ثقافة السرد

غـــــــــائبــا

بقلم‏:‏ محمد العشري

دخل سعيد بلبول علي قائده‏,‏ ليخبره أنه في حاجة إلي اجازة‏,‏ بعد أن أعلمه الأب بموافقته علي اختياره لعروسه‏,‏ وسوف يزوجه في أول تصريح يحصل عليه بعد قراءته لرسالته‏ حاول أن يختصر المسافة‏,‏ طلب الإذن بالدخول إلي القيادة‏,‏ القائد في ذلك الوقت بدا عصبيا‏,‏ متوترا يجري اتصالات‏,‏ يرتب معدات وأسلحة‏,‏ وبخه بشدة‏,‏ قال معطيا له ظهره‏,‏ نافثا دخانه في الإضاءة الساقطة عليه‏,‏ رادا علي نفسه بمرارة وتهكم‏:‏…

‏*‏ أنت فعلا ستأخذ تصريحا‏..‏

‏**‏ إلي أين‏..‏؟

‏*..‏ إلي اليمن‏.‏

بعد أن تفاقم الوضع المضطرب بين القبائل المتناحرة علي السلطة‏,‏ شب صراع دموي عنيف مع الحاكم‏,‏ الذي استنجد بمن حوله للسيطرة علي المتمردين‏,‏ تحركت الوحدات العسكرية لتهدئة الأمور‏,‏ ومساندة العربي المستغيث بأخيه‏,‏ ذهب إلي صراع لايعلم عنه شيئا‏..‏

‏..‏ من مع من‏..‏؟

‏..‏ أو من ضد من‏..‏؟

الذاهبون جميعهم تساءلوا‏,‏ لم يجدوا أحدا باستطاعته أن يجيب‏,‏ بقوا جنودا مؤجرين‏,‏ يحاربون هواء يعصف بهم في هبوبه وهجماته المفاجئة‏,‏ التي تنزل من الجبال‏,‏ دفاعا عن لونها وعصبيتها وخصوصيتها‏.‏

‏**‏ بعد أن قبض إبراهيم بلبول علي شهادته العليا في الآثار‏,‏ أرغم والده علي أن يبيع أفدنة من أرضه‏,‏ وجلس امامه يحصي المال ويدون في دفتره‏,‏ والأب واقف فوق رأسه يبتسم‏,‏ يصب النصائح في أذنه‏,‏ وهو يري طموحاته تتراص فوق بعضها‏,‏ تبني حائط المجد الذي سيأتي به‏,‏ بعد سفره في عرض البحر في اتجاه البلد البعيد الذي وافق علي رسالته‏,‏ رتب لاستكمال دراسته للحصول علي الدكتوراه متطلعا اليها بعينين ملهوفتين‏.‏

‏**‏ قال بلبول لابنه قبل أن يسافر‏:‏

‏*‏ ياولدي فلتبق هنا وتعمل بشهادتك العليا بجانبنا‏.‏

ـ يا أبي سوف تمر الأيام سريعا‏,‏ وستجدني أمامك فخرا لك ولأمي ولأخي سعيد‏.‏

ــ لقد حاولت معك كثيرا‏,‏ في النهاية وافقت علي ماتريد من أجلك فقط‏.‏

ــ باراك الله لي فيك وأمد في عمرك‏.‏

ــ فلترع دينك ووطنك في كل تصرفاتك

ــ إن شاء الله سوف أرفع رأسك عاليا‏.‏

ــ المهم أن تركز في دراستك‏,‏ تختصر الوقت قدر الإمكان‏.‏

ــ أنت تعرفني جيدا‏,‏ تعلم أن حبي لدراسة الآثار نبع من كثرة ماحدثتني ورويت لي عنها‏,‏ فشببت علي حبها الذي تعلمته منك‏.‏ فكثيرا ما كنت استمع إليك وأنت تتغني بها مفاخرا‏,‏ أنا أتبعك إلي ذلك البيت العتيق الذي خلفه لنا الأجداد في البحيرة‏..‏ أضاف‏,‏ وهو يعلق حقيبته‏:‏

ــ والله كنت أود أن ألقي عليه نظرة أخيرة قبل سفري‏,‏ لكن الوقت حان كي ألحق بالباخرة قبل أن تفجر بوقها في الأذان‏.‏

أومأ الأب‏..‏ هز رأسه بحزن‏..‏ دمعت عيناه‏,‏ أخذ يمسحهما بكم جلبابه‏..‏ احتضنه بين ذراعيه‏..‏ ضخ حنانه في أوردته قبل أن يتركه‏.‏ حين هدأ من انفعالاته أنام رأسه علي صدر أمه لفترة طويلة‏,‏ وهي تمسح علي جسده‏,‏ ووجهه‏,‏ وشفتاها تبتهلان بالدعاء إلي الله أن يحفظه‏,‏ ويعيده إليها سالما غانما‏,‏ ويعيد إليها ولدها سعيد‏..‏ ذهب إلي الميناء مصحوبا بالدعاء‏,‏ والدموع قد غلبتهم جميعا‏.‏

بالكاد يستطيع بلبول أن يتعرف علي أحرف اللغة العربية‏,‏ ظل أمله متأججا في صدره لكن أباه آثر أن يبقيه بجانبه يزرع الأرض ويحرثها معه‏,‏ يدا بيد‏,‏ ظلت تلك الرغبة حبيسة في عقله‏,‏ لكنه لم يجد الوقت والفرصة لكي يحققها حتي بهتت شيئا فشيئا بمرور الوقت‏.‏ حين تطل الأفكار في الرأس ولا تخرج إلي حيز التنفيذ تشعر بالملل وتذهب‏,‏ وربما تجدها تتحقق علي أيدي أناس آخرين حين تزوج وأنجب ابنيه‏,‏رتب وأعد لهما مسارا لكي يسلكا وينتهجا ما أحبه ولم يستطع تحقيقه‏,‏ لكن الأمور دائما لاتسير وفق مايريد منها البشر‏,‏ تعثر سعيد في صغره‏,‏ فشل في الانطلاق إلي ما رتب له‏.‏ حاول الأب مرارا لكن الولد لم تكن به رغبة في تلك الحياة الأخري‏,‏ فاندمج معه فيما يعمل‏,‏ أصبح ملازما له‏,‏ منطلقا ومحبا للأرض وللرفاق‏,‏ يجوب الحقول نهارا‏,‏ ويستمتع بالسمر ليلا‏.‏

تفوق إبراهيم منذ صغره‏,‏ فكان ينجح العام تلو الآخر حتي حصل علي شهادته العليا‏,‏ والأب فخور بما أنجزه‏,‏ بما حصل عليه مؤخرا‏,‏ لكنه لم يقنع بها حققه من إنجاز في تاريخ الأسرة أنه الابن الوحيد الذي تعلم في الأسرة كلها‏,‏ ورغبته في أن يحقق أكثر من ذلك تصهره‏,‏ فجلس إلي أبيه في أحد الأيام‏,‏ أخذا يسترجعان تاريخ الأسرة حتي وصلا إلي سابع جد ولم يجدا متعلما واحدا من قبل أحصي القلة القليلة المتعلمة في القرية‏,‏ التي يعمل نصف أهلها بالزراعة‏,‏ والنصف الآخر يمتهن الصيد في البحيرة التي تنام تحت قدميها‏,‏ ضاربة في القدم إلي تاريخ الأجداد الفراعنة‏,‏ وآثارهم موجودة في الماء إلي الآن‏,‏ رغم أنه قد طمس الكثير منها‏,‏ فالصيادون يعرفون تلك الأماكن المطمورة‏,‏ وينقلون تلك المعرفة لأبنائه جيلا بعد جيل‏.‏

وضوء الشمس ينفرد علي سطح الماء‏,‏ وقف طائر النحام بساقيه الطويلتين وألوانه المبهرة وعنقه الخرافي‏,‏ علي جزيرة صغيرة ناتئة في البحيرة‏,‏ هاربا من القاع الغرينبي الذي يلتصق به ويوحل أصابعه الممتدة في طراوته‏,‏ مبتعدا عن سربه‏,‏ يرقب أنثاه وهي تضع بيضتها الوحيدة في العش الطيني المخروطي‏,‏ في انتظار أن تسقطها فيذهب إليها‏,‏ ليحتضنها معها لمدة ثمانية وعشرين يوما‏,‏ بعدها يصطحب صغيره إلي الماء ويدوران حول البيت الحجري المقام علي الجزيرة المجاورة‏,‏ يشقان أحراش الغاب‏,‏ يصعدان إلي الباب وينامان أمامه‏,‏ وعينا النحام الأب علي بلبول النائم في الداخل‏,‏ فقد عوده أن يلقي إليه ببعض الأسماك والمحار كلما أتي إلي انيس وحين فتح الباب وخرج إليهما‏,‏ سمعا الأصوات الزاعقة آتية من خلفهما في صحبة أنثاه‏,‏ تفتح الأحراش وتصطف حول صديقها‏,‏ فاتحة مناقيرها الضخمة‏.‏

تزوجت تماضر من بلبول وهي في سن الرابعة عشرة‏,‏ ظلت ثماني سنوات دون إنجاب‏,‏ جربت كل ما أشار عليها به نساء القرية من حيل‏,‏ وتمائم‏,‏ وتعاويذ‏,‏ ذهبت إلي عرافات كثيرات كي تفك عقمها‏..‏ ظلت طوال تلك السنوات الثماني في توتر دائم‏,‏ حتي تملك منها اليأس وختم علي روحها‏,‏ أشارت علي زوجها في مرات كثيرة أن يتزوج بأخري تلد له الأبناء‏.‏ لكن بلبول كان يأبي‏,‏ علي غير عادة أهل القرية‏,‏ محافظا علي الود والرفقة والأيام السعيدة التي أمضاها معها‏,‏ ضاربا عرض الحائط بنصائح المحيطين به‏.‏

ذات يوم‏,‏ بينما هو جالس في بيته‏,‏ بعد أن عاد من عمله في الأرض‏,‏ سمع دقات متتالية تقع بعنف علي الباب الخارجي‏,‏ وتماضر منذ الصباح في بيت أبيها لزيارته‏,‏ كان أبوها من كبار رجال القرية‏,‏ معظم من يفد علي القرية من غرباء يمر عليه ويستضاف عنده‏.‏ فتح بلبول الباب‏,‏ رأي زوجته برفقة أبيها‏..‏ رحب به ترحيبا لائقا‏,‏ أفسح له الطريق بانحناءة خفيفة‏.‏

ذهبت تماضر لإعداد الشاي‏,‏ بينما جلس الأب والزوج وجها لوجه‏,‏ في ساحة البيت‏.‏ فكر الزوج في تلك النظرة التي تعتلي وجه حميه‏,‏ كانت المرة الاولي التي يراه فيها بهذا الشكل‏..‏ مزيج من التعبيرات المختلفة‏,‏ المتناقضة في آن واحد‏,‏ وصمت مفرود بينهما علي غير العادة‏..‏ بدا كأنه يحاول أن يرتب شيئا ما في رأسه‏,‏ شيء حدث هناك في بيت الرجل وأتي به إلي ابنته‏.‏ قاطعا الصمت والترقب‏,‏ قال‏:‏

ـ ماذا بك يا عمي؟

نظر حموه إليه وحمرة الخجل تعتلي وجهه‏.‏ قال‏:‏

ـ أتيت لزيارتك‏.‏

ـ أهلا وسهلا في بيتك‏,‏ لكنني أري أن هناك ما يشغلك‏.‏

ـ حقا يا بلبول‏,‏ هذا صحيح‏.‏

ـ بالله عليك لا تزد من حيرتي‏..‏ أخبرني ما الأمر‏.‏

ـ اسمع يا بلبول لا تندهش‏,‏ إنه حقا شيء لا يصدق‏,‏ وسوف أخبرك به لنري ماذا سنفعل‏..‏؟

وأضاف‏:‏

ـ لقد مرت علي بيتي في هذا الصباح عرافة من بلد بعيد‏,‏ مشهورة بالحنكة في أمور الزواج والإنجاب‏..‏ انتهزنا تلك الفرصة وعرضنا عليها الأمر‏,‏ طلبت منا العرافة أن تختلي بتماضر في غرفة وحدها‏,‏ وبعد خمس دقائق سمعنا زغرودة عالية من العرافة في فضاء الدار‏,‏ فدهشنا‏,‏ ذهبنا إليها‏,‏ فأخبرتنا بأمر مازلت في حيرة منه‏..‏ سكت الرجل‏.‏

ـ وما هذا الأمر؟

ـ قالت العرافة إن تماضر مازالت بنتا حتي الآن‏,‏ وأكدت لي ذلك‏.‏

وقع الخبر علي رأس الزوج كالصاعقة‏,‏ فضحك بصوت مرتفع‏,‏ وتساءل‏:‏

ـ كيف يكون ذلك؟‏..‏

ونحن متزوجان منذ ثماني سنوات‏.‏

أضاف بصوت خفيض‏:‏

ـ وهل تصدقها يا عمي فيما تقول؟

ـ ولم لا وقد أكدت ذلك؟

ـ ربما تقول هذا الامر طمعا في مزيد من المال‏,‏ وسوف ترحل بعيدا‏..‏فمن يسألها‏,‏ وهي في النهاية عرافة‏,‏ تجوب البلاد والقري‏,‏ طولا وعرضا‏.‏

ـ قالت المرأة إنها لن ترحل قبل أن نتأكد مما أخبرتنا به‏,‏ وأنه أمر صحيح ومعروف بالنسبة لها‏.‏

أضاف الرجل وقد اصطبغ حديثة بالود‏:‏

ـ يا بلبول أنا لا أريد غير صالحكما‏..‏ وحين قالت ذلك‏,‏ تبادر إلي ذهني أنك ربما‏..‏

وقد أتيت إليك لأشرح لك ما يجب عليك فعله‏,‏ بعد أن أرحل من هنا‏.‏

ـ والمنديل الذي سلمتك إياه‏..‏؟

ـ لا أدري يا بلبول فأنا في حيرة من هذا الأمر‏.‏

في الغرفة الداخلية‏,‏ ارتكنت تماضر إلي السرير‏,‏ بعد أن أعدت الشاي منذ زمن‏,‏ فقد كانت خجلة من الدخول علي أبيها وزوجها‏,‏ وهي تعرف أنهما يتحدثان في أمر يخصها‏,‏ ويخجلها‏,‏ فوقفت خلف الباب والشاي في يديها‏,‏ عندما سمعت وقع خطوات زوجها متجهة إليها‏.‏

ـ ماذا تأخرت بالشاي؟

لم تجب‏..‏ ناولته إياه‏,‏ فضحك‏..‏ عاد إلي حميه‏,‏ الذي وقف مستعدا للخروج‏..‏ تناول كوب الشاي‏,‏ ارتشف منه رشفة واحدة وأعاده‏..‏ قال لهما‏:‏

ـ سوف أذهب الآن‏,‏ فاشرباه أنتما‏.‏

حين شرع بلبول في الزواج‏,‏ قرر أن يبني بيتا علي أطراف أرضه‏,‏ بعيدا عن بيوت القرية‏,‏ فقد كان مؤثرا للعزلة‏,‏ متجنبا ثرثرة الناس‏,‏ غير محب للمقاهي واللهو‏,‏ والأهم من ذلك الابتعاد عن عمدة القرية وطغيانه‏.‏ كان يحب أن يجلس إلي نفسه‏,‏ يفكر في أمور كثيرة‏,‏ وفي معظم الأوقات يدخل إلي البحيرة‏,‏ يبقي لمدة طويلة في البيت الذي ورثه في وسط الماء فوق ربوة عالية‏..‏ يدخل بعد مداعبته طيور النحام الكثيرة‏,‏ يدهشه قدم البيت وصلابته فيمرر أصابعه وكفه علي النقوش البارزة التي تزين الجدران‏,‏ يزيل التراب من فوق تلك النقوش سعيدا وفخورا بآبائه وأجداده‏,‏ الذين عاشوا في تانيس‏.‏ اختار ذلك المكان ليبني فيه بيته‏,‏ حتي يكون قريبا منه ليذهب إليه حين يريد‏,‏ كان في قرارة نفسه‏,‏ يفضل لو كان يعمل بالصيد حتي يسكن فيه داخل البحيرة‏,‏ يقضي فيه كل أيامه ولياليه‏.‏

فصل من رواية جديدة تصدر قريبا بعنوان‏(‏ تانيس‏॥‏ رائحة منسية‏)‏

‏**‏ محمد العشري كاتب من مصر

له خمس روايات‏(‏ غادة الأساطير الحالمة‏)‏ و‏(‏نبع الذهب‏)‏ و‏(‏تفاحة الصحراء‏)‏ و‏(‏هالة النور‏)‏ و‏(‏خيال ساخن‏)‏

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق