ثقافة المقال

دور القراءة في بناء المعرفة والثقافة

محمد عبد الرحيم عدس

يحتاج طلبة اليوم إلى قسط من المعرفة يكون لهم قاعدة أساسية وثابتة يقيمون عليها معرفة تساعدهم على فهم ما يقرأونه، وهم على مجرّد سرد الحقائق جملة وتفصيلاً أقدر منهم على سبر نمو هذه الحقائق والوقوف على ماهيتها ودورها في بناء المعرفة عند الإنسان، وإيجاد ثقافة عامة له، تربط بين أفراد مجتمعه، وتشكيل هوية خاصة بهم تقوم عليها حضارتهم ومدنيتهم وإسهامهم في تطوير الحضارة العالمية من حولهم، وهم بهذا يكونون مجرّد نقلة للحقائق لا أكثر ولا أقل. إنّ أي مدخل للوقوف على أي موروث ثقافي والتعرف عليه يكون عن طريق التماس والاحتكاك بيننا وبين ما له قيمة وأهمية في ثقافتهم وما له معنى في نفوسنا وأثره في قلوبنا وعقولنا وهذا الأمر يتحقق بشكل رئيس عن طريق ما يحدث بين الكبار من حوار ونقاش حول ما جرى الاحتكام به من ثقافة ومعرفة عند الغير، وعندنا نحن كذلك. .. يتم كذلك عن طريق ما نقرؤه في البيت بصوت مسموع ومتابعته من أجل المتعة أو ما نقرؤه منها باعتباره جزءاً من العمل المدرسي أو أصبح مهضوماً عندنا وجزءاً من ثقافتنا وذواتنا، ولها نمط تفكيرنا. إن الكثيرين من الطلبة في أيامنا هذه لا يقرأون ما يفترض فيهم أن يقرأوه، والقليل منهم مَن يقرأ من أجل المتعة في القراءة، وقليل من المعلمين مَن يطلب منهم إعداد الكثير من المقالات المكتوبة وغالباً ما لا يتوافر لهم الوقت الكافي للقيام بذلك أو لا يوفرونه لأنفسهم سواء أكان ذلك عن طريق الكتابة أم عن طريق القراءة ليتفوقوا بذلك بشكل عميق، ومن هنا لا يزال هناك الكثير لنتعلمه مع الوقت القصير المخصص له والذي لا يفي بالحاجة ولا يفي بالمطلوب، ودون أن يرتبط بما نقرؤه، بمعنى ومضمون يساعدنا على تذكره واسترجاعه، وما لم يكن هناك ارتباط قوي بين الشكل والمضمون فيها نقرؤه، أي بين الكلمات المكتوبة والمعنى الذي ترمز إليه، وتدل عليه فلن يكون من السهل علينا أن نتذكر ما قرأناه، أو نفيد منه ما دام قد فقد الرابط العفوي بين الرمز والمعنى أي بين الكلمات والمعنى الذي تدل عليه، أي بين الرمز الكتابي ومدلوله المعنوي الذي يجعل لهذا الرمز الكتابي معناه، ويكتسب به حيويته وأهميته ويصبح له في الأذهان معنى، يتمثل بهذه الرموز المكتوبة. لقد دلّت الأبحاث على أن طلبة الصفوف الأولى يستمتعون ويتذكرون ويستعيدون ويفهمون الأدب الجيّد بشكل أفضل إذا كان الأدب من مستوى حسن يساعد الطلبة على فهمه واستيعابه ومن ثم استعادته واسترجاعه ويجدون فيه متعة ذهنية وأدبية تقوي ما عندهم من الذوق الأدبي والقدرة على تذوقه وتقديره. وإذا ما أشغلنا عقول أطفالنا بأنواع متعددة من القراءة، وبأساليب ونماذج مختلفة تقوم على التكامل والتداخل في مجالات قرائية مختلفة تتناول الأفكار العلمية والفترات التاريخية، كانوا عندها أقدر على استعادة المعلومات واسترجاعها وأكثر قدرة على التعلم.

وهناك نقطة أخرى وهي أن مشكلتنا تكمن أحياناً في أننا لا نكاشف أطفالنا بما يجول في خواطرنا ولا نشجعهم على أن يكشفوا لنا ما يجول في خواطرهم من أفكار وآراء، وقد لا نحب أن نميل بهم إلى ما نراه وتقع عليه عيوننا وغالباً ما لا نطلب منهم ونكلفهم أن يقوموا بما له أهمية في مجتمعنا ويحظى بتقديره فينتقل ذلك إلى نفوسهم دون أن يكون لديهم نظرة عامة شاملة تتسع لمختلف الأفكار في مختلف المجتمعات.

وإذا كنّا جادين في تزويدهم بقاعدة عامة شاملة من العلم والمعرفة تشمل الثمرات العقلية على اختلاف مصادرها والإنتاج العقلي في ثقافات متعددة، فعلينا أن نطوّر برامج التلفاز وأشرطة الفيديو أو أن نستبدلها ببرامج أخرى أكثر كفاية تعمل على إثراء ما عندنا من معرفة وتعمل على تنميتها وتطويرها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق