ثقافة المقال

في ملامح الشعر الفلسطيني وأسئلته الخاصة

اليوم العالمي للشعر

د.وليد بوعديلة*

 عندما يحتفل العالم باليوم العلمي للشعر (21 مارس) على كل هذا العالم أن يلتفت للشعر الفلسطيني ليسمع صوته ويتتبع أخباره، لأنه صوت ينقل الكثير من مشاعر وأفكار الإنسان الفلسطيني الذي يعاني الاحتلال الصهيوني الغاشم ، ويمتلك الكثير من الخصوصيات التي تميزه عن غيره في الخارطة العربية و العالمية.

و يعد الشعر الفلسطيني أحد الحلقات المهمة في السلسلة الشعرية العربية، فله إضافاته وإسهاماته على مستوى الشكل والمعنى، ويكفي أن نذكر أسماء عز الدين المناصرة، محمود درويش، سميح القاسم، وفدوى طوقان… وغيرهم، ليتأكد لنا هذا الأفق الشعري.

وللشاعر الدكتور عز الدين المناصرة ما يقوله عن الشعر الفلسطيني، ليس باعتباره شاعرا فلسطينيا فحسب، ولكن باعتباره ناقداً ثقافياً ومفكراً أكاديمياً، يعرف مداخل الشعر ويعرف التجارب الشعرية، باختلاف تقنياتها وموضوعاتها، وباختلاف مرجعياتها ومواقفها، فكيف ينظر المناصرة إلى هذا الشعر؟ وكيف يقرأه ؟

الشعر وصوت القضية

يتوقف عز الدين المناصرة عند تعانق السياسي بالجمالي في الشعر الفلسطيني و يعترف في كتابه”شاعرية التاريخ والأمكنة” بوجود الجيد والرديء فيه)كما يعلن رفضه للنقد القائم على المدح، باعتباره نقدا ينطلق من الاهتمام والتجاوب مع القضية الفلسطينية.

ومن أبرز ومواقفه من الشعر الفلسطيني الموقف الذي يرفض فيه أن يفصل بين الشعر الفلسطيني المكتوب في الوطن، ومثيله المكتوب في المنفى، نجد هذا الموقف في قوله: (أنا ضد الفصل بين الشعراء الفلسطينيين وبين الداخل والخارج، هم يحلمون بعودتنا ويناضلون في سبيل ذلك،ونحن نحلم بلقياهم ونناضل في سبيل ذلك، وفلسطين هي الأم التي تجمعنا، حيث نلاحظ أن معظم المواضيع الشعرية مشتركة بين شعراء المنفى والداخل، رغم اختلاف قوة هذا الشاعر أو ذاك، في التعبير عن هذه القضية أو تلك ، كلنا نقاوم غيلان المنفى ونزحف باتجاه أن نعود… أما من حيث الشكل، فإن شعراء المنفى ترتفع تجربتهم الفنية لاتصالهم بتجارب فنية كثيرة ربما أكثر من شعراء الداخل)…

 ونجد من خلال هذا التصريح أن الشعر الفلسطيني واحد متعدد، إنه واحد في تمحوره حول هذه الأم –الأرض- فلسطين، ومتعدد من حيث انفتاح وتفجر الأشكال التعبيرية في الخارج، انفتاحها على التجارب المختلفة، وتفجرها في مستويات الأداء الموسيقي، الأسلوبي، التصويري،… فالشكل الشعري في الداخل يظل أقرب إلى النمط الشعري التقليدي، لكن – وفي ظل هذا الموقف – الشاعر يحرص على الدراسة المنفردة لكل شاعر فلسطيني، انطلاقا من الاعتراف بوجود الاختلاف والتميز بين الشعراء، ومن ثمة بين الكتابات الشعرية، لأن التعميم هنا، هو أمر خاطئ، سواء تعلق بخصائص الفن والرؤية لشعراء المنفى أو لشعراء الوطن. ويقول المناصرة: (الإنسان عموما لا يثق إلا بالطفولة لأنها ترتبط بالمكان الأول، لأنه المكان الوحيد الموثوق، وقد لا يكون في الواقع موثوقا، بل قد يكون قاسيا في الواقع… إننا نبكي في المنفى عندما نستمع لأغنية كنا نسمعها في طفولتنا، ولولا الخيال لمات المنفيون قهرا… مسقط الرأس يبقى قابلا دائما للبقاء كنواة مركزية نرحل عنها بعيدا ثم نتمحور حولها)، فيتحول المكان من هندسته وماديته إلى رمزيته وروحيته، وتكون (الخليل) ذلك المكان الرحمي (من رحم الأم) والعاطفي، الذي تحتضن المناصرة، رغم البعد الجغرافي والزمني عنه: إنه يظل في كل اللّحظات وفي كل المساحات الخيالية، ويتحول إلى (نواة خفية) ليتواصل معها المناصرة عبر سحر الخيال لتأتي القصيدة كاشفة البوح والنبض.

في تيارات الشعر الفلسطيني

وإلى جانب تلك الرؤى، فالمناصرة يرى بأن الشعر الفلسطيني، فَقَدَ توهّجه وانحصر في أفراد محدودين، بعد أن كان حركة شعرية جماعية.  ويعتبر الشعر الفلسطيني بنماذجه العليا الآن أمام مفترق طرق مثله مثل الشعر في البلدان العربية، وها هي الحلول تتوالى، تيار يرى العودة إلى الغنائية، تيار يرى الاستفادة من تجربة مجلة (شعر)، تيار يرى ضرورة المزج بين النثر والإيقاع العالي، تيار يرى ضرورة العودة إلى الأصول.

 مأساة الشعر الفلسطيني أنه أصبح مقتصرًا على عدد من الشعراء وليس على حركة شعرية، كما كان منذ عام 1967). ويرجع المناصرة ذلك إلى عوامل يتداخل فيها الإعلام مع السياسة، والهوية الفلسطينية مع الهوية العربية، لكن الملاحظة الهامة مع هذا السياق، هو التمييز الغني الذي يُؤكِّد عليه المناصرة بين الشعراء الفلسطينيين، فجمالياتهم متنوعة مختلفة، وكذلك شأن حداثتهم، فلا توجد حداثة واحدة، كما لا يوجد التكرار والتشابه في تجربة الكتابة الشعرية.

ولأن الشاعر والناقد المناصرة ابن الأرض الفلسطينية، فهو لا يبتعد بالشعر عن فضاءات الالتزام وعناق القضية الوطنية، إنّ المناصرة من المثقفين المناضلين، المؤمنين بالأدب الملتزم والمتبني للإديولوجيا، يقول: (الشاعر لا يمكن أن يعيش في برج عاجي دون أن يمارس حياة الناس اليومية، ولكن لا يكفي الإخلاص والوطنية المجانية التي يتبناها أي إنسان عادي، لأني من المؤمنين ان الجماهير العربية لا يمكن إلاّ أن تكره الاستعمار، ومن ثمة فالتركيز على أنّ الاستعمار هو عدونا أمرعادي جدًا…). ولعل توارد مصطلحات: شعر المقاومة، شعر الانتفاضة، شعر النضال… في المعجم النقدي العربي الدارس للشعر الفلسطيني، دليل على حضور روح الالتزام بالقضية والتفاعل الشعري مع الألم والأمل الفلسطيني، لكن الوقوف عند مسألة الالتزام وموقف المناصرة منها يرحل بالباحث إلى مسألة أخرى ذات اهمية، هي مسألة النضالي والجمالي في المدونة الشعرية الفلسطينية، كيف ينظر إليها المناصرة؟ كيف يقرأها ويحاورها؟

الشعر بين المرأة والنضال الوطني

ينطلق الناقد المناصرة في  البحث المعرفي في  مسالة الإبداع والنضال من قوله: (القصيدة في زمن الحرب ينبغي أن تكون وسيلة تحريض جماهيري، دون أن تفقد جَماليتها حتى في زمن تتدفق العواطف فيه، وكانت الكلمة الشعرية دائمًا ملتصقة بالبندقية، بل سبقتها في حمل السلاح، ولولا الاقتناع الفكري لما حمل فدائيٌّ بندقيته) ، هذه وقفة أمام القصيدة الحرب، بعيدًا عن أجواء القصائد الغزلية الراحلة في عوالم السحر الأنثوي أو العواطف الملتهبة للمرأة وفي المرأة، كما أنها وقفة عند ثنائية النضال والجمال في الكتابة الشعرية، لكن المناصرة يُقدم تأثير الكلمة على تأثير الرصاصة، فالأولى هي الجسر المؤدي إلى الثانية مع الحرص على الخصوصية الجمالية والتميُّز اللغوي في تقنيات الإبداع الشعري، وهو ما يقف عنده كثيرًا في محور معرفي كبير يدور حول (النار والبلاغة) أو (شعرية النار والبلاغة).

فالمناصرة يبحث عن مدار شعري مختلف ومغاير، وهو مدار الحوار الجمالي، والدلالي، بعيدًا عن مدار غلبة الوعظ والمنطق على الرمز والفن، وكأنّه يريد للنقد العربي أن يقرأ الشعر الفلسطيني بعيون الإبداع لا بعيون السياسة، ومن منطلق روح الشعر لا من منطلق الحماسة العاطفية القومية،إنّه- بموقفه هذا- يضع التجربة الشعرية الفلسطينية في أفقها الشعري المناسب والناجح، كي تحقق نضجها وتفوّقها، وكي تجمع –بإبداع ومعرفة- يين جلال الموقف والقضية وجمال اللغة والتصوير.

ومن الأسئلة التي توقف عندها المناصرة في رحلة إعلانه موقفه من جملة القضايا الإبداعية والقيمية حول الشعر الفلسطيني، سؤال حضور أو غياب شعر الحب داخل المدونة الشعرية الفلسطينية، ومن هنا ننقل تصريحه: (قضية (الحب) في الشعر الفلسطيني لا تشاهدها معزولة عن الأرض، المرأة ليست هدفًا بحدّ ذاتها، بل وسيلة للالتصاق والتوحيد، بين المرأة والأرض، وتختلط في الشعر الفلسطيني: المرأة الأم- المرأة الحبيبة- الأرض، كلها في حالة توحّد مادي وروحي… هذا هو شعر الحب الفلسطيني يظل يقاوم).

تتفاعل -هكذا- الخصوصّية الوطنية بكل تفاعلاتها الثورية وإشاراتها القيمية والثقافية مع العالمية، وإذا ربطنا الحضور الشعري للمرأة والأرض بما سبق التطرق إليه من ضرورة الحضور (الجمالي) إلى جانب (النضالي) في الشعر، فإن التجليّ الذي تأخذه المرأة وموضوع الحب هو – حسب المناصرة- (الشاعري) و(الناضج) وليس (الآلي) و(الساذج) (بالمفهوم الفني)، لأن المناصرة يبحث عن تفاعل رمزي للمرأة مع الأرض، هو تفاعل الإضافة والتميّز، لا التفاعل السطحي المباشر الذي يجري فيه الشاعر خلف تقليد إبداعي سار عليه شعراء قبله…

 

د-وليد بوعديلة-جامعة سكيكدة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “في ملامح الشعر الفلسطيني وأسئلته الخاصة”

  1. مقاله جيده جدا ، اشكر الدكتور وليد والمجله على ابداعها ونشرها

    مع تحياتي

    اسامه محمد زامل

    شاعر فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق