قراءات ودراسات

عن ميلاد الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية

كتبها: كريم الجزائري

كانت الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسة سابقة تاريخيا على نظيرتها المكتوبة باللغة العربية، حيث كانت سنوات الخمسينات من القرن الماضي فترة تاريخية شهدت ميلاد الرواية الجزائرية ذات التعبير الفرنسي محاولة استبطان المجتمع الجزائري الذي كان يمر بمخاض اجتماعي وسياسي عسير كانت نتيجته سنة 1954 هي انفجار الثورة التحريرية التي وضعت حدا للتواجد الفرنسي بالجزائر؛ في هذه الفترة كانت اللغة العربية ( رغم نص رضا حوحو المؤسس ) لا تزال غارقة في خطاباتها الإصلاحية متأثرة بنهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الإصلاحي والتربوي، الذي اعتمد على الشعر والمقالة في تبليغ رسالته التربوية الإصلاحية، ولم ينتبه للرواية كجنس أدبي ذو خطورة وحضور في المجتمعات التي تنفتح على الحداثة الاجتماعية والأدبية… إذن، والحالة هذه، فإن جمعية العلماء المسلمين ونهجها الإصلاحي كان عاملا رئيسا في تأخر ظهور جنس الرواية باللغة العربية في الجزائر المستعمرة، رغم ظهور هذا الجنس باللغة الفرنسية على يد كتاب جزائريين أثناء نفس الفترة، وهذا الرأي هو ما يذهب إليه مخلوف عامر في كتابه: الرواية والتحولات في الجزائر، حيث يؤكد مخلوف عامر أنه منذ ” بروز الحركة الوطنية كانت الأولوية –دوماً- للخطاب السياسي الأيديولوجي، فلم يكن أدباء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يهتمون بالناحية الجمالية، بقدر ما كانوا يهتمون بالدلالة السياسية والاجتماعية في كتاباتهم. فبقي الشعر في حدود القوالب التقليدية، وتخلّف عن شعر المهجر وتجديداته، ونال فن المقالة الحظّ الأوفر من الكتابة النثرية ثم كان المقال القصصي –فيما بعد- أقصى ما بلغه الفن القصصي قبل حرب التحرير” ([1] )، هذا الرأي هو نفس ما يذهب إليه واسيني الأعرج، وكذا رمضان حمود الذي يقول عن الجهود الأدبية لأعضاء وأنصار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين: ” إنهم بلغوا الأمانة التي استودعت في أيديهم إلى أيدينا بغير خيانة ولا تقصير لا أكثر ولا اقل والأمانة هي اللغة العربية لا غير “([2])، فالجمعية ربطت الأدب والنقد بأهدافها وفق رؤية إصلاحية ترى ضرورة الحفاظ على مقومات الهوية الجزائرية من لغة ودين بعيدا عن أية إضافة لما كان موجودا في المجال الأدبي المتوارث عن الأسلاف، وهذه الرؤية رغم ضرورتها الحضارية في ظل الظروف التي عاشتها الجزائر المستعمرة وخصوصا مع السعي الدءوب للاستعمار الفرنسي لمحو كل المقومات الهوياتية للشعب الجزائري وخصوصا اللغة والدين، غير أنها، أي هذه الرؤية الإصلاحية، وقفت حجر عثرة في طريق نهضة أدبية على غرار ما عرفته الأقطار العربية المشرقية منذ أواخر القرن التاسع عشر.

ورغم رفض بعض النقاد الجزائريين لهذه الفرضية التي تربط بين الدور الإصلاحي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وتأخر ظهور الجنس الروائي باللغة العربية في الجزائر إلى ما بعد الاستقلال، إلا أن الرأي الغالب يميل إلى التأكيد على هذه الفرضية(*) مع أن جعفر يابوش في كتابه: ” الأدب الجزائري الجديد، التجربة المآل” يرى عكس هذا الرأي ويؤكد على الدور الكبير الذي لعبته الجمعية ورجالاتها في النهضة الأدبية في الجزائر حيث يرجع الفضل في ” تحريك الهمم وشحذ القرائح وسريان الأقلام إلى زعماء الحركة الإصلاحية في الجزائر، لأنها جعلت من صحافتها المكتوبة ومن منتدياتها الفكرية ومدارسها التعليمية، المجال الحر للتنافس بين الأدباء والمفكرين ومن مختلف المشارب الفكرية والمذاهب والنزعات الأدبية”([3]). وهذا التأكيد على الدور الكبير لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في النهضة الأدبية هو ما يؤكد عليه أيضا الناقد عبد المالك مرتاض في أطروحته الموسومة بـ ” فنون النثر الأدبي في الجزائر، 1931 – 1954 ” حيث قام بجمع ” مادة بحثه هذه من 32 مجلة وصحيفة جزائرية صادرة بين 1925 و 1956 مستخرجا منها 16 قصة و 01 رواية واحدة و11 عشرة نصوص مسرحية { هكذا }، ومعظم هذا الإنتاج نشر على مجلات جمعية العلماء المسلمين…” ([4]). وإذا كان إعطاء حكم نهائي ومطلق على النهج الإصلاحي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودوره في تأخر ظهور جنس الرواية بالجزائر، وفي الوقوف حجرة عثرة في طريق التجديد الأدبي بسبب لغتها الدينية أولا، ونظرتها الماضوية فيما يتعلق بفنون الشعر والنثر العربيين ثانيا، فإننا نميل لتبني الرأي القائل بأن دور الجمعية لم يأت بإضافة نوعية بالقياس إلى ما كان يجري من حولها، سواء في المشرق العربي الذي شهد نهضة أدبية حقيقية، أو في الجزائر التي شهدت بعض المحاولات الروائية من طرف جزائريين يكتبون باللغة الفرنسية سرعان ما تحولت إلى ظاهرة أدبية خلال فترة الخمسينات، وهذا ما سنتطرق إليه لاحقا من خلال الحديث عن نشأة الرواية الجزائرية ذات اللسان الفرنسي. أسبقية الرواية ذات التعبير الفرنسي: بالرغم من المحاولات الأولى البسيطة في التأليف الروائي باللغة العربية في الجزائر مع رضا حوحو ( غادة أم القرى 1947 ) وعبد المجيد الشافعي ( الطالب المنكوب ) ونور الدين بوجدرة ( الحريق )، إلا أن الرواية الجزائرية ذات التعبير الفرنسي تعتبر سابقة تاريخيا من حيث الظهور عن مثيلتها المكتوبة باللغة العربية، حيث شهدت سنوات الخمسينات من القرن الماضي ميلادالرواية الجزائرية ذات التعبير الفرنسي، في حين تأخر ظهور الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية إلى غاية سبعينيات القرن الماضي على يد عبد الحميد بن هدوقة بروايته ” ريح الجنوب ” سنة 1971، والطاهر وطار برواياته الأولى، خصوصا رواية ” اللاز ” التي تعتبر علامة فارقة في تاريخ المتن الروائي الجزائري.

تعبر سنة 1950 هي سنة ميلاد الرواية الجزائرية ذات التعبير الفرنسي على يد كوكبة من الروائيين الجزائريين الذين تعلموا في المدرسة الفرنسية وحصلوا نصيب وافر من الثقافة الفرنسية دون إن يفقدوا إحساسهم المرهف بنبض مجتمعهم الذي كان يعيش وقتها حركية استثنائية على جميع الأصعدة السياسية والثقافة والاجتماعية، في هذه السنة ألف مولود فرعون رواية ” ابن الفقير “، ليتبعها بروايات أخرى صدرت خلال عشرية الخمسينات وهي روايات: ” الأرض والدم ” عام 1953، ” الدروب الوعرة ” سنة 1957، كما ألف مولود معمري ” الهضبة المنسية ” عام 1952، ورواية ” السبات العادل ” عام 1955، لينشر بعد الاستقلال روايته الملحمية التي تحولت لفيلم سينمائي حصد السعفة الذهبية بمهرجان كان السينمائي عام 1975، وهي رواية ” الأفيون والعصا ” سنة 1965 أما محمد ديب فقد نشر ثلاثيته الشهيرة في عشرية الخمسينات بداية بـ ” الدار الكبيرة ” عام 1952، ثم ” الحريق ” عام 1954 ، ليلحقها برواية ” النول ” عام 1957، ويواصل بعدها نشر باقي أعماله الرواية التي حضت بشهرة عالمية واسعة خصوصا في المجال الثقافي الفرانكفوني، وخلال نفس العشرية التي شهدت ميلاد الرواية الجزائرية ذات التعبير الفرنسي، أي عشرية الخمسينات من القرن الماضي نشر كاتب ياسين روايته الشهيرة ” نجمة ” سنة 1956، كما نشر مالك حداد روايته ” الانطباع الأخير ” سنة 1958، ورواية ” سأهبك غزالة ” سنة 1959 ، ليتلوها لاحقا برواية ” التلميذ والدرس ” سنة 1960، وكذا رواية ” رصيف الأزهار لم يعد يجيب ” سنة 1961؛ أما الصوت النسائي الأكثر بروزا ضمن هذه الكوكبة فقد مثلته آسيا جبار، التي نشرت روايتها الأولى ” العطش ” عام 1957 ، لتتلوها برواية ” الجازعون ” سنة 1958، ورواية ” أبناء العالم الجديد ” سنة 1962. إن ما يميز هذه الكوكبة من الروائيين الجزائريين والذين حصلوا جميعا على شهرة وحضور كبيرين على المستوى النقدي والإعلامي وكذا على نسبة عالية من المقروئية خصوصا لذا عموم القراء الناطقين بالفرنسية، ما يميزهم جميعا، هو كونهم خريجي المدرسة الفرنسية التي أتاحت للجزائريين تلقي نصيب من التعليم؛ وكذا ارتباطهم – رغم ثقافتهم الفرنسية – بهموم مجتمع ” الأهالي ” وتعبيرهم عن عمق المجتمع الجزائري مستعملين اللغة الفرنسية كوسيلة توصيل للرؤى الإبداعية التي يتبنونها ويدافعون عنها، وما ميز كتاباتهم أيضا، هو إعطاء صوت للجزائريين داخل المتن الروائي المكتوب باللغة الفرنسية، حيث أن الرواية الفرنسية عموما لم تهتم بوضع الجزائريين ولم تقترب منهم إلا نادرا، فقد ظل ” لانديجان ” في نظر المستعمر والرجل الغربي مجرد إنسان متوحش بليد وعدواني، يعطي صورة عن الشرق الاكزوتيكي الذي صوره فنانو أوروبا وروائيوها من خلال أعمال متخيلة لا تلتقي بالواقع إلا نادرا، أي أن الغرب خلق الشرق الذي يبحث عنه كما بين ذلك ادوارد سعيد في كتابه الاستشراق، وهذه النظرة الغير الواقعية للأهالي هي التي وظفها الروائيون الفرنسيون – حتى الذين عاشوا بالجزائر – وهم يتناولون الأهالي في أعمالهم؛ وحول هذه النقطة بالذات تتميز الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية عن مجموع المتن الروائي الفرنسي، حيث أن الروائيين الجزائريين أكثر معايشة للواقع الجزائري ومشاكله وإشكالاته من زملائهم الفرنسيين ” حيث أنهم لم يمارسوا الأدب إلا بعد التجارب التي اقتنوها في مختلف الحرف، لذلك جاءت موضوعاتهم الأدبية تعبر عن خبرة شخصية بالمشاكل اليومية.

وهكذا نجد كاتب ياسين، مثلا، قد احترف الصحافة والعمل في المواني والزراعة قبل أن يمارس الأدب. أما محمد ديب فقد اشتغل محاسبا ونساجا ومعلما وصحفيا قبل أن يدخل ميدان الأدب. ومن المهم أن نلاحظ أنهم جميعا قد مارسوا حرفة التعليم…”([5])، ولهذا نجد أن الروائيين الجزائريين وهم يكتبون بالفرنسية لم ينسلخوا عن مجتمعهم ولا تجردوا من هويتهم، رغم إحساسهم بشيء من التمزق بين ثقافتين، ثقافة فرنسية ذات أفق عالمي اكتسبوها من خلال دراستهم في المدارس الفرنسية ومن خلال سفر معظمهم إلى فرنسا والعيش فيها لفترات معينة والتأثر بأسلوب الحياة الغربي، وبين ثقافة أصيلة عربية وبربرية لا تزال تؤمن بالغيبيات التي تحكم حياة الفرد، وتسيطر عليها ” جميع التقاليد والعادات والطبائع والتصورات التي تريد أن تسجنه في قيود لا تنفصم “([6])؛ فنجد كتاب الرواية الجزائرية ذات التعبير الفرنسي في تلك الفترة المبكرة لميلاد الرواية الجزائرية قد تحدثوا وبكثير من الصدق عن معاناة الإنسان الجزائري وطموحاته، ونقلوا مشاكله اليومية من فقر وبطالة وهجرة وظلم ورغبة في الارتقاء و الانعتاق، من الواقع المعيش إلى العالم الروائي وفضاءه الإبداعي، متجاوزين النظرة الرومانسية والغنائية التي ميزت الرواية الفرنسية في تناولها للفرد الجزائري والتي ظلت تركز دوما على العناصر البدائية التي تستهوي القارئ الغربي وترضي ذائقته التي شكلتها المدرسة الإستشراقية.

ـــــــــــــــــــــــــ

– عامر مخلوف، الرواية والتحولات في الجزائر، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2000، ص 10.[1] 2 – رمضان حمود، عن، جعفر يابوش، الأدب الجزائري الجديد التجربة والمآل، منشورات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، الجزائر، 2007، ص 16

* – عامر مخلوف : – مظاهر التجديد في القصة القصيرة بالجزائر ( صدر بدمشق سنة 1998 ) – الرواية والتحولات في الجزائر ( صدر بدمشق سنة 200 ) – توظيف التراث في الرواية الجزائرية ( صدر سنة 2005 )

وانظر أيضا: واسيني الاعرج توجهات الرواية العربية في الجزائر جعفر يابوش، مرجع سابق، ص 17.[3] – نفس المرجع، ص 18[4] –

أبو القاسم سعد الله، دراسات في الأدب الجزائري الحديث، ط5، دار الرائد للكتاب، الجزائر، 2007، ص 96.[5] –

مولود فرعون، الدروب الوعرة، ص 127، عن أوب القاسم سعد الله، نفس المرجع، ص 98.[6]

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق