله وقوته وسلطته وقسوته، يبدو الآن، وقد غابت عنه شهرزاد وحكاياتها، وديعا بل وضعيفا، فينتظرها على أحر من الجمر.

وفي المقطع التالي (7)، تحضر شهرزاد إلى جانب شهريار، “الآن شهرزاد تعري جسد الحكاية” أمام شهريار الحاضر أيضا. ومن هذا الجسد “يتدلى المعنى شهيا”، يثير شهية وشهوة شهريار، “شهريار يتمنى لو يدفع الصباح بكلتا يديه”، يتمنى أن يمتد الليل ولا يكون له صباح، يتمنى أن يبعد هذا الصباح “حتى لا يجعله يطأ فناء القصر”. يبدو من هذا المقطع أن شهرزاد بدأت تحكي أجمل الحكايات وألذها وأشهاها، غنية بالمعاني الشهية، أسرت بجمالها وغناها كيان شهريار، يتمنى أن يلتهم الحكي المسموع دون أن تكون له نهاية. حكي ممتع ليس أقل لذة من تمتع شهريار بجسد بامرأة جميلة، وإلا لماذا تم ربط الجسد بالحكاية، ونحن نعيش روعة الحكاية ومتعتها وما تنطوي عليه من حلم؟

في هذا المينينص ثلاثة فاعلين، شهرزاد، شهريار وبينهما جسد الحكاية، وعوض ان تقوم شهرزاد بالحكي فقط فضل السارد تعبير “تعري جسد الحكاية”، لتعميق الإثارة، إثارة الخيال وإثارة النفس وإثارة مكامن الشهوة. لأن تدلي المعنى شهيا من ذلك الجسد لابد أن يكون عنقودا حاملا لكافة تلك المتع. لم تعد شهرزاد مجرد راوية للحكاية فقط، إنها مالكة لسلطة مطلقة أداتها الحكي، سلطة مطلقة أضحى شهريار الجبار أمامها ضعيفا، لا يملك القدرة لا على جعل الليل يطول ولا على إرغام شهرزاد على أن يستمر حكيها خلال النهار. أربعة جمل في هذا المينينص، حولت السلطة من يد الملك إلى يد الحاكية، جعلت الحاكية جبارة والملك أشبه بالطفل الوديع يتلمظ بأذنيه عسل الحكي. ويبدو في لاوعي شهريار موقفه من الصباح، يريد أن يبقى الليل بلا صباح، فالصباح يخيفه لأنه يحرمه من تلذذ الحكي ويفرض عليه أشياء أخرى ربما سنعرفها فيما بعد، خاصة وأن الصباح مثل الحكاية ينطوي هو أيضا على الحلم…

* ـ جزء من قراءة مطولة حول هذا النوع من الإبداع.

14ـ  طبعة دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر، الربا\ن 2012؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق