ثقافة السرد

أدركته حرفة الأدب

بقلم: الحسن بنمونة*

كانت الأفكار تتلاطم في رأسه . تحدث أمواجا عاتية تصدم الشاطئ الذي كان هادئا. لا يهدأ له بال حتى ينثرها في أوراق كانت قبل قليل بيضا ، ناصعة البياض ، بريئة .سودها عنوة أو قسرا أو عن طيب خاطر . يسمع أصوات حركات غير مزعجة لا تثير أعصابه . هي حركات صادرة عن الزوجة والأولاد .إنهم يتابعون مسلسلا من ثلاثين حلقة .قال في نفسه : في يوم ما سأدلي بدلوي في هذا الميدان…

– 2 –

وهو نائم كانت الأفكار تدعوه إلى أن يزيح عن كاهلها ثقلا لا يحتمل.تمثلها في أبدان مقيدة بسلاسل وأغلال، في كهوف مظلمة، وأيديها تمتد نحوه متوسلة .ولأنه يمتلك خزانا من المعرفة النفسية فقد أول الحلم على الشكل التالي : نتمثل التوافق الذاتي في الكتابة والإبداع.

_ 3 _

قيض له أن ينشر مقالات أدبية في جرائد تقيم أودها أحزاب سياسية ، ومجلات وطنية وعربية .لم يكن هذا كافيا ليجعل منه كاتبا على غرار العميد طه حسين أو العقاد ، فالكتاب كثر كالذباب أو النحل ، وهم ملل ونحل وجماعات تثير الصراعات الجانبية .ولهذا عزم أن يجد لنفسه مكانا في هذا الخضم المزبد.

_4 _

في الندوة التي أقيمت بمناسبة تأبين شاعر تفتقت قريحته عن أفكار استغرب هو نفسه أن تكون من لبنات فكره . قال كلاما من قبيل أن شاعرنا نظم القصيدة العمودية لأنه لما كان صغيرا كان يعمد إلى تسلق عمود كهربائي ، وقد صادف أن مرت دورية شرطة فقبضت عليه بتهمة تخريب ممتلكات الدولة .  هذه الحادثة أثرت في مسيرة كاتبنا الأدبية .

_5_

أحيانا لا يجد أي غضاضة في أن يتخيل عالما أدبيا فريدا لا يدخله إلا الموهوبون أمثال طه حسين والعقاد والمازني وزكي مبارك. لا يجد أي غضاضة في أن يخدمهم ، كأن يمسك بيد طه حسين الضرير ويقوده عبر مسالك القاهرة ، أو ينسخ مخطوطات العقاد ..أو ينتصر للمازني في حربه الأدبية ضد عبد الرحمان شكري…

يقول إن هذا العالم جميل جدا جدا ، إلى درجة الشعور بالغثيان . صداقة الكتاب العظام لا تعادلها أي صداقة . صحيح أنهم ماتوا وشبعوا موتا ولكنهم مازالوا يقودون العالم بيد من حديد .فمن ينكر أنه تعلم على أيديهم ؟ . سيكون ناكرا للجميل لو فعل ، وهو لن يفعل .وفي الجلسات الأدبية التي تقام مساء كل أربعاء في مقهى الليل والنهار يصرح بذلك دون خوف من أي انتقاد .ولهذا وسمه أصدقاؤه بالكلاسيكي المنبوذ .

_6_

بدا أنه خائف من النقد الذي قد يوجه إليه في الندوة التي ستقام بمناسبة صدور روايته ” سنوات الفلين” .يأتيها كتاب من مدن مختلفة، كتاب لهم باع طويل في نثر الكلام على عواهنه . أصدروا كتبا نالت استحسان بعض البرامج الثقافية .كان يغبطهم لأنهم سافروا إلى مدن ودول للتعريف بأدبنا .صحيح أنه الآن تعرف إليهم وقد صاروا أصدقاء له ، ولكنه لا يستسيغهم . لنقل إنه يتبرم منهم لسبب أدبي أو غيره حتى لا نثير أحدا . وهم ، أيجهلون هذا ؟ كلا .

-7-

يقول : ما للأدب للأدب ، وما لقيصر لقيصر .

_8_

الدهر يفني الجبال والأحجار . وابن آدم ، من يكون ؟

_9_

في النهاية ينتهي الأمر إلى تنظيم تكريم بمناسبة وفاة الأديب الفلاني ، أو الشاعر الفلاني . يقال كلام كله بهتان ، ويتفرق الجمع إلى حين .

_10_

استحسن النقاد الذين جاؤوا من مدن كثيرة الرواية . قيل كلام عن التجديد والسرد والشخصيات التي تسعى إلى إثبات الذات  .كان الاستماع إلى تلك الخزعبلات جناية لا تغتفر ، ومع هذا كان عليه أن يهز رأسه موافقا ، ويبتسم لهذا الكاتب أو ذاك .وانتبه فجأة إلى عينين تبرقان.كانت لشابة في مقتبل العمر . تتابع الكلام بانتباه شديد .ولا يدري كيف جنح إلى عالمه الفريد فقابل الحكيم الذي حذره من النساء الراغبات في الصداقة التي قد تصير جحيما لا يطاق ، وأسر إليه كيف أنه كان عدوا للمرأة . وكان طه حسين يرمقه بعينين ماكرتين ويضحك وكأنه عرف أنه كاذب ، وجاء العقاد بقامته الفارعة ليطلب مقالة من حسين لملء فراغ في جريدة ، وقد رأى كيف أن طه غضب فرماه بكتاب “حديث الأربعاء ” ، وتنتهي الحادثة بتدخل الحكيم لإصلاح ذات البين . وتبين ملامح المكان الذي كان فيه قبل قليل ، فرأى الوجوه تنظر إليه مشدوهة . عرف أنه غاب عن روايته والنقاد الذين يتبرم منهم .

_11_

في غمرة الأشواق والحنين إلى الماضي العريق ، يحلو له أن يتمثل نفسه عملاق الأدب العربي ، فيكتب مقالات يصارع فيها الصبية الذين يجسرون على تسلق جبال هي في غنى عنهم .يسب هذا أو ذاك ، ويكيل التهم لهم قائلا إنهم يحشرون أنوفهم في ما لا يعنيهم ، ومن قبيل هذا الكلام : إن الأدب بريء من ترهاتهم ، وهم يجرحون اللغة العربية بسكاكين صدئة .يا لها من أفكار كلفته ثمنا غاليا !. فقد أهينت كرامته _ هكذا بدا له الأمر _  وعفر وجهه في التراب ، إذ تصدى له أدباء فوسموه بالكلاسيكية العفنة التي ترجع الأدب إلى الوراء .

ويقول (محدثا نفسه ): أي شؤم يلاحقني ؟ ما لي وهذا الأدب ، وإن شئت ، من أنا ؟.

_12 _

من أنا ؟ هذا سؤال فلسفي لم يعد يمتلك المقدرة على الإجابة عنه ، فاهتمامه ينصب الآن على الرواية .

_ 13 _

في غمرة التحدث إلى النفس ، وهي قيمة حباه الله بها ، يجد نفسه قبالة عمالقة الأدب والفن الذين قضوا . يحدث هذا أو ذاك وكأنه حي يرزق . لفت انتباه أبنائه فدعوا على هذا الأدب بالبوار والكساد . جلس في المقهى فاشرأبت إليه الأعناق . كان يرشف قهوته ويتحدث بصوت مرتفع عن الكلاسيكية والرومانسية والواقعية المجني عليها . لم يكن أحد من الرواد يفهم شيئا مما يقال ، لأن ذلك لم يكن يهمهم . كانت أعينهم تلاحق ما جدّ في ساحة اللعب بالكرة . صياح وصخب آلم أذنيه فهب واقفا ثم ارتمى إلى الشارع . طفق يمشي بتؤدة مستذكرا أحواله الأدبية والروائية التي أصابتها رصاصة طائشة فأردتها قتيلة ، مضرجة بدمائها . وهي في الواقع دماء متخيلة لشخصيات من ورق . هذا الأمر أضحكه كثيرا . لم يكن يظن أنه كان يلعب بشخصيات من ورق .

في البيت دثره أبناؤه بأردية ثقيلة لأن بدنه كان يرتجف . أبه مس من جنون الأدب ؟ كلا . فهو الآن يلعن هذا الأدب ، ويلعن هؤلاء الأدباء الذين أورثوه حرفة لا تني تؤلم صاحبها . كلام وقيل وقال ونميمة وبهتان وسباب ولعنات . كان أبناؤه متحلقين حواليه يبكون لأنهم رأوا أنه يغمى عليه . صار بدنه صلدا باردا آيلا للسقوط إلى الحضيض .كان هو قد ترك وصية أدبية تقسم إرثه القصصي بين أفراد عائلته . بسطها  الابن الكبير ليقرأ ما خطه الأب الأديب فيها .لم يكن بها شيء ذو أهمية . كانت بها هذه السطور : كانت الأفكار تتلاطم في رأسه. تحدث أمواجا عاتية تصدم الشاطئ الذي كان هادئا .

مات وفي نفسه شيء من حتى .


*كاتب من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق