قراءات ودراسات

قراءة تحليلية لنص “صبا الأشواق” للشاعر زكريا الغندري

بقلم: إبراهيم القيسي*

صَبَا الأشْوَاقْ

ذنبِي الوحيدُ بأنَّنِي أهوَاكَا
وبأنَّنِي لا لا أريدُ سوَاكَا

يا مَنْ
تعمَّدتَ الغيابَ مباعداً
ألقيتَ عمداً
في الحشَا الأشوَاكَا

خذنِي إليكَ معزَّزاً ومكرَّماَ
إن كنتَ ترجُو أنْ أظلَّ أرَاكَا

دعنِي أفرُّ
مِنَ العذابِ بوحدتِي
وأنَا وحيدٌ كم أريدُ لقَاكَا

دعنِي أسافرُ
منكَ نحوكَ معلناً
حبّاً جميلاً في رفَا يُمنَاكَا

أنا مَنْ عشقتُك
مخلصاًً من خافقِي
روحِي أبتْ
من وجنتَيكَ فِكاكَا

أنَا مَن منحتُكَ
عرشَ قلبِي مُعلناً
للعالَمِينَ وماوجدتُ مُناكَا

أنا إن غفوتُ
أراكَ يا حلمِي الذي
أرجوهُ هلْ
أصبحتُ منكَ رَجاكَا ؟

أنا إن رأيتُكَ
شعَّ وجهُكَ في دمِي
وتهيمُ روحِي
في هوَى نجوَاكَا

أنا إنْ رأيتُكَ
أقسمَ القلبُ الهوَى
أنْ لا يحبَّ من الورَى إلاكَا

أنا يا حبيبِي
لم أكنْ يوماً سُوَى
نجمٍ يتوقُ إلى لِقاءِ سَماكَا

أنا يا حبيبِي مدركٌ دوماً بأنْ
أحظَى سعيداً بارتشافِ لَماكَا

أنا مِنْ أنَا حتَّى أقولَ أنَا أنَا
أنَا أنتَ أنتَ أنَا … ومَنْ أغرَاكَا؟

وحدِي أُمرِّغُ
في الهوَا قيثارتِي
و أفوحُ شوقاً قد أبَى ينساكَا

وحدي أُمضْمِضُ
بسمتِي لا أستحِي
بإطالةِ النَّظراتِ حينَ أراكَا

وحدِي أراكَ
وأنتَ منِّي تمتطِي
شغفِي الذي لا يستحقُّ جفاكَا

بلْ أنتَ موطنُ
موطنِي الغالِي الذيْ
أجدُ الفؤادَ مُغرِّداً بِرُباكَا

زكريا الغندري

الشاعر الغندري يتضوأ منذ البداية مع رفات الحنين يدور الأشواق نسمات باردة تهب مع ريح الشمال تنعش الروح بنفحات سكرى تؤجج الجوانح بثنائية مطردة تتمحور مع اللفحات والنفحات .
يبدو النص رحيقا مذابا من ثجات الزهر الخضلة صار شهدا خالصا بجهد الشاعر يطير كالنحلة بين الحقول بخفة اللفظ ورشاقة الجملة وأناقة التنسيق مازال يجمع العسل من حقول شتى يمزج بين العطر والحلاوة حيث وظف ثنائية الشم والذوق في إطار النص بازدواجية تضخم الحب بثنائية البوح والضنى .

هرق في نصه مزنا كثيرة تعمل على مبدأ التطهير وما تلك المزن إلا غوادي الأشواق تهل بغيث الجوانح فتنتظم القوافي من حقول مونقة تكتسي بالعواطف الغدقة وترقص بإيقاع الجمال كجوقات متجددة تردد أغاني الحب بمزيج من الضنى العاني والتودد الحبيب .

يخطو الشاعر مع عنفوان الحب وفورة الشباب يجسد أحلامه أسرابا من هزارات الشعر تحلق في فضاء النص بأغاريد ساحرة تبث لوعة القلب ولأواء الجوانح مازال يردد وتره العاني من خلال ثجات روحه فيبث الشكوى والألم من خلال انصهار الأعماق في خطاب الحبيب بعتابات حائرة تؤجج الألم وتهاصر الأشواق .

حينما نقف مع عنوان النص

” صَبَا الأشْوَاقْ “

تخطر ببالنا تلك اللحظات الزمنية في صباح الحب وهي تهب بالنسائم الباردة تهز العشاق بثجات وارفة تملأ أنفاسهم باسترواح أسطوري لأنفاس الحبيب فينتعشون بعطر خالد يعمل على التقارب الروحي بتخاطر القلوب في تلباثي مرن يسمح بالالتقاء الروحي في فترة الصباحات الوارفة .

فعنوان النص يرحل بنا نحو الماضي والحاضر يربط بين مساحات شاسعة وأزمنة فارقة يجسد المواقف ويعدد الثراء الأدبي يقارب بين تناص التاريخ والواقع الحاضر من خلال التوازي الفلسفي والتناظر المعرفي في ثجات العواطف وصهباء الحروف .
فالعنوان يؤنق حب الشاعر يتسامى به نحو أفق مرهف يشف عن عذرية الحب وصفاء الخاطر يبث من خلاله تناص تاريخي يقرب التماثل الموضوعي بين بوح الشاعر وعراقة حب البادية من خلال الحضور والإرهاف والتأرج والتسامي .

مازال هناك فيض من الأشواق يتفوق في رحلة الزمن يعبر هالات النفس بترددات موجية تحمل الأحلام الخضراء في صور ساحرة تهز الأشواق بجوقات مرنة توقع الحب في فضاء مفتوح كلما اهتز وتر انتظم النص بثجات وارفة تمطر الصبابات في محيط الحب الحالم .

ذنبِي الوحيدُ بأنَّنِي أهوَاكَا
وبأنَّنِي لا لا أريدُ سوَاكَا

يا مَنْ
تعمَّدتَ الغيابَ مباعداً
ألقيتَ عمداً
في الحشَا الأشوَاكَا

خذنِي إليكَ معزَّزاً ومكرَّماَ
إن كنتَ ترجُو أنْ أظلَّ أرَاكَا

صاغ الشاعر نصه على تفاعيل بحر الكامل “متفاعلن” حيث جاءت الموسيقى متوائمة مع عذوبة الألفاظ وسلاسة التركيب وخفة النطق يتعامد الإيقاع فيها مع ألف الإطلاق … حيث تحتضن قافية الكاف المنصوبة الروي المطلق … كل تلك العوامل رفدت النص بإيقاعات وارفة عزفت غنائية النص بأحلام المحب صبت إيقاعاتها الهاضبة في أذن المتلقي حيث راح الصدى المتردد يعزف أوتار الحروف بعواطف كثيفة تهطل نبضات الحب وتجسد الشكوى وتبث الألم وتسكب الصبابة الوالهة حيث ظل وعي الشاعر يهاصر اللوعة في حقل النص يدق حس المتلقي بجوقات عازفة تيقظ الشعور وتصب الامتاع والدهشة .

يطل الشاعر من خلال مقدمة النص حزينا يطوقه الحب بقبضة ثابتة تولد الضنى وتهرق الصبابة تنتابه لوثة من جنون الهوى حيث يبث العتاب والشكوى من خلال الخطاب العاني المحمل بالزفرات والشهقات .
حيث يستهل النص بجملة اسمية مسوغة بابتداء نكرة تتضايف مع ياء المتلكم المعبرة عن الذات الشاعرة وبالوصف الشاهد .

” ذنبِي الوحيدُ ” .

ثم يأتي الخبر من المصدر المؤول من أن واسمها وخبرها المجرور بحرف الجر الزائد الباء .

” بأنَّنِي أهوَاكَا ” .

فاستخدام الشاعر لاستهلال يحتوي على ثنائية الابتداء المسوغ والخبر المؤول يدل على تعقيدات سيكلوجية في باطن الشاعر يرفض التصريح بها ولذا عمد في أسلوب الخطاب إلى تذكير المحبوب بدلا من تأنيثه وهذه العلامات تتكئ على أسلوب التجريد حيث يعمد الشاعر إلى خطاب لغوي يعدل فيه عن ضمير المخاطبة إلى المخاطب لشيء ما يفرض إشكالية تتعلق بانطواء معنوي يتعامد مع سر مكنون يختفي من وراء الحروف يتعلق بحب الشاعر وأبعاده النفسية .

حيث يزيد الإبهام تعقيدا عندما ينادي الشاعر محبوبه بالاسم الموصول المشترك .

” يا مَنْ تعمَّدتَ الغيابَ مباعداً “

حيث يزيد سر الشاعر بروزا وتتضخم علامات الاستفهام الكبيرة عن انطوائية الشاعر وخجله عن تجسيد هذا الحب والإعلان عنه بصراحة بعيدا عن الكنايات والاختفاء من خلف الحروف .

فالنداء في النص يدل على الحسرة والألم يضاعف من صبابة الشاعر وتكتمه على هذا الحب حتى زاد الضغط من خلال الأشواك والوخزات العاملة في حنايا الضلوع فبدأ يبث الشكوى ويعلن عن العتاب .

” ألقيتَ عمداً
في الحشَا الأشوَاكَا “

فكلمة “عمداً ” تجسد البعد الاستراتيجي للعلاقة العاطفية فالشاعر يصور الحدث من خلال الصراع النفسي ملقيا ظلال الدلالات من خلال تجسيد الإشارات والإيحاءات التي تلقي بها أساليب اللغة في سطح النص حيث ظل الشاعر يقارب الدلالة على ضوء ما يعتمل في مشاعره من صراع الألم والحسرات والتي عبر عنها بالأشواك وهي صورة كنائية تجسد فظاعة ألم الذات نتيجة الحب المختزن في ثنايا الشعور بعيدا عن لمسات الحبيب وترياق كلماته وعطر أنفاسه الوارفة .

دعنِي أفرُّ
مِنَ العذابِ بوحدتِي
وأنَا وحيدٌ كم أريدُ لقَاكَا

دعنِي أسافرُ
منكَ نحوكَ معلناً
حبّاً جميلاً في رفَا يُمنَاكَا

في البيتين الآنفين يقف الشاعر يسكب كؤوس الضراعة بين يدي الحبيب مستخدما الأسلوب الطلبي المتجسد في فعل الأمر “دعني” حيث يكرر الشاعر الفعل مرتين بدلالة تؤكد الضراعة بين يدي الحبيب بتذلل واستعطاف الأمر الذي يجسد مدى تمكن الحب من قلب الشاعر .

مازال جو الوحدة يخيم على الشاعر بأبعاده المأساوية يضخم حال الانفراد الكئيب الذي يضاعف من عذابه ووحشته حيث تتجسد الذات الشاعرة بضمائرها ما بين الفاعلية والتضايف والبروز والاستتار وتزيد كم الخبرية من تضخيم الصبابة وازدحام الأشواق فالحبيب هو من يمسك بزمام المبادرة وهو من يمتلك فتح الباب للشاعر ليفر من العذاب والوحدة ويسافر من الحبيب إلى الحبيب ليعلن أفراح الحب وكرنفال الصباحات الجميلة .

فالشاعر يفلسف الرؤى في إطار الأشواق ويعمق الفكرة في مسافة البداهة حيث يرتد من ركن إلى ركن ومن روحة إلى غدوة تنبعث أفكاره من أبعاد روحية اختمرت فيها المعاناة في فلك شجين واحترقت الأشواق في لوعة الانتظار مازال يردد لفافات حروفه جوقات حزينة تطوقها الآلام والحسرات .

أنا مَنْ عشقتُك
مخلصاًً من خافقِي
روحِي أبتْ
من وجنتَيكَ فِكاكَا

أنَا مَن منحتُكَ
عرشَ قلبِي مُعلناً
للعالَمِينَ وماوجدتُ مُناكَا

يصل الشاعر إلى قلب القصيدة معلنا طوارئ الذات في صورة بث استقرائي يلخص من خلاله استغراق علاقة الذات بمشاعرها وهيامها وأشواقها بالمحبوب من خلال المد الروحي واندفاع العواطف .

إنه العشق والإخلاص يتراكم في أفق الحب ينتظر الإشارة من الحبيب للهطول بانسياح وتدفق :

أنا مَنْ عشقتُك مخلصاً

حيث تكاتفت الجملة الاسمية مع الحال في ثنائية تعبر عن الذات الشاعرة وسلوكها تجاه الحبيب حيث تجتمع في الجملة عوامل الثبات والاستمرار والقيد الدال على إضافة الهيئة وسياق التعبير في منحى الخطاب الابتدائي المساق في إطار المخاطب خالي الذهن إضافة لزوائد الجملة في قيدها التأكيدي :

“من خافقِي”

حيث جاءت شبه الجملة الآنفة تحدد بؤرة انطلاق شرارة الحب وتحدد “الدينامو” المولد لطاقة الحب بظرفية الحنايا الضانية
فالطاقة ” الكهرومغناطسية ” من جهة الشاعر كثفت من تجاذبها التثاقلي في مجال الحب حيث تتجه نحو الحبيب بانطلاقة متسارعة يحدوها العشق والإخلاص .

بينما الشاعر يسوق سحبه في سماء الحبيب ينتظر الإذن بالهطول في حدائقه الغناء إذ يفاجأ بالتجاهل من حبيبه فيعلن ثورة الاستنكار من خلال الجملة الاسمية :

أنَا مَن منحتُكَ عرشَ قلبِي

حيث يجسد الخطاب صورة تنتظم خيط الخيال في تقريب بياني يرسم لوحة أسطورية تنبض بالحيوية والجمال حيث تمنحنا الصورة مقاربة بيانية تشخص العلاقة العاطفية بين قلب المحب ومحبوبه في تشخيص مادي يتجسد في عرش عال يجلس عليه الحبيب في أبهة الملك والسطوة والسلطان .

غير أن هذا التكريم لم يرق للحبيب فصد عن طريق الحب ومانع من الوصال وسد طريق البذل ورفض تبادل العواطف وأقفل باب المنى والسعادة وهذه الظاهرة لدى الشاعر قديمة يتناص فيها مع شعراء كثر من شعراء الحب العذري عبر التاريخ .

أنا إن غفوتُ
أراكَ يا حلمِي الذي
أرجوهُ هلْ
أصبحتُ منكَ رَجاكَا ؟

أنا إن رأيتُكَ
شعَّ وجهُكَ في دمِي
وتهيمُ روحِي
في هوَى نجوَاكَا

أنا إنْ رأيتُكَ
أقسمَ القلبُ الهوَى
أنْ لا يحبَّ من الورَى إلاكَا

مازال الشاعر في عمق النص يكرر الأنا الشاعرة بتدوير لفظي يؤكد الحب برؤى منطقية يضرب من خلالها الأمثلة والمشاهد في صور تراجيدية تجسد انثيال الشاعر أمام المحبوب ببوح استثنائي يصدر عن تأكيد للحب بإثراء الخطاب بأدلة منطقية تصور حدث الحب باستقطاب العواطف واستدرار الشفقة والرحمة من خلال الانحناء الوارف بين يدي الحبيب .

حيث نحس في خطاب الشاعر انكسار روحي وإهاضة جناح تتجسد من خلال تكرار المبتدأ للأنا الشاعرة وارتباطها بالخبر المؤول من أداة الشرط وفعل الشرط وجوابه بسياقات متعددة تنساق مع مضامين خاصة يريد لها الشاعر الانثيال صوب المحبوب لتزاول عليه التأثير لينصاع للوصال والاستكانة للمحب الواله في شفق الصبابة والاحتراق .

فالشاعر استخدم أكثر من أسلوب ليزاول التأثير على محبوبه حيث زاوج بين الخبر والإنشاء في إطار تركيب البيت والجملة .

[ … إن غفوتُ أراكَ
إن رأيتُكَ شعَّ وجهُكَ في دمِي
إنْ رأيتُكَ أقسمَ القلبُ الهوَى … ]

لقد قرن الشاعر في أساليب شرطه الآنفة بين ثنائية “الغفوة والرؤية” و”الرؤية وإشعاع الوجه” و”الرؤية وقسم القلب” تلك الثنائيات هرقت استبطان الشاعر وكشفت عما يعتمل بين الجوانح من إضمار العواطف الوالهة نحو الحبيب .

أما الاستفهام التقريري التالي :

هلْ أصبحتُ منكَ رَجاكَا ؟

فهو يقيس مدى استجابة الحبيب من خلال الاستقراء الاستبياني الأولي لتأثير خطابه عليه لعله يحظى بإشارة تحمل الإيجاب ولو ضمنا ليطمئن بعض الشيء تجاه محبوبه .

استخدم الشاعر التصوير في رهان الخيال الخالق في الصورة التالية :

أقسمَ القلبُ الهوَى

حيث أحال القسم إلى القلب ليؤكد موطن الحب وموقع ثورته الخالدة في تشخيص صوري يضخم العلاقة العاطفية ويضعها في نطاق منبعها الوارف باستقطاب المشهد الروحي بتجليات العواطف وائتلافها .

ثم يأتي بعد الصورة الآنفة بأسلوب القصر المتكئ على أداتي النفي والإثبات ” لا – إلا ” :

أنْ لا يحبَّ من الورَى إلاكَا

حيث أفاد أسلوب القصر إثبات حقيقة الحب وقصرها على الحبيب من خلال المضمون الواعد بتجليات شاعرية رفدت الحقيقة بإشارات الإيحاء المنبثق من وراء الأساليب البلاغية واللغوية في سطح النص الشعري .

أنا يا حبيبِي
لم أكنْ يوماً سُوَى
نجمٍ يتوقُ إلى لِقاءِ سَماكَا

أنا يا حبيبِي مدركٌ دوماً بأنْ
أحظَى سعيداً بارتشافِ لَماكَا

أنا مِنْ أنَا حتَّى أقولَ أنَا أنَا
أنَا أنتَ أنتَ أنَا … ومَنْ أغرَاكَا؟

مازال يهرق مزنه سخية بين يدي الحبيب يكرر الأنا الشاعرة باستفاضة يدور الأساليب في أفق النص بإيقاع موسيقي يحفل بإدراك شاعري يولد تيمات الحب من خلال انفعال المشاعر الواعي والربط الاستراتيجي بين الفكرة والعاطفة واللفظ والمعنى والنحو والدلالة يرتب البنى بأناقة في سطح النص .

حيث يمزج بين الخيال والصورة ويطعم الجمل بمضامين إيحائية تصهر ذات الشاعر في قوالب جاهزة تنث برضاب العواطف ورحيق الأشواق حيث زاد نداء الحب المضاف إلى ياء المتكلم الخطاب رقة ولطفا وعذوبة

أنا يا حبيبِي

حيث يتضمن تكرار النداء قيما من من العطف والرقة لجذب الحبيب وتأليفه والتخفيف من تمرده ونفوره .
ويزيد الشاعر من رفد النص بمزيج من الأساليب التي تجمع أكثر من دلالة مثل أسلوب القصر الناشئ من ” لم – سوى “

لم أكنْ يوماً سُوَى نجمٍ

حيث قصر الشاعر نفسه على النجم ليتخذ من سماء الحبيب فلكا دوارا يحتله في مسار أشواقه ليغني أهازيج الحب في فضاء مرهف يستروح فيه بأنفاس الحبيب في ظرف الزمان والمكان .
حيث تضمن أسلوب القصر صورة خيالية بديعة تتألق بمجاز لغوي جعل من الشاعر نجما ومن الحبيب سماء وأفلاكا وهذه الثنائية بين “النجم والسماء” تتهاصر بتجاذب “كهرومغناطيسي” يعبر عن تجاذبات الحب بين قلب الشاعر وقلب الحبيب .

مازال الشاعر يفتق المعاني ويزيد من رفد النص بمضامين من التعابير الباسقة حتى ولج إلى البعد الفلسفي حين مزج بين ذاته وذات الحبيب في توحد وانصهار ضاعت من خلاله الحدود الفاصلة بين ذات الحبيب وذات الشاعر .

أنا مِنْ أنَا حتَّى أقولَ أنَا أنَا
أنَا أنتَ أنتَ أنَا … ومَنْ أغرَاكَا؟

هذا الدمج الروحي بين الذاتين يعبر عن الدمج الأسطوري في رحلة صوفية تؤلف بين الكيانات بامتزاج ناسوتي بين الذات والذات وبين الحبيب والحبيب بعوامل روحية وأسطورية تمنح الحبيبين خصوصية امتزاجية في عالم الروح يلتحم من خلالها الجسدان في انصهار كلي تداخل فيه الحدود والفواصل بعيدا عن التباين والتنافر والاختلاف .

والشاعر بهذه الرؤية الفلسفية يتناص مع شعراء الحب الصوفي وخصوصا “السعيد الشيرازي”
في رائعته التاريخية :

قال لي المحبوب لما زرته
من ببابي ؟ قلت : بالباب أنا

قال لي أخطأت تعريف الهوى
حينما فرقت فيه بيننا

فمضى عام ولما جئته
أطرق الباب عليه موهنا

قال من بالباب ؟ قلت انظر فما
ليس إلا أنت بالباب هنا

قال لي أحسنت تعريف الهوى
وعرفت الحب فادخل يا أنا

حيث يستعير من تعبيراتهم الحارة نفحات الحب ولفحات الشجى ليسرع من شفافية الحب وحرارته في مضمار الخطاب الروحي المطلق .

وحدِي أُمرِّغُ
في الهوَا قيثارتِي
و أفوحُ شوقاً قد أبَى ينساكَا

وحدي أُمضْمِضُ
بسمتِي لا أستحِي
بإطالةِ النَّظراتِ حينَ أراكَا

وحدِي أراكَ
وأنتَ منِّي تمتطِي
شغفِي الذي لا يستحقُّ جفاكَا

بلْ أنتَ موطنُ
موطنِي الغالِي الذيْ
أجدُ الفؤادَ مُغرِّداً بِرُباكَا

يختم الشاعر نصه بخلاصة شعرية أذاب فيها صهارة روحه وجمال بيانه وروعة تصويره حيث يعلن تفرده بعزف قيثارته في الفضاء المطلق وينشر عطر أشواقه مستلهما عبق الحب ضاربا عن نسيان الحبيب .

حيث جاء تكرار كلمة “وحدي” في تصدير أبيات الخاتمة تعلن عن إيقاع خاص يعزف التفرد والاستقلال وتعبر عن خصوصية حب الشاعر وتميزه عن كل حب في الأرض حيث نشأ من تركيب كلمة وحدي مع غيرها من الأنساق والكلمات صور شعرية تنبض بالحيوية والحياة وتتألق بالمضامين والإيحاءات في إطار الخطاب الروحي المتسم بالرقة والعطف والشفقة .

وحدِي أُمرِّغُ في الهوَا قيثارتِي
وحدي أُمضْمِضُ بسمتِي
وحدِي أراكَ
تمتطِي شغفِي
أفوحُ شوقاً

تلك الصور الآنفة قربت المضامين في صور متألقة كشفت عن ضمير الشاعر وقدرته في صياغة الأنساق ورسمت الأبعاد الاستراتيجية للتعبير لدى الشاعر من حيث التبادل المعنوي وتشخيص المعاني في صور مادية ترقص بالجدة والخفة والفرادة حيث يجعل من سريان الموجات الصوتية في الهواء المطلق مراغة حيث ينزل الهواء منزلة التراب وموجات القيثارة منزلة المتمرغ فيه ثم ينزل البسمة منزلة الماء الذي يجول به المتوضئ في الفم حيث يجسد تكرار الابتسامة المترددة بألم في ثغر الشاعر الجاف نتيجة الحرمان والجفاء .
فالشاعر ينفرد برؤيته الخاصة للحبيب ويدرك امتطاء تلال الشغف في جمهورية كيانه من قبل الحبيب ثم يصور احتراق المشاعر مثل عود البخور فتفوح من احتراقها الأشواق في بكائية ضانية تهاصر الحب في شفق عان بعيدا عن حقل الوصال وارتشاف الأماني .
حيث مايزال يشكو لوعة الحب ولأواء المشاعر في انقطاع تام عن حبل الوصال حيث يعيش لحظات البين مشتغلا بعطش الفؤاد وبكائية القلب .
ثم يختم نصه بقفلة إيقاعية تأتي بخاتمة وارفة تلخص البعد الشاعري في رهان الآهات تقارب كل الزوايا في أبعاد الوعي حيث تجتمع الروايا الهاضبة في شرجة البيت الأخير .

بلْ أنتَ موطنُ
موطنِي الغالِي الذيْ
أجدُ الفؤادَ مُغرِّداً بِرُباكَا

فالإضراب المتولد من الأداة “بل” أثبت الحكم للخلاصة حيث تضمن البيت صورة وارفة للوطن في ثنائية الحبيب والبلد فقد رسم الشاعر لوحة فنية للحبيب تضمنت الربى المزهرة وما الشاعر فيها سوى عندليب غان ينتقل من فنن إلى فنن على ربوع الحبيب .
والشاعر بهذه الخلاصة أحسن قفلة النص بآخر دقة في الوتر حيث تدفق خياله يمد الظلال في حقل مخضل يتضخم مع مروج الوعي بإشراقات شاعرية ولدت المضامين بإرهاص انفعالي تجاذب مع الحدث المتنامي في رحلة الحب الوارفة .

19/3/2018م

*ناقد وشاعر من اليمن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق