قراءات ودراسات

الموجهات البنائية في رواية (حديث الأكف) للكاتب حسين الهلالي

أمجد نجم الزيدي

لكل عمل إبداعي هناك مجموعة من المقومات والركائز، التي من الممكن أن يقوم عليها ، وهذه المقومات والركائز تأخذ دورها من خلال تراكم وتراكب مجموعة من الموجهات البنائية التي تقوم ببناء دلالته، أو الصيغة النهائية له كعمل  فني إبداعي، وتختلف طبيعة كل جنس إبداعي في عملية التعامل مع تلك الموجهات، تبعا لاختلاف ذلك الجنس، والطبيعة البنائية والتركيبية له. إن البنية العلائقية للأجناس السردية ربما تختلف عن غيرها بكونها محددة بنظام، هو النظام السردي، الذي يكون أول الموجهات البنائية، التي تظهر العمل وتعطيه الخاصية الإجناسية المميزة، وأيضا ستساهم في تحديد وإضاءة نقاط ارتكاز النص والمقومات التي أنبنى عليها. فالبناء الروائي مثلا، يقوم ويرتكز على مجموعة من الوحدات السردية متمثلة بالزمان والمكان والحدث والشخصية..وغيرها، وستلعب هذه الوحدات دور الموجهات البنائية من خلال علاقات التجاور والتنافذ والتقابل، ومدى تركيزها داخل النص، الذي سيقوم بمعادلة عمليته البنائية، مستعينا بتلك الموجهات ببناء خط افتراضي تراكمي، يقود إلى صناعة وتعزيز الدلالة العامة للنص وثيمته.

ولنأخذ رواية (حديث الأكف) للكاتب حسين الهلالي، الصادرة عن مؤسسة مصر مرتضى للكتاب العراقي 2010، ونحاول الدخول إليها وتسليط الضوء على مرتكزاتها والموجهات البنائية التي استندت عليها، ففي البدء نرى بأنها قد سارت في خطين متداخلين، هما الخط الواقعي لبناء الأحداث، والذي يسير بطريقة التراكم معتمدا على علاقات الزمان والمكان الأفقية، والخط الأخر الذي يتضافر مع مجموعة من الحركات التي إنبنت عليها الرواية، والتي تعززت من خلال فعل التراكم المعتمد على العلاقات التقابلية بين مجموعة من الدوال التي صنعت تلك الحركات ومحفزات بنائها وموجهاته.

تنقسم الرواية إلى ثلاث حركات تنبني على قاعدة زمكانية متقاربة الأبعاد، وإن أخذت في الحركة الأولى والثالثة مساحة أكبر، لان الحركة الأولى كانت قاعدة تأسيسية لكلا الحركتين التاليتين، أما الحركة الثالثة فهي تحتوي على ثيمة الرواية التي أؤسس لها في الحركتين السابقتين وهي (الحب)، وهذه الحركات هي:

الحركة الأولى (بناء الشخصية): لقد ارتكزت هذه الحركة على تعزيز وبناء شخصية (بدر) الشخصية الرئيسية، وذلك من خلال إكسابها لمجموعة من الصفات التي ستكون قاعدة لبناء الحركتين التاليتين.

الحركة الثانية (البحث عن الذات): وتقوم هذه الحركة على مجموعة من المحاولات التي تقوم بها الشخصية الرئيسية للبحث عن ذاتها المتشظية، بعد أن فقدت موجهات بنائها التي قامت عليها في الحركة الأولى وهي – شخصية الشيخ موزان (الأب الموجه)، وشخصية عابر(الأخ العاشق) ، وحدث الصيد ( الحدث المعزز لاستقلالية الشخصية).

الحركة الثالثة (الحب): في هذه الحركة تتجمع شظايا الذات وتوحد صفاتها التي بنيت سابقا في الحركة الأولى، وهذه الحركة قد قلبت كل الدلالات التي بنيت عليها الحركات السابقة وأخذت نواح جديدة.

ونلاحظ بأن هذه الحركات الثلاث قد قامت على بنية مضمرة، وهي البنية المكانية، التي تتغير تبعا لتغير تلك الحركة، أما ما يعزز تلك الحركات فهو مجموعة من الموجهات البنائية التي توزعت على طول الرواية، لتعزيز وبناء ثيمة العمل ودلالته، وهذه الموجهات هي:

1. الشخصيات الثانوية:  وهي شخصية الأب الموجه، التي ساهمت في توجيه بناء شخصية (بدر)، وإكسابها مجموعة من الصفات التي حددت أفعالها وتحركاتها، وأيضا شخصية الأخ العاشق، وهي موجه بنائي مهم ارتكزت عليه الرواية، وذلك بزرعها لعدة إشارات بقيت كامنة إلى أن جاءت  فرصة بروزها في الحركة الثالثة، أما شخصية (شمس)  وهي موجه مهم في صنع ثيمة الرواية، وهي الحب وقد جمعت وشدت كل الموجهات البنائية الأخرى نحوها.

2. الحدث: وهي أحداث الصيد التي ساعدت الشخصية الرئيسية في تعزيز استقلاليتها، التي إنبنت عليها الحركات الثانية والثالثة، وقد اختفت في الحركة الثانية لاختفاء مسوغ وجودها، بعد أن تعززت تلك الاستقلالية، ولكنها ظهرت في الحركة الثالثة ولكن بوظيفة أخرى.

أما حدث (الموت) فقد كان موجها بنائيا مفصليا، تمفصلت فيه الحركات الثلاثة، وقد كان بوابة فاصلة بين تلك الحركات، فبموت الشيخ موزان وعابر، انتقل (بدر) إلى الحركة الثانية (البحث عن الذات)، بعد أن كان وجوده متمحورا حولها، ثم موت الأستاذ (أبو سلام)، والذي جاء متأخرا بيد إننا يمكن أن نعتبر لحظة مفارقته لـ(بدر) هي لحظة موته، والتي انتقل بعدها إلى الحركة الثالثة، والتي قد ختمت بموته هو، وقد اخذ حدث الموت عدة مستويات أخرى منها المستوى الذي ربط الموت بالفراق كما في حالة عابر ونهار، أو المستوى الذي ربط الموت باللقاء كما في حالة بدر وشمس.

وهناك شخصيات ثانوية أخرى كان لها دور في تعزيز هذه الموجهات من خلال علاقاتها تقابلية، فشخصية راهي (العاشق) تقابل شخصية عابر (الأخ العاشق)، وأيضا شخصية (أبو سلام) تقابل شخصية (الأب الموجه)، وكذلك التقارب بين الوظيفة التي أدتها شخصية المعلم (جميل) في الحركة الثالثة، والوظيفة التي كان يؤديها (الصيد) في الحركة الأولى، وذلك يظهر باشتراك (جميل) مع (بدر) بعملية الصيد في الحركة الثالثة، وأيضا هناك الدور الذي لعبته العجوز (أم سهيل) والذي يقابل الدور الذي لعبته (نهار) عشيقة (عابر)، وهو دور تنبيهي..

والحقيقية هناك موجهات بنائية أخرى، إذ كان للزمان دور فاعل في بناء الرواية، وذلك من خلال الزمن الواقعي الذي تعكسه الانتقالات الزمانية التي قد أضمرها الفعل الحركي للشخصية الرئيسية. وأيضا البنية المكانية التي أظهرت الانتقالات مابين الحركات الثلاثة التي يقوم النص عليها وربما هي التي ساعدت على بناء تلك الحركات..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق