قراءات ودراسات

حاجتنا إلى تربية جمالية.. ثقافية

د.عزّالدين الخطابي*

أشار السوسيولوجي الفرنسي الراحل بيير بورديو في مؤلف له حول الأحكام الجمالية تحت عنوان “التمييز”، إلى أن الحاجات الثقافية هي نتاج للتربية وأن كل الممارسات الثقافية، مثل زيارة المتاحف والمعارض الفنية والقراءة وكذلك الاختيارات في مجال الأدب والتشكيل والموسيقى، مرتبطة بشكل وثيق بالمستوى الدراسي وبالأصول الاجتماعية. وبهذا المقتضى، فإن العلاقة بين رأس المال المدرسي، الذي يقاس بالمستوى التعليمي أن بالشهادات المحصل عليها أو بعدد سنوات الدراسة، تطرح أمام المهتم، ما يدعوه بورديو بالاستعمال الاجتماعي للفنون والدور الذي تلعبه المؤسسات التعليمية في هذا الإطار. فلكي نفهم بشكل ملائم، اختلاف التصورات بشأن الفنون، كالموسيقى والتشكيل والمسرح والسينما، يجب أن نحلل بدقة استعمالاتها الاجتماعية وحضورها بالبرامج التعليمية…

ولأن تعليم الفنون يعتبر أساسيا ضمن كل منهاج تعليمي وكل هيكلة تربوية، فإن السؤال المطروح هو: ما الفائدة من التربية الجمالية داخل مجتمعاتنا وبأي معنى يمكن لهذه التربية أن تساهم في إعداد المواطن القادر على مواجهة تحديات العصر؟ لمعالجة هذا الإشكال، نقترح محورين للنقاش: يتعلق الأول بالوضع الإبستيمي للفن بين فلسفة الجمال والإستيتيقا، ويتناول الثاني ضرورة الفن والحاجة إلى تربية جمالية.

1– وضعية الفن بين فلسفة الجمال والاستيتيقا:

اعتبر المفكر الفرنسي ميشال هار في مؤلف له تحت عنوان: “العمل الفني، بحث في أنطولوجيا الأعمال الفنية”، بأن التقنية الحديثة جعلت الأعمال الفنية قريبة منا بشكل مدهش، حيث بات بلوغها أمرا سهلا، أكثر من أي وقت مضى. فإلى حدود القرن التاسع عشر كان المرء مطالبا بالذهاب إلى أماكن عروض هذه الأعمال، أما اليوم فإن إعادة الإنتاج الرائعة والتسجيلات الدقيقة، مكنت من استقبالها يوميا بالبيوت. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأنها أصبحت مألوفة لدينا.

فما الذي يفسر هذه المفارقة، وهل يرجع الأمر إلى غرابة العمل الفني أم إلى محدودية فهمنا لطبيعة هذا العمل وتباين تأويلاتنا لتعبيراته الرمزية؟

يبدو في الحالتين معا، أن أية مقارنة للإنتاجات الفنية، تقتضي معرفة الحقبة التي تنتمي إليها وأسلوب الفنان وانتماءه الثقافي والفكري والاجتماعي وإيقاع عمله الذي يؤثر فينا ويستهوي أذواقنا. وبصيغة أخرى، فإن معالجة هذه المفارقة تتطلب اعتماد رؤية تاريخية- فلسفية للفن من جهة، وقراءة استيتيقية للعمل الفني من جهة أخرى. فما الذي يشكل نوعية وخصوصية هذه الرؤية وتلك القراءة؟

سيؤكد ميشال هار بأن قيمة الفن قد طرحت كقضية فلسفية، على مدى تاريخ الفلسفة، أي منذ نشأتها مع الإغريق إلى الآن. ولم يستطع الفلاسفة مناقشة نمط وجود الأعمال الفنية إلا بعدما حسموا في مرتبة الفن، من خلال إجابتهم على الأسئلة التالية: ما هو العمل الفني؟ هل هناك حقيقة خاصة به؟ هل يعد محاكاة للأشياء وللمشاعر وللحالات، أم أنه يعبر عنها بطريقته؟ وما الذي يريد الفن قوله في آخر المطاف؟

إن هذه الأسئلة جميعها، تندرج ضمن إشكالية فلسفية مركزية وهي علاقة الفن بالحقيقة، هذه العلاقة التي دفعت فيلسوفا كأفلاطون إلى إدانة الفن ووضعه في أسفل مراتب الإنتاج الفكري. فالعمل الفني بالنسبة إليه مصطنع وخادع، إنه مظهر المظهر ويوجد في المرتبة الثالثة من حيث علاقته بالحقيقة. ويكمن هذا الاحتقار الأنطولوجي للفن، والذي عالجه أفلاطون بالخصوص في الكتاب العاشر للجمهورية، في المفهوم الشهير للمحاكاة minesis الذي لا يعني إنتاج واقع ما، بل إعادة إنتاج للمظهر. فالمحاكاة تعتبر بعيدة عن الحقيقة ولا تشكل سوى ظلا لهذه الأخيرة.

وسيقر أفلاطون على لسان سقراط، [بأن الفن يشكل مرحلة الطفولة لدى الإنسان قائلاً: “إن المحاكاة هي ضرب من لعب الأطفال، الفاقد لكل جدية. وأولئك الذين يتفننون في إنتاج الشعر المأساوي هم محاكون من أعلى درجة”].

والنتيجة الحتمية المترتبة عن هذا الموقف المحتقر للفن، هي اعتبار الشعر والرسم بدون قيمة على مستوى الحقيقة، لأنهما يتعاملان مع العنصر لأدنى في الروح وليس مع جانبها الأسمى، ولذلك وجب طرد الشعراء والرسامين من المدينة الفاضلة.

وقد عارض أرسطو هذا التصور، ضمن مؤلفه “في الشعر”، عبر إعطائه المشروعية لعملية المحاكاة. فالفن بالنسبة إليه محاكاة، وهو ليس بمثابة خداع أو جهل وإنما هو فعالية مطابقة للطبيعة. وستتكرر لفظة “الطبيعة” باستمرار في مؤلف أرسطو المذكور، حيث تم إرجاع أصل الشعر إلى سببين طبيعيين، وهو ما عبر الفيلسوف المشائي بقوله: “يبدو أن أصل الشعر يتوقف على سببين طبيعيين، فالمحاكاة طبيعية بالنسبة للإنسان (…) ومن الطبيعي أن يجد لذته فيها.

سيعلق ميشال هار على ذلك، مؤكدا على أن صيغة “الفن يحاكي الطبيعة” الواردة لدى أرسطو، لا تعني إلزام الفن بإعادة إنتاج الطبيعة ونسخها، وإنما تعني بأن الفن قادر على مناقشتها وعلى إنتاج مثلها أو أفضل. فالمحاكاة الفنية تشكل نمط إنتاج مستقل، مماثل للإنتاجية المبدعة لأشكال الطبيعة. وبالتالي، فإن هذه الصيغة تعني بأن الفن قادر على تجاوز الطبيعة وعلى القيام بما لم تستطع القيام به.

رغم هذه المعارضة الأرسطية، فإن الإدانة الأفلاطونية للفن ستسود بأشكال مختلفة على مدى قرون، بحيث أن الرقابة الممارسة على عمل الفنانين، ستأخذ تارة صبغة أخلاقية واجتماعية، وتارة أخرى صبغة سياسية ودينية، وفي جميع الأحوال، فإن هذا الوضع سيؤدي إلى قيام حقل جديد، في القرن الثامن عشر، وهو علم الجمال أو الاستتيقا، وذلك على يد المفكر الألماني باومغارتن ذي الميول الليبنيزية وخصوصاً على يد الفيلسوف الألماني كانط الذي سيربط بين التأمل في ما هو جميل وسام وبين الحالة الوجدانية للذات: فالجميل هو ما يروقنا والسامي هو ما يثيرنا، وهذه العواطف توجد في الذوات وليس في الأشياء. وجمالية الفن تظل مشروطة بأحكام الذات، كما أن الشرط الأول لكل فنان هو الموهبة الطبيعية أي العبقرية.

وفي الحقيقة، فقد كان باومغارتن هو أول من تصور مشروع علم مستقبل للجمال، وكان يسعى إلى إقامة منطق خاص بما هو محسوس. وقد استعاد كانط هذا التصور ضمن السياق النفسي للنزعة النقدية، إلا أن هيجل الذي يعتبر نفسه مؤسسا لفلسفة الفن هو الذي سيدعوها بالاستتيقا، مبررا ذلك بكون التسمية وجدت مكانها في اللغة المستعملة.

ومن هذا المنطلق، أسس هيجل نظريته الاستتيقية بناءا على خصوصية الجميل في الفن مقابل الجميل في الطبيعة. وبالرغم من أنه سيمنح المشروعية للفن ضمن بحث الروح المطلقة عن ذاتها، إلا أنه سيدعو إلى المرور نحو مرحلة أكثر تجريدا في مسار هذه الروح، محولا مضمونه الفعلي إلى مفهوم عام ومجرد. وسينتج عن هذا التأسيس أمران:

– أولهما: جعل الفن بمثابة مفهوم يتدخل في تاريخ الفكر ويشكل محطة أساسية ضمن مساره.

– ثانيهما: أن لفظة الفن ستشير ابتداء من القرن التاسع عشر، إلى الأعمال الناتجة عن نشاط الفنانين وإلى القيم الجمالية التي تحدد الفائدة من وراء استثمارها ضمن هذا النشاط، أي أن الفن سيكتسي صفة المهارة والإتقان، إضافة إلى معنى الإنتاج والإبداع، وهي الدلالات التي اقترنت بمفهوم “الفنون الجميلة”.

وقد انتبه الفيلسوف الألماني هايدجر إلى هذا الأمر، من خلال تحليله الدقيق للفظة “التخني” الإغريقية، حيث اعتبر بأن هذه الكلمة كانت تعني فيما مضى إنتاج الحقيقي في الجميل وأن إنتاج الفنون الجميلة كان يحمل هذا الاسم أيضاً. وسيتساءل في هذا الإطار: لماذا حمل الفن اسم التخني؟ ليجيب على الفور قائلا: “لأنه كان انكشافا منتجا وبذلك شكل جزءا من الإنتاج. لقد اقترن الإنتاج بهذا الانكشاف كإسم خاص به، يخترق ويدبر كل ما هو فني في الجميل، وهذا الانكشاف هو الشعر أو الشيء الشعري (…) فالشعر يتخلل كل فعل وكل فن تنكشف بواسطته الكينونة الجوهرية das wesende في الجميل”.

وهناك سؤال آخر يتبادر إلى الذهن وهو: ما الداعي إلى إعطاء الأولوية للشعر؟ لأن ذلك يرجع إلى أولوية اللغة. فهذه الأخيرة، كما يقول ميشال هار معلقا على رأي هايدجر، هي في الأصل قصيدة شعرية لأنها تكشف العالم. ونحن لن نفهم فن المعمار والنحت والرسم إلا بالقدر الذي تشكل فيه الأشياء التي تم إنتاجها، جزءا مما قيل، فكل الفنون تندرج ضمن مشروع شعري، وبهذا المعنى يعتبر الشاعر مؤسسا، “وما يمكث يؤسسه الشعراء” على حد تعبير الشاعر الألماني هولدرلين. والمقصود بذلك أن كل ما يعاد رسمه من طرف الفن، يكون قد خضع للتسمية مسبقا واكتشف من طرف الشاعر. ومهما بلغ تفكير الفنان وإبداعه، فإنه يظهر في مرحلة، أي في تاريخ وفي عالم، تكون فيه الكلمة الشعرية قد وضعت مسبقا، السياجات والحدود لعمله الفني.

الشعر يؤسس الفن إذن، وهذا الأخير يؤسس التاريخ، ولن يكون للبشر تاريخ إلا بالقدر الذي تنكشف فيه الحقيقة أمامهم، باستقرارها داخل الأعمال الفنية. ومن هنا تبرز ضرورة الفن، كضرورة أنطولوجية وتاريخية وسوسيو- ثقافية. وتصبح الحاجة إلى التربية الجمالية مطلبا مشروعا ورهانا أساسيا بالنسبة لنا، من أجل الانخراط الفعلي في التاريخ وفي حركية العالم أي في ما أصبح يصطلح عليه بزمن العولمة. فبأي معنى نتحدث عن هذه الحاجة وعن رهاناتها؟

2- في الحاجة إلى الفن وإلى التربية الجمالية:

لقد اعتبر هيجل بأن عظمة الفن تتمثل في كونه “تجليا للحقيقة عبر ما هو جميل وانكشافا للمطلق في ما هو حسي، كحدس وكصورة”. ويعني ذلك وجود ارتباط وثيق بين الفن والحقيقة والحرية. فقد سعى الفن على الدوام إلى التحرر من قيود الواقع، عبر مخيلة الفنان الذي يتعالى عن الأشياء القائمة، معبرا عن اختلافه وتميزه، وذلك هو التحقق الرمزي للحرية. وهنا تبدو الحاجة إلى الفن، وتحديدا إلى التربية الجمالية لما قد تسمح به من تفتح لشخصية الفرد ومن تطوير لملكاته الإبداعية ومن استقلال لشخصيته. فهناك ثلاثة اعتبارات على الأقل تقتضي هذه الحاجة: “أولها، أن هذه التربية تستهدف الشخصية في أبعادها الوجدانية والنفسية والذهنية وتنمي لديها الإحساس بالجمال والقدرة على إعمال الخيال والنزوع المستمر نحو الإبداع والابتكار. ثانيها، أنها تتعلق بعملية الإبداع والتذوق الفني التي ترتبط بدورها بعمليات الإدراك والتصور والتفكير والتصرف لدى الإنسان. وثالثها، أن التربية الجمالية مشروع شامل ومتكامل، تصب فيه التربية التشكيلية والموسيقية والسينمائية والمسرحية، وكلها روافد تلتقي عند بؤرة عامة وهي تفتح الشخصية”.

فعن طريق الجمالية يتمكن المتعلم من تعميق فهمه للشرط الإنساني المتعدد الأبعاد ويغني مداركه، خصوصاً وأن الفن هو انفتاح على العالم في تنوعه وعلى المجتمع في مختلف تجلياته الرمزية. ومعلوم أن التربية تهدف إلى الإدماج الاجتماعي بمختلف الوسائل، وذلك هو التثقيف أو التهذيب. والمقصود بالتثقيف، تلك العملية التي تنتقل من خلالها ثقافة المجتمع، بقواعدها وقيمها، من الراشدين إلى الصغار، بغرض الحفاظ على استمرارية المجتمع وعلى نماذجه الثقافية. ويلتقي هذا المعنى من حيث دلالته، مع مفهوم التنشئة الاجتماعية التي ليست شيئاً آخر، سوى تلك العملية التي يتكسب الشخص عبرها قيم ورموز ومعارف وعادات الجماعة التي ينتمي إليها، بحيث تصبح في مجموعها جزءا لا يتجزأ من شخصيته، وتسمح له بالتكيف مع المحيط الخارجي.

هكذا يمكن لظاهرة التثقيف أن تطرح كموضوع في إطار “ديناميكية الشخصية”، وهو ما يسمح بإعطاء حيز أكبر للاختيارات الواعية للفرد ولتأثيرات العوامل الخارجية، بموازاة مع تأثير التعلم والعناصر، البنائية للشخصية. وكما يقول الأنثربولوجي الفرنسي روجي باستيد” فإن ما يحدد دينامية الشخص، ليست هي العناصر المكونة لها تبعا لنظام كرونولوجي، بل هو مفهوم النمو المستمر والمتسع للشخصية، انطلاقا من هاته العناصر. وبالتالي، فإن هذه الدينامية لا تنغلق داخل بنية نهائية، بل تترك مكانا لتأثير العوامل البنائية في مرحلة الطفولة، ضمن عملية النمو التدريجي”.

ومن بين نتائج هذه الدينامية، انفتاح الشخصية على الآخرين بدل عزلتها، وقدرة الشخص على التغير والتطور والاختيار، بدل التعامل بسلبية مع معطيات واقعه ومع النماذج والقيم الثقافية السائدة. بهذا المعنى الديناميكي لمفهوم التربية إذن، يمكن أن يساهم الفن في تغذية قيم الحرية والانفتاح والإبداع وإغناء خيال الأفراد وتطوير حسهم وذوقهم الجمالي. وبذلك يصبح إدماج الفنون في البرامج الدراسية أمرا ملحا. فالتربية على الإبداع تعتبر عنصراً أساسياً في تكوين الفرد، لأن الاكتشافات في مجال علم نفس النمو، أكدت على أهمية الجانب الإبداعي لدى الطفل ودوره في تطوير ملكاته وقدراته، مما يساهم في تدعيم حريته الشخصية واستقلاله الذاتي. وهو ما تجلى ضمن شعار “التربية عن طريق الفن”، الذي وجد تفعيله وأجرأته في البرامج والمقررات التعليمية بالبلدان المتقدمة. وعلى الرغم من كون التربية والتكوين والتعليم بمختلف المؤسات (ثانويات، جامعات، مدارس متخصصة) قد اتجهت صوب مهنية مفرطة، كما يقول المفكر الفرنسي ميشال مافيزولي، حيث تم التركيز على المشروع البعيد المدى واعتماد التصور الأداتي، إلا أن ذلك لم يمنع من قيام المجتمع على أساس المتخيل واللهوانية ومتعة الحياة المشتركة، وهي عناصر مميزة للأسلوب الجمالي. وفي هذا الإطار يطرح السؤال المحرج بالنسبة إلينا وهو: ما الفائدة من التربية الجمالية ومن التعليم الفني، داخل مجتمعاتنا التي قد تكون أحوج إلى وسائل العيش الضرورية، منها إلى المتعة الفنية؟

مما لا شك فيه أن الفائدة كبيرة، لأن الأمر يتعلق بإرساء دعائم ثقافة ذوقية سليمة إن لم نقل رفيعة. لكن، من الممكن أن يطرح هنا إشكال آخر، يهم علاقة الذوق بالسوق أو بصيغة أخرى علاقة التربية الفنية بتوفير مناصب الشغل. وهذه معادلة صعبة، أثارها الباحث الجمالي المغربي موليم العروسي، ضمن صيغة “التعليم الفني النافع والنابع من تربتنا ومن مخيالنا”. وقد أشار بهذا الصدد، إلى أن الممارسين وأطر التربية في المجال الفني، غالباً ما تطرح عليهم مشكلة التكنولوجيات الحديثة وعلاقتها بالإبداع والحلم وتفتق المواهب من جهة، وبالتكوين والإنتاج الصناعي من جهة أخرى. وأبدى في ذلك ثلاث ملاحظات أساسية نجملها كما يلي:

– أولاً: ليس هناك فصل بين الإبداع والصناعة، إذ أن الإبداع في نسخته الفريدة، يمكن أن يستنسخ إلى ما لا نهاية ليصبح صناعة.

– ثانياً: إن الفنان منتج، وسواء تعلق الأمر بالإنتاج الفني أو النافع، فإن المنتج يبقى واحدا.

– ثالثاً: إن التكنولوجيا الحديثة، بما فيها الكمبيوتر والسكانير والإنترنيت هي وسائل تحتاج إلى إحساس وإبداع. فالعلاقة مع الذكاء الاصطناعي والفضاء الافتراضي تعطي إمكانيات لا حصر لها للممارس.

وعلى هذا الأساس، فإن التربية الفنية ستشكل خير وسيلة لانفتاح المتعلم على العالم الخارجي، في زمن التطور التكنولوجي الهائل والتحولات السريعة الطارئة على مختلف أنماط الوجود.

– خاتمة:

خلال حديثه عن الذوق الجمالي وعلاقته بالفئات والطبقات الاجتماعية أكد بروديو بأنه من الممكن تصنيف الأفراد وتحديد وضعيتهم الاجتماعية ومستواهم الدراسي، من خلال أذواقهم وتمييزهم بين ما هو جميل وقبيح أو بين ما هو راق ومنحط. فقد أكدت الأبحاث الميدانية التي أشرف عليها هذا السوسيولوجي على وجود ترابط بين رأس المال المدرسي أو الثقافي أو الرمزي، وبين مستوى الذوق الفني. فالاستماع إلى برامج موسيقية وثقافية “راقية” وزيارة المعارض الفنية ومشاهدة العروض المسرحية والسينمائية “الجادة” هي في المقام الأول، مؤشر على المستوى الدراسي العالي، تليه مؤشرات أخرى، مثل الأصل الاجتماعي والفئة السوسيو- مهنية والجنس والسن ومكان الإقامة. وبغض النظر عما يمكن أن تتضمنه هذه الاستنتاجات والأحكام من نسبية وقابلية للتكذيب، إلا أن القضية الأساسية التي لا يمكن نكرانها، هي أن التربية الجمالية حاجة اجتماعية وضرورة حياتية، يتعين على المؤسسات التربوية المساهمة في تفعيلها. فهل باستطاعة مجتمعاتنا ومؤسساتنا التعليمية رفع هذا التحدي وكسب هذا الرهان؟ لنترك السؤال مفتوحا.

 

*مفكر من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق