قراءات ودراسات

الفقد – في ( بيجمان) الذي رأى نصف وجهها

للأديبة بلقيس الملحم

قراءة / صباح محسن جاسم

عن الدار العربية للعلوم ناشرون- بيروت 2015 م ، صدر للروائية بلقيس الملحم روايتها – بيجمان – ” الذي رأى نصف وجهها “.
صمم الغلاف الفنان (علي القهوجي) بخلفية سوداء وصورة فوتوغراف ذكية الدلالة تكشف عن ساعد هزيل ايمن مغطى بالرمس خارج من مقبرة جماعية قابضا على كف شمال بقفاز ابيض تفيد في منقذ يمدّ يداً عوناً في مساعدة.

ثيمة الرواية تتلخص في الكشف عن جرائم ارتكبت ضد الأنسانية خلال الحرب على البوسنة في تسعينيات القرن الماضي بشلالات الدم المسفوح، ابتدأت فعليا ” في العاشر من يونيو عام 1992″ ص133

” أكبر قتل جماعي عرفته أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ” .. مذابح تركزت على مذبحة سربنيتسا الشهيرة التي راح ضحيتها الآلاف من البوسنيين … “في عملية تطهير عرقي لأقامة دولة صربية في البوسنة ” – ص 211. ” خمسة آلاف من المدنيين واربعمئة في عداد المفقودين ” ص 154 اضافة الى ” ترحيل مواطنين بوسنيين بلغت اعدادهم الـ ” مليون ونصف مليون بوسني داخليا” ص160 ومشاهد التمثيل بالجثث والرؤوس التي ” كان الجيش الصربي يلعب بها كرة القدم على مرأى من العالم الخارجي ” – ص20 ، عملية امتهان للإنسانية في ابشع صورة كشفت عنها حرب بما تعنيه من اذلال لكرامة وبراءة حرية الإختيار في صورتها البسيطة الساذجة!

تأتي الرواية عموما على توثيق سردي لأشكالية الفقد التي ترتكب بحق البراءة، حالٌ شدّ ما تعاني منها شعوبٌ ادخلت دائرة صراعات شركات دول الرأسمال العالمي وسط حرب ضروس في محنة الإبادة العرقية والتطهير الذي طال شعب البوسنة على ايدي الصرب الذين كانوا ” يحصدون قتلاهم بأسم الرب”- ص200.

رواية تعتمد اللغة الشعرية النافذة برؤية فلسفية تجترح الأيمان بالحب وسيلة لبلوغ الحقيقة.من على لسان حال الصحفي الأيراني المحب – بيجمان – ( البوشنافي العنيد) ، كما يدعوه صديقه احسان الإيراني، بيجمان السجين الإيراني تحت ظروف غامضة، تردد الكاتبة رسالتها عبر رواية قاسية المشاهد وعنيفة ، تختصر فيها رحلة العذاب بالبحث عن الشخصية الرئيسة في الرواية الفتاة – سابينا – التي تمثل براءة الصرب ” ندبة في القلب وكيٌّ في جسد البوسنة” –ص205. هكذا تبدأ وتؤشر لاحقا أحداث تترى لتدين سقوطها من ” وحشة الطريق الذي خلّفها وحيدة يحاصرها القدر الذي آلمها أكثر مما ينبغي” – ص177.

في دهاليز السرد

تستهل كاتبة الأحداث روايتها بسلسلة من الأستذكارات تدور حول المتخيّل لحدث في الماضي القريب ، عبر خمسة اجزاء بمدخل استفزازي “ستندم حين تقرأ هذا الكتاب. ” من ثمّ تستدرك في ذات المدخل ” ستدرك أنك كنت عاجزاً مثلي.. عن فعل أي شيء.!”.

هذه الرواية التسجيلية لآلام شعب من الشعوب بفضل علّة الجهل والتطرّف الديني تذكّر بإسلوبها كتاب ( عشرة أيام هزّت العالم ) للصحفي الأمريكي جون ريد مندوب الأممية الثالثة 1920م الذي وثّق حينها لثورة اكتوبر، توثيق دقيق بانزياح طبعا. فالكاتبة مدركة لمعنى الأحداث، وهي هنا جوّابة آفاق تنكش الآلام بعد اعادة توثيقها بغية اجتثاثها فتمسك مبضع طبيب جرّاح وتتابع حثيثاً حيث يتوارى الألم ويتناسل. على أنها تخرج مبضعها الجراحي وهو يشع بإشعاع الحب!

تجمع الوثائق والأخبار، وتدونها على دفتر جيب الشخصية الثانية التي تدور على لسانها الأحداث ، الصحفي – بيجمان – بما أسمته ( دفتر جيب صغير).- ص 15.

تبدأ احداث الرواية الفعلية بمحاولة انتحار الصحفي – بيجمان –. واستذكار حبه الأول للفاتنة – سابينا – طالبة كلية التربية المغيّبة في المقابر الجماعية لمجزرة العساكر الصرب. الحبيبة التي لم يبق منها سوى ” مشطها وقرطها” لدى اختها أمينة و ” رائحتها” لدى حبيبها (بيجمان).

الشعر والرومانس اول ما يواجهنا، فالكاتبة تقدم لروايتها باسلوب العارف والخبير في السرد ، منوهة ” … أرسم في مخيلتي بطلة لقصة قد اكتبها غدا ” – ص19. ولكي ترسم مشاهدها السردية لا تجد مناصا من بري قلمها امام فوبيا الرعب والصراخ من داخل سراديب السجون على لسان الصحفي المحب (بيجمان)، الذي خبر الحياة داخل دهاليز السجن ” صراخ الرضيع الذي ولد في مرحاض السجن… وقهقهة العساكر أمام الديدان التي اضطر بعضنا لأكلها” ص 81

” سابينا ” الحبيبة الفاتنة المفقودة منذ عام 1993 ، زميلة الدراسة الأولى، زمن ” النقانق المسلوقة وبائعتها ( آني ليبوفيتش)، هي وبقية من صورتها الجانبية حيث ” نصف وجهها الخجول” ص94 والتأسيس لنصف الوجه – في عنوان الرواية – نتلمسه من خلال عملية السرد ” فالشاب الثلاثيني .. في مقهى السفَدالينكا ..” الذي كان يغني للعاشقين ” وُجد .. مشطوراً بالطول”.” كم كنت غبيا حين نظرت إلى نصف وجهه ، …” – ص23. من ثم تلتقط عدسة كامرة المؤلفة صورة لسابينا وهي تقف على شباك زنزانة – بيجمان – ،” تغطي نصف وجهها بجناح” ص179 ، شابة لمع خيالها في الظلام خاتمة الرواية بشالها الذي يغطي نصف وجهها الأبيض.

وحيث يأخذ الوصف الفكري اقصى مداه حين تضع الكاتبة واحدة من صورها العديدة المتناقضة المتقابلة ” في دار المسنين …. أرواح من كانوا ينتظرون الموت. دون أن تهز توسلاتهم شفقة المدفعية الصربية!” ” أوه سابينا.. أنت من كنت تهزّين فيّ كل شيء!!” – ص 24. بل وحتى الحديقة ما عادت تضم أشجارها بل صارت ” حديقة الموت” ص94 استخدام دقيق للمتضادات كما سيلي ذلك .مثلما تلهب الذاكرة صور الأستعارة ” وفي الأوقات الهادئة نضطر أن نصادق المعاول والحديد.” أو كما في ” إنه مؤلم أن تعيش الورود فوق الجثث” من على لسان أحد حفاري القبور ص26. وفي مواقع اخرى ” لكني اكتشفت أنه ما كان ينبغي أن أثق بالشجرة العاقر لأحكي لها قصتي، ولا بالنهر اليابس” ص25 حتى جحيم الزنازين صار يتناسل خارجها ” الجحيم الذي اخطأتُ حين اعتقدت أنه في زنزانة مخنوقة” ص94 .

للأنسان بقية داخل رحم الأرض

رواية حبلى بالأرهاصات النفسية تمثلت في البحث عن بقايا انسان، ومن خلال شبح (سابينا) تنبثق عشرات الأحداث ومعها تتداعى الأحلام وقصص الحب التي تختنق ثيماتها من موقع لآخر. رواية تتكرر فيها حالات اغتصاب النساء أمام أهاليهم.

رحلة عذاب قوامها الحب العابر لحطب الحرب. اذ تستخدم الروائية شخصيات فيها الكثير من ملامحها ، تلك الباحثة بقلق عن (فقد) شخص عزيز.. شخص بريء في جوهره ، فشاعرة مثلها تتمتع بحساسية بالغة أزاء ايقاع ما تدونه وكأنه ايقاع من طراز آخر، مدونةً منطقةً ذات طابع ديني بعينه وعابرةً لجغرافية مناطق اخرى تعاني من أسر التشدد والعنصرية والتخلف. ومن سير الأحداث المنقولة والنابتة من جديد صرنا نعايش ثانية وقائع مماثلة في ما يسمى بالربيع العربي صوب “شرق متوسط” الكاتب عبد الرحمن منيف -.

فالتواريخ حقيقية والأحداث تقدمها المؤلفة على نحو بالغ الدقة ، يستدعي الإستذكار والأنتباه إلى اسلوب السرد والأسلوبية في الأنتقال من حدث إلى آخر. وقائع الرواية مفتوحة تجري عبر احداث وثنائيات متضادة متباينة متداخلة. كما يتحرك السرد من خلال سلسلة من العناوين. احساس يتناغم مع التماهي بين السارد للأحداث والبطل، بذلك تؤكد الكاتبة من ناحيتها، عن ادراك مبكر بشروط ومتطلبات الميتا- سردي.رحلة عذاب وحطب حروب . اذ شكلت مواضيع التهجير والضياع والقتل الجماعي والأستهتار بحياة الناس غالبية محطات السرد.بتقديري هي احالة غير مباشرة الى واقع ما تعانيه المرأة عبر مشاهدات الروائية والواقع المعاش .

لنكتشف عموما ان البوسنيين الطيبين قد تعرضوا الى اعمال عنف وابادة جماعية حتى ان القوات اليوغسلافية اجبرت المرضى منهم الخروج من المستشفى وتسليمهم لميليشيات الصرب التي سرعان ما انتهت من مهمة اعدامهم بعد تعذيبهم.

ولتلخص الكاتبة رسالتها في ان ” الحرب لم تقتلنا سيدتي، لكنها أماتت فينا أجمل ما نملك وطعنت إيماننا بالحياة!” ص 44 ” فليس من السهل أن تقتل آلاف الناس بلا ذنب !” ص84 و “ما جدوى أن تسير قُدُماً ورأسك إلى الخلف؟” ص206

البحث عن سابينا تدور احداثه بين أمينة والصحفي عبر سلسلة من ارهاصات وطأ ارضيتها جنودٌ صرب أحالوا الأرض التي يعيش فوقها مواطنو البوسنة الى مذابح جماعية وقبور ومكبات قمامة حتى الشاعرة ” أيوا” لم تسلم من جز اصبعها لينزعوا عنه خاتم زواجها!

البيئة الأدبية وموسيقى الضد

وأمام كل هذه القوى الظالمة والضاغطة تستعين الكاتبة بعصب الموسيقى واغنية ” آه لو تكرّمت” وتتيح للسارد استئذان جسد سراييفو المطوق بجبال الألب الدينارية، لتتيح له القاء جسده في النهر فيعوم وسط احلام تثلم فيها الأسماك حتى امتد خطر الثلم إلى انتشار الأرهاب عبر التصفية الجينوسية والحرمان والتشرّد والأغتصاب.

اسلوب نادر في السرد عبر توظيف عنصر الموسيقى الذهنية بما تتمتع به الكاتبة من جمالية تحسس الشعر. فيغدو استجلاب الموسيقى عنصرا ذا دلالة رئيسة في استجلاء كل وسائل الشفاء وسط مشاغل البحث عن معنى للحرب مقابل المعنى الثابت والحقيقي للحياة.

من ثم تعود لتحدثنا بقوّة الواثق على غرار من يرمم ما تلف من أن الشابّة التي افلتت من براثن الموت عادت اليوم إلى قريتها زارعةً ” البصل والسبانخ وبعض الزهور” ص 134 ، لكنها ليست ( سابينا) بل هي من تمثلت فيها ” سابينا الحياة “.

البيئة الفنية

وإن تتلون الحياة تكبر الأشياء عبر موسيقى الطبيعة وتشرع العيون تميّز ” بريق الذهب ودماء الختان ” فيما تزوغ ذائبة في ” الحمامات ذات البخار الفاضح” مثلما تتابع حاسة السمع ” الأنّات ” و نقيق الضفادع، والشم وهي تتعقب ” رسالة سابينا الأولى”.وحاسة اللمس وهي تغطس ” في اريكة ملئت بالوسائد الناعمة “. توظيف كل الحواس في وصف يعلن عن حياة وسط حياة مهددة بالموت في صفحة ونصف الصفحة.ص82/83.

اسلوب توظيف الحواس هو ما نتلمسه لدى الكاتبة – فرجينا وولف – والكاتب الأيرلندي – جيمس جويس-.

تقف الكاتبة كسارد للأحداث بفنية عالية بحيث لا تشعر معها من ايّ من الجنسين هي، اذ تطول سردها على مسافة واحدة كأنما سارداً ثالثاً ينقل أحداث الرواية عبر عين سحرية سابرة اغوار تفاصيل دقيقة منسوجة بدراية وتقنية عالية.

وإذ تنقلنا الأحداث في معمعة الإيغال في قتل وامتهان الإنسان لأخيه الإنسان تتلألأ موسيقى الحب بخيطها اللئلائي الواهن لتقول ما تقول من أن الحرب هي سوأة الفعل الأولى منذ أن أقدم عليها قابيل.

أما اصعب اساليب السرد هو أن تكتب رواية عن الحرب ، أن تدخل فيها أو تعيش احداثها ، وأن تخرج منها وأنت سليم معافى دون اصابات في الروح والنفس!

يتماهى مستقبل الرواية مع السارد – الكاتب – الراوي – ويتوه وسط مهمة البحث عن ضوء الحب في عتمة دهاليز الفقد.

انشطارات صوب نصف الوجه

” انه أمرٌ يجعل الروح تنشطر نصفين أمام الطفلة ” ديلسا محمد” ذات الثماني سنوات والتي فقدت عائلتها بالكامل فانضمت هي الأخرى إلى تلك الغرفة الكئيبة” ص85.

لتتواصل حملات التهجير التي تقوم بها القوات الصربية .

كذلك تستأنف عملية السرد رصدها لمرتكزات البراءة فتحيل المدرسة إلى وجه ملائكي رقيق سرعان ما يذبل حين يأمر الصرب من في الفصل من التلاميذ ” بالخروج إلى الساحة ثم أطلقوا النار على الجميع .. ” وحيث تتضرج دماء الطفلة ومدرّسة الموسيقى في مجزرة المدرسة.

وليتواصل سرد الصورة المتناقضة بنصفي وجهها ” منظر الدشم العسكرية المتناثرة داخل الحقول بكثافة …. . رغم ذلك انتشرت على هذا الطريق إعلانات ضخمة عن صناديق الأستثمار والمشروبات الغازية والسجائر الأمريكية والتلفونات النقالة وأجهزة الكومبيوتر. متجاورة مع مشهد وسائل النقل البدائية مثل الخيول التي تجر العربات الخشبية المحملة بالقش والبرسيم والبشر ايضا.”ص87

او ” حياة تجمع أنصاف البشر في مواقف الحافلات..” ص96

نتابع السرد على اكثر من لسان فقد تمكنت الكاتبة من استنطاق حتى الوسادة لتساهم في عملية السرد ” كان عليّ أن أسأل متى تكف وسادتي عن هذه الكوابيس؟” ص90

البيئة العاطفية والربيع الصربي

وهو يستذكر الشارع الذي قطعه أول يوم خروجه من السجن يلوم بيجمان الرقيق طهران التي غدرت به ونسيته ” وانا ابكي حريتي التي تذوقتها مع أول شطيرة جبن وضعتها في فمي. … لا صوت في جرس بيتي سوى القشعريرة وأصابعي … لا احد يسمع قشعريرتي” ص90 انهم الغزاة الجدد الذين استحوذوا على كل شيء بتدبير.

السرد ينتقل بفنية عالية من شخص بيجمان الى آخر حتى يشرك بائع الكولا النحيل فيما يتحدث عن المفقودين أثناء الحرب، ” في نوفمبر 1997 تولّى الدكتور الكرواتي ” موسى” قيادة حفر أكبر مقبرة جماعية.. ” تم التعرف على 400 اسم… في كل صفحة ثماني صور… ومن فقدت صورته وُضع مكانها صورة زهرة البندق ” شعار البوسنة”، ص103.

ويدخل ” كتاب المفقودين” حيثيات السرد فيحكي هو الآخر رحلة ما عاناه المحتجزون في شباط عام 1992 .. وحيث تهاوت عظام المغدورين داخل كهف ينحدر بعمق 10 أمتار. مئتا جثة مقيدة الأيدي ” وفي رؤوسهم آثار طلقات النار. هم لا يحملون السلاح ومع ذلك دُفن بعضهم أحياء.” ص103.

في عنوان فرعي ” أكاد افقد عقلي” ينجح السارد في وصفه لجريمة التجويع، فالشخصية إيفو بعد أن يطفيء سيجارته يردف قائلا : ” الفتاة التي فقدت أخويها في معسكر الموت … لم ترَ النور ..، فقدت شرفها ثم .. بصرها.. كانت تتعثر في مشيتها… الشخص الذي كان يُبصر فقط ، هو ذلك الحارس السمين الذي يحمل بندقيته الثقيلة ..” ص 160.

واذ ينتقل السرد بفنيته العالية في مثابات الوصف التي غالبا ما يلتقي شخوصها عند مراسم دفن رفات المقابر، نتابع – بيجمان- الحبيب المفجوع ” كنت اترجّح في الهواء على أمل السقوط على سهل اخضر لأتمدّد بجانب سابينا،… كنت سأكتفي بتقبيلها وبلمس عظامها وتمرير أصابعي بين .. بين ماذا؟! هل سيكون لها شعر يلمع؟ أم جمجمة مُهشّمة ؟” ص162 .

ويتواصل وصف الجرائم حتى لتغدو الجثث المرفوعة فوق رؤوس النساء ” تنظر إلى السماء وتبتسم!” ص165.اما من كتب له من البوسنيين أن يؤجل موته لحين فلا يمتلك عدا الرعشة التي ” تحسها الوردة حين لا تجد شوكاً يحميها!”

خاتمة

المتابع لقلق الكاتبة منذ بداية تقديمها لروايتها لا يحتاج الى معادل فني لأثبات ما سيقوله، طالما أحسنت أسلوبية تناول الكاتبة للأحداث ، فلا مسوغ لمقولات يسند بها أفكاره ، وهو ما أراه إقحاما على جسد الرواية.

ما حققته الكاتبة من إنجاز هنا يتركز على شعشعة الحب من بين كل متراكم جرائم الحروب واإبادة البشرية. فثيمة الرواية لم تقتصر على موضوع ) الفقد) لوحده بل الكيفية التي ينبض فيها الحب ودوام دفقه وإن غيبت عناصر معادلته.

لقد تمظهر عنصر الإستكشاف الذي نجحت الكاتبة عبره لتلمّس مسارها الإبداعي خاتمة الرواية الذكية، فأرواح المغدورين تستعيد كياناتها عبر قلق البطل المعادل في الرواية مقابل ” سابينا” الحاضرة بين ثنايا السرد والفاعلة المؤثرة دون أن تنطق كلمة واحدة، وهو ما يحسب لصالح أسلوبية الروائية.

عموما الرواية استكانت الى مبدأ الإنتقام من المجرمين الجناة وعلى رأسهم السفاح الصربي- سـتريدكو ديميـــانوفيتش – والمجرم رقم -1- رادوفان كاراجيتش على أنها لم تسقط في آلية التقليدي الكلاسيكي الذي عرف في جل خاتمة الروايات التقليدية إذ جاء المفيد بموازاة كل هذا في تعرية محكمة العقوبات الدولية وادانة سلوكها في تبرئة السفاحين إهانةً لضحايا الحروب جميعاً، فختم فصل (الجزاء) لا للأنتقام الذي يقرره خالق الأنام بل تعدّى التوثيق ليضيء ما يدور خلف كواليس المحاكم الدولية من انحيازات. ليفيد الصحفي – بيجمان – ” لأوثق بعض الجراح وبعض العجز” ص210 .

أما – نصف وجهها – الآخر فيتحقق خاتمة الرواية عبر تماهي المحب – بيجمان – بذكرى حبيبته – سابينا – ” الوجع لم يغادرني منذ أن قبّلتها أول قبلة، لذلك دونت ذلك، مع أنني لا أعرف حتى اللحظة من المفقود الذي أبحث عنه:

أيكونُ أنا؟”

وكما توحي العبارة الأخيرة ” لم ينتهِ كل شيء ” فسيبقى حضور الكاتبة الشفاف مفتوحاً خلل تلافيف الدماغ السردي وتخوم شغاف القص.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الفقد – في ( بيجمان) الذي رأى نصف وجهها”

  1. شكري وعميق امتناني لـ – مجلة الثقافة الجزائرية – وعبرها الشكر الجزيل للأديبة الفنانة ست بلقيس الملحم ، .. وانا استذكر الراحلة المناضلة جميلة بوحيرد – بوحيره – بو خضر .. فلا زلت احتفظ بإعلان البوستر الخاص بها منذ العام 1960 .. شكرا للجزائر والى أبنائها والى الراحل صانع ( اللاز) .. محبتي وشكري لجمالكم .. التوفيق والسؤدد ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق