قراءات ودراسات

قراءة في رواية “عيون الليل” لـ : جيلالي عمراني

بقلم: منير مزليني*

عيون الليل، رواية صدرت عن جمعية الاختلاف في طبعتها الأولى عام 2004 لصاحبها جيلالي عمراني. أنجزت في 142 صفحة من الحجم المتوسط بغلاف جميل تصدر نصفه العلوي اسم وعنوان الرواية فيما خصص النصف السفلي للوحة معبرة تضم مجموعة من طيور البوم مشرعة العينين يعتليها سحاب أسود كثيف مصدقة بذلك العنوان، والذي نتساءل من خلاله هل سيفضح المضمون أيضا؟ تحاول الرواية أن تؤرخ لحقبة زمنية ما من تاريخ الجزائر، هي فترة التسعينات أو كما يحبذ البعض أن يطلق عليها صفة “العشرية السوداء” تماما كما حاولت مثيلاتها من الروايات الأخرى والتي صدرت خلال أو بعيد هذه الحقبة أن تفعل. وذلك بتصريف جملة من الشخصيات الورقية (الأبطال) للسرد من خلالها وبناء الأحداث المزمع رصدها…
وقد اختار الروائي أن تكون شخصياته من نسيج الوسط الثقافي، فالبطل الرئيس أديب وإعلامي حر يعمل في وسط ثقافي وينشط تحت اسم مستعار “أيوب” بمقالات نارية في مواجهة ما يسميهم “جنود الله ـ شرطة موازية ـ أو شرطة الأخلاق”. وكذلك الشخصيات الأخرى مثل جمال المسرحي و علالو الشاعر الشعبي الثائر وأيضا “زهرة” التي تعمل مع “أيوب” في الوسط الثقافي وتربطها به علاقة حب درامية فاشلة، و “رنجة” صاحبة الفندق المشبوه بالدعارة الذي يختاره البطل “أيوب” للإقامة فيتحول تدريجيا إلى مركز للمقاومة ونادٍ ثقافي يستقطب المثقفين والإعلاميين بعد أن يقنع صاحبته “زنجة” بأهمية الثقافة في مواجهة الموت والتصدي لتلك العيون الراصدة. وهو ما جاء على لسانها: “فندقي هذا المتواضع سيكون ملجأ المقاومين. وقلعة حقيقية لرجال هذا الوطن. وهل نيأس يا رجل. أو نرضخ؟ طبعا لا. وسأكون من الأوائل. أوَتشككون في حبي لهذا الوطن؟” (ص84).
أما الطرف الآخر فالرواية لا تقدمه إلا من بعيد بوصف خارجي أو سرد إنشائي تقريري صحفي (جماعة إرهابية اقتحمت مركزا صحيا أحرقوا وأتلفوا وعاثوا فسادا) (ص83) وقول (جماعة مسلحة هاجمت ليلا قرية بضواحي البليدة وخلفت أكثر من ضحية) (ص78) ولا نعرف منهم سوى شخصية واحدة وهي شخصية “عبد الهادي” الذي كان يعمل معهم في الوسط الثقافي ثم اختفى ليصبح زعيم الرعب والموت، والصورة التي تقدمها لنا الرواية عنه باهتة وضبابية فلا هي تحدد صفاته ولا تقدم أفكاره بالكيفية اللازمة والمطلوبة لتمتين السند السردي أو التعمق في الأحداث. (عبد الهادي كان بالأمس مجرد موظف في قسم الأرشيف له مكتب خاص) (ص83) . فالرواية كما يبدو كانت تنظر من زاوية واحدة وفي اتجاه واحد كما فعلت أغلب الأعمال الأدبية التي حاولت أن ترصد وتؤرخ لتلك الأحداث بعين واحدة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه صفة الكتابة المتحيزة أو المنحازة. الأمر الذي يحد من رؤية الرواية ويضيق من سعة أفقها واستيعابها لفلسفة الأحداث والمجريات. بل إن صاحب رواية “عيون الليل” ذهب أبعد من ذلك وراح يتناص مع الواقع ـ طبقا لرؤيته ـ زمانا ومكانا وأحدثا وأسماء ونصوصا.
فالزمان الذي تجري فيه أحداث الرواية يشير إلى التسعينات (العشرية السوداء) وليؤكد على ذلك يسجل لنا (جيلاني عمراني) تاريخا محددا ضمن النسق السردي: 17مارس 1993.
أما المكان ولا أقول الحيز لكون هذا الأخير أوسع وأشمل من الأول، فقد رصد الروائي جملة من الأماكن المحدث والتي أعدت مسرحا لأحداث الرواية: البويرة (عين قراوش)، البليدة، الجزائر (شارع العربي بن مهيدي)، تامقوط. مع تخصيص أمكن سردية للأحداث: (فندق المنار، الحي الشرقي… وغيرها)
كما ضمنت الرواية بعض الأحداث الواقية تجسيدا لفكرة التأريخ والواقعية من مثل: “انفجرت قنبلة صبيحة اليوم في قلب مطار هواري بومدين، العملية خلفت تسعة ضحايا وعددا من الجرحى. نفذها مجرمون.. خونة” (ص84).
وذكره لحادثة: “خرجت من السجن، كتبت كتابا صغيرا بعنوان (إلى أين تذهب الجزائر) هنا أسجل نقطة شدت انتباهي، وهي أنني أثناء اختطافي من الطريق لم يصدر رأي احتجاج في الجزائر، وكأن الجزائر كانت في غيبوبة أو ربما لعامل الخوف في هذه المسألة ما عدا أيت أحمد الذي تكلم..” (ص133و134).
أيضا تضمنت الرواية أسماء مختارة لأعلام جزائرية معروفة بينها قاسم مشترك يخدم وجهة الرواية ورؤيتها؛ في قوله: “مع ذلك هي خطوة لإحياء علالو.. وجاووت وجيلالي اليابس، والشهيد لحبيب بناسي.. وسي محند أو محند وغيرهم …”
ومن النصوص ما جاء ذكره لمجموعة من الأعمال الروائية في قوله: “كأن ألسنة النيران أبت أن تصل إلى باقي الرفوف. فأضم اللاز والزلزال والشهداء يعودون هذا الأسبوع وفوانيس… التطليق ومعركة الزقاق.. نوار اللوز.. عنف وعنفوان…” (ص104). كما ضمن الرواية مقطعا من قصيدة للشاعر المرحوم مالك حداد (ص136).
كل هذه التضمينات والمماحكة جعلت من الرواية تبدو وكأنها تأريخ لأحداث محددة في الزمان والمكان. وجعلت من الروائي (جيلالي عمراني) مؤرخا فاشلا بدل أن يكون روائيا ناجحا. علما أن هذا التوجه في كتابة الرواية ـ الذي كان يمثله كل من ولتر سكوت، بالزاك، فكتور هيجو، فلوبير، قوتي، إميل زولا، أناطول فرانس وغيرهم.. ـ قد تراجع أمام أنصار “الرواية الجديدة” والتوجه النقدي الحديث لا سيما البنوية منها والتي ترفض سلطة كل من الزمان والمكان والشخصية وراحت تشكك في قدرتهم البنوية داخل النص أمام هيمنة اللغة والسرد، حيث باتت اللغة هي المسيطر الوحيد والسلطة السائدة في النص الإبداعي كيفما كان جنسه أو نوعه! ومن بين أنصار هذا التوجه الناقد ميشال مونسوي (michel mansy) إذ يقول: “ليست الكائنات والأشياء إلا واجهات. ولا يقال إلا نحو ذلك حول ما كان يسمى، في اللغة القديمة “الإنساني” لقد اغتدى ما كان إنسانيا مجرد أسطورة. فكل شيء أصبح أسطوريا. إن العالم اغتدى اليوم خياليا” (من كتاب: نظرية الرواية للناقد عبد المالك مرتاض). ويمثلها من الروائيين “أندري جيد، مرسيل بروست، كافكا، جيمس جويس، أرنست هيمنقواي، وكتلة الكتاب الفرنسيين ألان روب قريي، ناطالي صاروت، كلود سيمون، ميشال بيطوم… وغيرهم.
وبالنظر إلى ما سبق ذكره فإن رواية “عيون الليل” قد جاءت متخلفة عن زمانها إذ هي لم تستطع أن تستوعب شكل الرواية الجديد أو المعاصرة وفق معاييرها الإجرائية والشكلية الحديثة. وعلى كل حال لم يكن وحده الواقع في هذا الشراك الفني من أبناء جيله أو مما يصدر حاليا من روايات.

البناء الروائي
يختلف النقاد والمنظرون في تحديد بنية الرواية، ودون الدخول في تحاليل مفصلية لهذا الأمر ، فهناك من يحصرها في “الشخصية” مثل جورج لوكاكس، وهناك من يختصرها في اللغة مثل أنصار البنيوية، وآخر في الرؤية العامة، وهناك رؤية أخرى تكاملية توفيقية تجمع كل العناصر في سلة واحدة بدأ من الشخصية مرورا باللغة والوصف والسرد والحوار وصولا إلى الحيز والزمن.
والقارئ لرواية “عيون الليل” سوف يكتشف منذ البداية أنها تعتمد على الشخصية في بنايتها. إذ الشخصية هي المركز المحوري داخل الرواية ومن خلاله تدور الأحداث وتعرف.. فهي رواية الشخصية بامتياز!
وقد اختار جيلالي عماراني نمطا معينا من الشخصية (الشخصية المثقفة) إذ كل شخصياته الفاعلة من الوسط الثقافي بداية من بطلها أيوب وعلالو الشاعر وجمال الكاتب المسرحي بل حتى رنجة البزنسية وليلى الراقصة باتت تتذوق الشعر وتشارك في الجلسات الأدبية؛ أضف الفضاء الذي تدور فيه أحداث الرواية هي فضاءات ثقافية؛ دائرة الثقافة والفندق الذي أصبح مع مرور الأحداث تجمعا ثقافيا ومرتعا للمثقفين والإعلاميين! كل هذا ضيق من الحيز الرؤيوي للرواية وحدّ من أفقها الاجتماعي الواسع. فكانت الأحداث تصلنا من خلال أبصار هؤلاء وشفاههم تنقلها كالصحف وبالتالي لم يتسنى للمتلقى معايشة هذه الأحداث ولا مشاهدتها من خلال القراءة. فكثيرا ما كان الروائي يعتمد على الخبر الصحفي في نقل الأحداث وبناء السرد. أما الحوار فقد جاء على خط واحد ومسطح نظرا لتقارب مستوى الشخصيات، بل إن هذه الشخوص في حد ذاتها لم نلمس ثقافتها بشكل مباشر بل هي أوصاف وألقاب ألبسها السارد لشخوصه (شخصياته) دون محسوس فني وسردي مقنع!. (ـ “ياه كم أنا مشتاق إلى علالو” شيء لم أتوقعه، كوني أعرف أن جمال يدرك أن علالو من المتصوفة تقريبا بل من الفارين من هذا الجحيم، جحيم المدن الميتة وجحيم المصانع والبشر. ياه يا علالو لو تعرف كم أنا بحاجة إليك في مثل هذه الظروف وثقل الأيام وملابساتها وفوضاها. كنت بحاجة إلى سماع آخر قصائده، عن مواجع الزمن والبشر. ببساطة لأن علالو كتاب مفتوح على الماضي والحاضر.. علالو من القلائل الذي تزوجوا بالقصيدة.) هكذا يقدم لنا السارد شخصياته، بشكل غير مباشر، عن طريق الوصف الخارجي (السرد من الخلف) أو النقل الإخباري وهو ما يشكل هوة بين النص والمتلقي ويضعف عنصر التعايش والتعاطف معها فتبقى مجرد شخصيات ورقية مسرودة!
لكن الروائي جيلالي عمران لم يقدم كل شخصياته بهذه الطريقة بل منها ما قدم بشكل مباشرة، كأن تقدم الشخصيات نفسها بنفسها عن طريق الاستعراض الحواري أو المناجاة الذاتية. ونجد ذلك مثلا مع بطل الرواية أيوب سيما وأنه السارد لأحداث الرواية في الوقت نفسه. ونأخذ هذا المقطع الشعري الذي يحاول البطل (السارد) الاستعراض فيه عن ثقافته (ص72) فيقول:
” حينما رأيتها بالأمس
وأنا حافي القدمين
أسير على شوك الزمن
هائما في أجواء الله
حينما رأيتها بالأمس
عروسة تغادر الحي الشرقي
أقفلت ديوان العشق “
إن المتأمل في هذا المقطع أول ما يشعر به أن هذا النص مترجم عن لغة أخرى إلى العربية وإلا فهو لا يمت للشعر بصلة لكونه يفتقد للشعر في حد ذاته!
وكان بإمكان الروائي تجنب هذا المنزلق ما دام لا يمتلك موهبة شعرية والاكتفاء بالمناجاة الذاتية أو الداخلية وتعميق مستوى الحوار في جانب هذه الشخصية.
أما لغة الرواية، فقد ساد في السابق نظرية متعلقة باللغة الروائية تفرض أن تكون هذه اللغة على مستويين (السرد بالفصحى والحوار بالعامية) ثم جاء من يخالف هذا الرأي وذهب إلى القول أن تطرد العامية من العمل الروائي نهائيا وتعتمد الفصحى من ألفها إلى يائها. ورأي ثالث يقول بتهذيب العامية في الحوار والتقليل منها ولا بأس من استعمالها في المكان والزمان المناسبين.
ويبدو أن جيلالي عمراني من أنصار الرأي الثاني (اللغة الفصحى على المستويين السردي والحوار) ولو أنه استعمل بعض الكلمات العامية القليلة وهي لا تكاد تذكر مثل كلمة (الزوفرية) إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو؛ كيف هي لغة أو فصاحة “عيون الليل”؟
المتصفح للرواية سوف يكتشف أن البداية جاءت مرتبكة أو رتيبة لا تشدّك إليها وهو ما أثر سلبا على مستوى لغتها وأسلوبها فجاءت اللغة مرتبكة قلقة غلبت عليها التقريرية والمباشرة (لغة وظيفية) ثم راحت تتماسك شيئا فشيئا متفاعلة مع التصاعد الدرامي للأحداث إلى أن التحمت وباتت سلسلة عذبة. ونأخذ مثالين للاستشهاد على ما ذهبنا إليه؛ ونستهل بالسطور الأولى من الرواية والتي يبدأها كالتالي (ص5): (على غير عادتي توقعت أي شيء في صبيحة باردة جدا توقعت مثلا أن تنهار العملة الوطنية بين لحظة وأخرى أو انهيار عمارة من العمارات الحديثة أو إعصار يهدد المدينة بكاملها.. يا له من صباح غريب وحامض جدا ومخيف إلى درجة يجعلك تتشاءم أكثر من أي وقت مضى). أكيد أن المتلقي قد لاحظ ذلك الارتباك في الصياغة، والارتجاج الواضح بين المفردات المستعملة. وكما ذكرت سابقا فهي بداية لا تشجع على المواصلة، لكن الذي يصبر قليلا حتما سوف يستمتع في الأخير تدريجيا. وهذا مقطع آخر (ص91): (السماء حبلى بالرعود والغيوم وغضب الخالق. وجو يحبس الأنفاس هناك في الباحة واحدة بين النساء بملاءتها السوداء واقفة مشدوهة، تنتقل بين الكوخ وصحن الدار بتثاقل. حزينة جدا ووحيدة. هيفاء وغريبة وسط الزحمة كانت تخفي دموعها بين كفيها). لا أدري كم هو الوقت الذي استغرقه الروائي بين هذين المقطعين لكن الفارق واضح من حيث مستوى اللغة والأسلوب والتحكم في الصياغة.

ما قبل الخاتمة
الرواية على ما أبدي فيها من ملاحظات ـ والتي قد تبدو قاسية ـ إلا أن ذلك لا يمنع من كون الساحة الجزائرية قد كسبت إليها روائيا وضمت إلى زمرة كتابها مبدعا، فمن السهل التعليق ولكن ليس الأمر كذلك مطلقا بالنسبة لكتبة رواية. وما أحسب “عيون الليل” إلا زهرة تضاف إلى حديقتنا الصغيرة قد لا تكون بذلك البهاء الملفت ولكنها لا تقل عما يبرعم هنا وهناك من حين إلى آخر ضمن الحديقة وفي إطار التجارب الجديدة !
ورغم ما في هذه الرواية من مآخذ لاسيما في جانب اللغة التي باتت جوهرة وأساس كل عمل أدبي لما تحقق اللغة الإبداعية من جمال في النص بانزياحاتها وسحرها التصويري الفني والدلالي إلاّ أن “جيلالي عماراني” استطاع أن ينجز رواية مستوفاة المضمون والعناصر الموضوعية الواجبة فيها، يبقى الشكل يحتاج إلى صقل وتجريب لاسيما في جانب اللغة الإبداعية والتقنيات الحديثة وأنا متأكد من أنه سوف يستمر لما عرفته فيه من إصرار وعزم ولن يتوانى حتى ينجز الرواية المطلوبة.

*كاتب وناقد جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق