ثقافة المقال

الكرامة..الوحدة على أرض المعركة

أسعد العزوني

بلغتنا رابطتنا العظيمة رابطة الكتاب الأردنيين بنيتها ترتيب رحلة تكريمية إلى أرض معركة الكرامة الخالدة ،لوضع إكليل من الزهور على قبر الجندي المجهول ،بمناسبة اليوبيل الذهبي لهذه المعركة التي إمتازت عن غالبية المعارك التاريخية بالكثير ،وأولها أنها جسدت شعارنا القديم الذي يقول أن الوحدة العربية تتجسد على أرض المعركة ،وليس العكس كما كانت الأحزاب القومية تروج لمشاريعها الوحدوية العقيمة، التي لم تتحقق بسبب عدم التوجه إلى ساحات القتال مع العدو الصهيوني،وإقتصر دورها على القتال الداخلي الذي انهك الأمتين العربية والإسلامية لصالح مستدمرة إسرائيل الخزرية الصهيونية الإرهابية النووية ،التي أعلن الجميع عن “زواجهم”السري الكاثوليكي معها منذ كانت فكرة صهيونية على الورق عام 1915.
ما أن وصلنا تبليغ الرابطة الذي جاء في وقته ويحمل رسائل للداخل والخارج ،حتى إنفتح ملف الذاكرة عندي ولم أستطع ضبط تدفق المعلومات المخزنة حول ذلك اليوم ،وتداعيات تلك المعركة والدروس التي لم نستفد منها ،وكذلك بعض شخوصها الذين خاضوها بشرف ما بعده شرف وفي المقدمة القائد الراحل مشهور حديثة الجازي الذي كان قائدا للجيش الأردني ،وقام بدور الغضنفر الذي يقود أسودا ،وكذلك الشهيد البطل ربحي المسكاوي العزوني الذي له الفضل أيضا بوقف تقدم العدو ،بعد أن رمى نفسه وسط رتل للدبابات الصهيونية بحزام ناسف،ولا يغيبن عن البال أيضا مشاركة رمز الأردن آنذاك الراحل الحسين ،ورمز فلسطين الراحل أبو عمار.
كنت آنذاك يافعا ولي من العمر ستة عشر عاما او يزيد قليلا،وكنت أرقب أسراب الطائرات الصهيونية ، وهي تتجه إلى الشرق لإلقاء حمولتها من الحقد والكراهية على أهلنا في الأردن ،ولم اكن في ذلك الوقت مشتبكا مع العنصرية والإقليمية التي تعتمد الجغرافيا في تصنيف البشر.
كنت أبكي بحرقة وانا أرقب مسار تلك الطائرات لأن أمي رحمها الله كانت في زيارة للزرقاء حيث شقيقتي الكبرى كانت متزوجة هناك،وكنت أود لو يحملني الهواء عاليا لأغير مسار تلك الطائرات وأجعلها تهوي إلى الأرض محترقة بدلا من مواصلة سيرها إلى الأردن حيث أمي.
كنت أيضا أرقب أرتال الدبابات الصهيونية وهي تمر بالقرب من بيتنا على الطريق العام وتحمل جنود الدعم والإسناد ،بعد أن أبلغوا في وزارة الحرب الصهيونية أن معركة الكرامة ليست نزهة كما تهرطق الأعور موشيه دايان قائد العدون على الكرامة آنذاك،ولكن ما كان يفرحنا تلك الأخبار التي كانت تأتينا من منطقة الشريعة ،ومفادها أن العديد من سائقي تلك الدبابات كانوا عند البيذان ينحرفون بدباباتهم نحو اعماق الوادي ليقضوا حرقا ، لهلعهم من الموت في ساحات المواجهة في الكرامة .
الغريب في الأمر أن الجنود الصهاينة كانوا مقيدين بسلاسل في الدبابات خشية من الهرب ،وهذه رسالة إتهام لكل أطراف الصراع العرب والمسلمين الذين عجزوا عن تحقيق النصر ولو مرة واحدة على الكيان الصهيوني ،وأن ما كان الصهاينة يحققونه جراء المواجهات الصورية التي كانوا يفرضونها علينا ،كانت ممسرحة ومتفقا عليها ،لأن الجندي الصهيوني أعجز من ان يحقق الإنتصار على نظيره العربي في حال تسلح الجندي العربي بالقرار السياسي الذي يخوله المواجهة ،ولا يطلب منه الإنسحاب أمام الجندي الصهيوني.

قبل المعركة بيوم واحد إستدعت وزارة الحرب الصهيونية الإعلاميين الصهاينة والمراسلين الأجانب للقاء موشيه دايان في مؤتمر صحفي بفندق الملك داوود ،وقال لهم بكل العنجهية المعروفة في معرض رده على سؤال لأحد الصحفيين الأجانب ،ان المقاومة الفلسطينية في يده كالبيضة يكسرها متى يشاء ،وانه يدعوهم عصر اليوم التالي لتناول قدح من الشاي في عمّان،ظنا منه أنه سيذهب في نزهة تقوده إلى العاصمة .
كانت الخطة الصهيونية تقضي بتصحيح خطأ وعد بلفور وضم جبال البلقاء على الأقل لإسرائيل،ولكن حكمة الله كانت أقوى إذ وصلت الدبابات الصهيونية العاصمة عمّان فعلا ،ولكنها لم تكن منتصرة أو سليمة بل كان النشامى يجوبون بها حطاما شوارع العاصمة ،للإعلان عن النصر المؤزر الذي تحقق بقعل إلتحام الفدائي الفلسطيني مع أخيه الجندي الأردني،وللرد على دايان الذي رد على نفس الصحفي الأجنبي الذي سأله عن المقاومة بعد عودته وهو يجر أذيال الهزيمة وراءه ،بالقول””أنا غيرت رأيي بالمقاومة الفلسطينية وحمار من لا يغير رأيه”.
تحقق النصر المؤزر بفعل الإلتحام الأردني –الفلسطيني وكانت رسالة لنا جميعا ،لكننا لم نستفد منها وغنّى كل طرف مواله بطريقته فخسرنا كثيرا لعوامل داخلية وخارجية ،منها أن الفلسطينيين آنذاك لم يكونوا على علم بأن هناك من سيتم زرعه في صفوفهم لإجهاض نصر الكرامة ،وقتل الكفاح المسلح ،علما أن نصر الكرامة قوّى من عضد أبو عمار الذي كان يقف على النقيض من الذين كانوا يدعون لوقف الكفاح المسلح ،إثر هزيمة حرب حزيران 1967 بحجة أن دولا عربية لم تصمد امام الكيان الصهيوني،كما انهم لم يكونوا على علم بأن السنين اللاحقة ستكشف حلف صفقة القرن التي نشهدها حاليا وتهدف إلى شطب القضية الفلسطينية والأردن الرسمي.
اما في الحالة الأردنية فقد كان الثمن كبيرا لأن الطائرات الصهيونية كانت تلقي حممها يوميا فوق الأراضي الأردنية، لتقتل من السكان في الأغوار من تقتل وتدمر من البنى التحتية ما تدمر ،وما كان يؤلم أن “الأخوة الأعداء”من أهل البترودولار الذين يحلبهم ترامب حاليا ليل نهار ،رفضوا شراء غطاء جوي يحمي الأردن من الغارات الصهيونية الجوية ،كما انهم لم يزودوا المقاومة الفلسطينية بأسلحة إستراتيجية،ومن يدقق بمجريات الأمور في منطقتنا بعد مجيء الرئيس الأمريكي الماسوني الإنجيلي الطرمب ترامب والتحالف العربي –الصهيوني، المسمى تحالف صفقة القرن يدرك من كان يقف وراء إضعاف الأردن ،ووضع حد للمقاومة الفلسطينية .
وحدث لاحقا ما لم يكن بالحسبان ولا يقبله عقل ولا منطق وهو ما يطلق عليه “أيلول الأسود”الذي أدى إلى خلق شرخ لا مبرر له بين المقاومة الفلسطينية والأردن ،ومن يتعمق في دراسة هذا الملف يجد أن الأصابع النجسة الخارجية هي التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه اليوم ،إلى درجة انهما لم يحتفلا بنصرهما المؤزر معا لأنه نتاج تلاحمهما المقدس ،وان ماقاما بها يستطيع بعث أمة بكاملها لو لم يكن من بينها من تزوج كاثوليكيا مع الصهيونية ،وأصبح شريكا في شطب القضية الفلسطينية وحصار الأردن ماليا لإجباره على التنازل عن المقدسات العربية في القدس المحتلة ،لرغبته في الجلوس بلا منازع في الحضن الصهيوني.
دلائل الخيانة كانت موجودة مذ كانت الصهيونية فكرة على الورق ،وإتضحت الأمور اكثر في الفترة ما بين 1915 -1948 ،وجاءت حرب حزيران 1967 ،وتبعتها فورا معركة الكرامة التي عوضتنا عما فات مؤقت ،ولو اننا وعينا الدرس عربا ومسلمين لبنينا على نتائج معركة الكرامة الخالدة ،ولكن البعض آثر خوض الحروب على طريقته وهي إغراق الشوارع العربية بالشعارات الفارغة والكاذبة ،وشحذ الهمم حول الوحدة العربية ،وهو أول من لجأ للإنفصال ،بل ووقف متفرجا على عمليات الذبح الصهيوني للفلسطينيين ،وشارك فيها عام 1982 ليسهل عملية تحقيق النصر من قبل السفاح شارون.
عندما قدر الله في اللوح المحفوظ وقوع معركة الكرامة في منطقة الكرامة الحدودية مع فلسطين ،فإنه أراد أن يرسل لنا رسالة مفادها أن منطقة الكرامة ستبقى أرضا مفتوحة للمواجهة، وأنها ستكون أيضا أرض المواجهة الأخيرة بين الحق والباطل التي يطلقون عليها “هرمجدون” ،وبناء عليه فإن ما جرى ليس النهاية فالمواجهة الكبرى أصبحت قاب قوسين او أدنى ،وستكون الغلبة لنا بإذن الله.
تحركت الحافلة من أمام رابطة الكتاب في الساعة الثانية عشرة ، وبدأ الرفاق بالتسخين وغناء “موطني” ،ولأول مرة اجد نفسي عصيا على البكاء كعادتي عندما أستمع لهذا النشيد الوطني أو أشارك فيه ،فقد كنت منشغلا في الغوص في اعماق معركة الكرامة وخفاياها التي لم تنشر بعد وتداعياتها ، وأننا لم نصن ذلك النصر المؤزر ،بل فرطنا فيه وحولنا العدو إلى صديق ،فأي بشر نحن نفكر بالمقلوب.
بعد ذلك إستمعنا إلى اناشيد واغاني وطنية وثورية مسجلة ،لكنني وجدت نفسي منعزلا عن المجموع سارحا بما آل إليه الحال العربي وما وصلنا إليه من وضع مخز بتنا فيه ندفع الجزية للغرب ونكرس من جديد حكم الطوائف ،وكان المشوار ثقيلا عليّ .
وصلنا أرض المعركة وكم تمنيت ان يعود التاريخ إلى الوراء خمسين عاما لتكون زيارتنا للمشاركة في صنع النصر، لا لوضع إكليل من الزهور على ضريح الجندي المجهول الذي يمثل الشهداء الأردنييين والفلسطينيين على حد سواء.
رأيت نصب الجندي المجهول يقف شامخا ووجهته الغرب بإتجاه فلسطين حاملا بندقيته وكامل عتاده البسيط ،ويقيني أنه لم يدر بخلده أننا خدعنا شهداءنا الذين يئنون في خلودهم منذ أن أصبح العدو الذي دحروه صاغرا ذليلا ،صديقا لنا ننسق أمنيا معه ونرتبط معه بإتفاقيات ومعاهدات سلام لم ينفذ هو منها حرفا واحدا.
إستقبلنا النشامى من الجيش الأردني الذين يحرسون النصب التذكاري للجندي المجهول والمجنزرات والدبابات والمعدات العسكرية الصهيونية المعطوبة المحتجزة شاهدا لا يكذب في أرض المعركة على نتائجها.
وقدم لنا الرائد جودت الرواشدة شرحا مفصلا عن معركة الكرامة وكيف تمكن المدفع الرشاش 106 من طحن مجنزرات الصهاينة الغزاة،وكيف تحركت المجنزرات الأردنية من لواء 60 واللواء الهاشمي ،بدون ناقلات على الأرض من طبربور بعمان إلى أرض المعركة في الكرامة لتسجل النصر العظيم ،وبلغ عدد الأولوية الأردنية ثلاثة ألوية في كل لواء ثلاث كتائب،وأن المعركة إستمرت 16 ساعة خسر فيها العدو 250 قتيلا منهم 17 ضابطا و233 من الرتب الأخرى،كما خسر العدو 7 طائرات نفاثة وسقط له 450 جريحا بين ضابط وضابط صف وتم إعطاب 88 آليه ،ويقيني أن الخسارة الكبر لهم هي انهم هزموا شر هزيمة ،وانهم طلبوا وقف إطلاق النار في العاشرة من صباح اليوم الخالد بحسب شهادة البطل مشهور حديثة الجازي الذي قاد الجيش الأردني ،لكن الراحل الحسين رفض الإستجابة لذلك الطلب المهين ،وأراد ان يعاقب الصهاينة.
قمنا بعد ذلك بجولة على المعدات والمجنزرات المعطوبة الشاهدة على نتائج المعركة والتي تديننا اليوم في نفس الوقت لأننا تخاذلنا وإستسلمنا للصهاينة،وكان الأجدر أن نتحد معا ونرفض الإستسلام … وقد آذاني عدم ذكر البطولات الفدائية الفلسطينية في تلك المعركة ….ولهذا قصة ستروى بعد حين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق