الموقع

احذروا لهيب الحناجر

مصطفى محمد أبو السعود*

أخيراً خرجت الجماهيرُ العربية من ملجئها وكسرت جدار التردد ، وامتلكت الجرأة لتقول رأيها في أداء الأنظمة وتطالب بإزالتها ، بعد التأكد بشكلٍ لا ريب فيه أن الأنظمةَ لم تقدم شيئاً يستحق الرضا ، بل إنها استنسخت أسلوباً واحداً في التعامل مع الشعوب، فعلى الصعيد السياسي لم تحترم الأنظمة حريات الشعوب ، بل كانت الرغبة في البقاء على الكراسي هي هاجس الحكام ،مما أدى الى تغييب الكثير من الآراء، وتخيير أصحابها بين السجون و المنافي والمقابر، واقتصادياً فقد اخترقت سهامُ الطمع خيراتَ البلاد، وأنتجت فقراء لا حصر لهم، رغم امتلاء بطن الأرض بالخيرات إلا أن بطن المواطن لا زال خاوياً، ليلعب الرغيف دور البطولة في معركة البقاء ويُصبح مُحركاً أساسياً لأغلب شرائح المجتمع… ثقافياً استباحت  رياح التغريب أعلام ومعالم ثقافتنا الأصيلة  دون حراكٍ فعالٍ من راعي التراث، وعسكريا فقد استراحت الأسلحة في المخازن تنتظر الصدأ ، رغم وجود خيول إسرائيل في قلب القدس، أما العدالة فقد  أخضع أصحابُ النفوذ الدستورَ لعملياتٍ قيصرية في مستشفيات الداخلية  كي يلد  لهم ما شاءوا من قوانينٍ مليئة بكل شئٍ إلا العدالة ، وفي أحسن أحوالها تُنجبُ عدالة عرجاء.

كل هذا جعل من الصورة الحقيقة لطبيعة المنطقة العربية غير عصية على الوصف، بل إن المتأملَ في الوضع الحالي للوطن العربي يُدرك أن اللحظةَ التي تعيشها العلاقة بين الأنظمة والشعوب في المنطقة العربية،هي من أشد اللحظات التي تستدعي الوقوفَ بصدقٍ عند بوابة التفاصيل لإيضاح المشهد بشكلٍ جلي، لأن تلك العلاقة حُكم عليها أن  تكون علاقة بين قاهرٍ، يُنفذ ما يُريد، و مقهورٍ، لا يُريدُ ما يُنَفذُ، فالأنظمة العربية التي تنافست في إنتاج الظلم، وتسابقت على احتكاره، وتعاونت مع كل الشياطين من أجل إحكام قبضتها على رقاب الإنس طيلة العقود الماضية ، أضحت الآن تبحث عن مخرجٍ مُشرفٍ ومناسبٍ و بأقلِ الخسائر.

أما الجماهير التي ذاقت مرارة  القهر، وصلت الى مرحلة النضج ، وشعرت بقدرتها على إحداث تغييرٍ ايجابيٍ عميقٍ، وإزالة أعمدة الظلم من ميادين البلاد، بعد عُمرٍ طويلٍ من السكون، استمعت فيه لشعارات الأنظمة الجافة التي ما أنجبت في واقع الأمر إلا المزيد من المرارة، وأنتجت ظلماً لا مثيل له، فقررت الخروج للشارع لتلعب دور المُشرع، وتستنسخ نفس نماذج ردات الفعل تجاه الأنظمة ، فأشعلت فتيل الغضب في شرايين الفساد ،ليبارك بعضها لبعض بالزوال المُبارك للأنظمة التي تناست أن حرارةَ الغضب التي اعتلت  جباه الجماهير، لم تكن لترتفع لولا ارتفاع نسبة الدسم في أشجار القهر و الظلم التي غُرست في رحم آمال الشعوب و قلوبها.

لذا على الأنظمة العربية أن تُدركَ أن الخروجَ من المأزقِ الذي تعيشه في صراعهِا ما بين شروط بقائها ، ومتطلبات رضا الشعب عنها ،لا يقف عند حدود تطور علاقات الأنظمة بأمريكا والغرب، بل بمدى قدرة الأنظمة على تلبية طموحات الشعوب في تحقيق تقدمٍ ملحوظ بكافة النواحي ، وأن تراجعَ حساباتها، وأول شئ تفعله ،هو التنازل عن كراسيها طواعيةً ، قبل أن تأتي أمواج الغضب ، فحينها لن تنفع الخطابات والشعارات حتى لو وزنت بالذهب، وليعلم الجميع أن ما قامت به الجماهير ،هو حصادٌ طبيعيٌ  ومنتظرٌ لما زرعه النظام.

*كاتب من فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق