ثقافة السرد

الغميضة

صالح جبار خلفاوي

حاجة يقضيها .. ربما يصيب هدفه .. ربما لا .. فكر بطريقة مختلفة هذه المرة .. ابتعد عن الطريق المؤدي الى البستان .. مضى باتجاه مغاير ..

العام الفائت لاحظ ما اربك حساباته .. صارت الامور تسير وفق نظام مرتبك .. هكذا تخيل الامر حين اكتشف خيانة زوجة جارهم مع بائع الخضر الذي تقع بسطته عند نهاية الزقاق .. رأه يتردد بانتظام بغياب الزوج المخدوع ..

تعلم من صغره ( أنما الاعمال بالنيات ) .. هذا النقش هو من يحدد بوصلة تفكيره .. لكن النزق أحيانا يركب موجة رأسه الاهوج .. ما ينقص جارهم لتخونه زوجته .. ؟

فكر بمرارة ..صحيح انها جميلة وانوثتها طاغية ..مشيتها تثير الغرائز .. وجهها الصبوح يلفت النظر .. لكن ما في النفس لايظهر بسهولة الا في حالات الفرح او الحزن وربما عند الغضب تتجلى الدواخل ..

تمنى لو انها عشيقته بدلا من بائع الخضر ذو البشرة الداكنة والفم الكبير .. الذي يحوي اسنانا صفرا يفوح منها النخر ..

الصباح يأتي كعادته مشرقا وحرارة ترتفع تدريجيا لتكون السخونة عند الظهيرة لا تطاق الابعد حمام بارد مع اناء كبير من اللبن البارد .. وقفت خلف ضلفة الباب تراقب الطريق .. رصدها من بعيد ..

بقي متربصا لهما .. أندفع البائع بسرعة نحو الزقاق الخالي .. فيما ابقت باب دارهم مفتوحا على مصراعيه .. عند الخطوة الاخيرة ظهر لهم بهيئته المتماسكة .. حاول الشاب ان يتراجع لكنها سحبته من يده اليسرى نحو الداخل واغلقت الباب بقوة ..

السماء لاتمطر في الصيف .. لكن الغيوم المتفرقة أوحت له بالكثير .. الشوارع المزدحمة .. المحلات الغارقة بالظل .. تشعره برغبة مجنونة ..

لماذا لا يندفع هو الاخر ويأخذ رغبته منها .. تحسس أسفل بطنه .. تراوده صور شتى .. عند العصر شاهد الزوج راجعا من عمله .. يبدو منهكا ..

اعتصره الالم متحدثا مع نفسه :

مسكين لايعرف حقيقة ما يجري .. انه يتعب نفسه لاجلها .. هي تمارس الخيانة .. عاد ليقلب الامر بطريقة اخرى .. قد يكون على معرفة بذلك .. !

تختلط عليه خطوط تفكيره .. فيما تبقى سذاجته تغريه في الحصول عليها ولو لمرة واحدة فقط .. المقهى يضج بجلاسه .. اصوات ضرب قطع الدومينو على المناضد لها وقع خاص مع صراخ اللاعبين ..

لم يستهوه البقاء .. شيء ما يلح في ذاكرته .. يراها تمشي مع زوجها بوقار مصطنع .. اشاحت طرفها عنه .. فيما القى التحية على الزوج ..

ساعات طوال تمر .. الفضول الذي صار ديدنه .. يحرك داخله علامات استفهام لاحصر لها .. اخرج كرسيا بلاستيكي ووضعه امام الدار راح يرصد حركة الجيران .. تبقى مسبحته تدور في فلك اصابعه الخشنة ..

الاطفال المتصارخون في الزقاق المغلق من نهايته .. يركضون وراء كرتهم ليرفسوها .. عسى احدهم يسجل هدفا في المرمى .. يظل يتابعهم لكن نظراته تتلصص بابا واحدا لا غيره اشعل داخله ازمة طاحنة مازالت تسري فيه كلوثة ..

جارهم الذي كان يراقب طيوره من السطح . يطلق صفيرا عاليا ويحرك قصبة لمنع الطيور من الرجوع الى قنها ..دائما الهيئة من يحدد السلوك .. ثوبه الحائل اللون تلطخه بقع سوداء .. لذا انكشفت له عوالم سفلية لايبارحها .. ادمن بعدها الجلوس في الزقاق .. يتابع الجميع .. بينما زوجة ابنه تمارس خلفه لعبة الغميضة مع اكثر من شاب يستعرض فحولته الغبية ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق