قراءات ودراسات

قراءة انطباعية في رواية “عائد إلى قبري” للكاتبة زكية علال

قلم: إلهام بورابة

زكية علال من الأسماء التي التقيت بنصوصها في الثمانينيات. خبّأت لها نصا بين ماكتبت وهمست له : عسى ألتقي كاتبتك ذات حياة.” ودخلتٌ قبري.

عائد إلى قبري. عنوان استفزّني جدا ألتقي به وأنا أخرج من قبري لألتقي الناس الذين ودّعتهم على أمل ما. قلت في نفسي هذا شيء يشبهني . ولابدّ أن أسبق القدر لأعرف الطريق الذي جعل صاحب هذا القراريعود إلى قبره لعلّي أختصر طريقي وألوذ بقبري غير آسفة . فالعنوان يحمل كثير من الأسف وأثار فيّ رهبة. شعرت ما قد كان كابده هذا العائد إلى قبره من فجائع. فلا أحد يختارهذه العودة. هنا لا داعي للسؤال عن مجازية المعنى من حقيقته. لكن تهلكنا أسئلة أخرى مثل ، لماذا خرج؟ إذا سلّمنا بداية بمعرفتنا بأن البطل ميت مقبور. كيف كانت حياته الثانية ؟ إلى أين ؟ وماذا حدث؟ ما الحجة التي ردّته إلى قبره؟

الذي يخرج من قبره إمّا أن يكون قد عاش سعادة أولى ويطمح إلى إعادتها ، أو له أمل في تجربة أخرى بعد تجربة قاسية. فأيّ نوع من الإثنين صاحبنا الذي سنشرف على طريقه والعنوان يتيح لي شعورا بالألم؟

مع زكية علال نعرف هذه التجربة. برواية مثقفة جداعلى لسان يوسف صحفي جزائري . أستطيع الجزم أن الكاتبة وفّقت تماما في تقمّص المذّكر حتّى في أشدّ مواطن الذكورة للحدّ الذي خشيت فيه انحرافا وأنا أضع قلمي بدلها وهي تدخل معابرالحسّ تجاه أنثى. كما أنها اتّخذت لغة أداة لترسيخ تقمّصها لمهنة الصحافة. فقد جاءت اللغة تقريرية باهتة لم ينقذها من الرتابة إلّا كون البطل شاعرا فنفذت لغة شعرية جميلة إلى بعض المعابركأني بالكاتبة تتصيّد فرصة لتفلت بلغتها من قبضة الصحفي.

تبدأ الرواية بمدخلين ثم تتوغّل بفصول بلا عناوين. مدخل أول غير عابر. هكذا اختارت له أن يكون . وقد كان فعلا. فالفكرة أشعر بها عظيمة وعميقة لكن اللغة لا تنجو بها. وكأنها تحتاج إلى استعانة بأداة أخرى. فلتكن المصوّرة ،أداة الصحفي الثانية. لذلك وفقت في المدخل الثاني إذ أشارت إليه ب: مدخل عابر. ومما جاء فيه” العين وإن كانت واحدة فإنها تنقل بحرص”. وهذا تأخذه من نهاية الرواية على لسان إنعام إحدى شخصياتها المهمة.

هنا تبتدئ الرواية من نهايتها.العودة إلى المقبرة. العنوان مباشرة يقع على النهاية.هذا مثل نظرية فيزيائية تنفي المسافة بوجود استدلالات وعوامل تنفي الزمن. كأنه الفناء.

وحده الصحفي ينطق عن الرواية . ولست أقدّم ملخّصا لما حدّثنا به وإنّما أسير معه أشجّعه مرّة وأؤنبه مرّة . منذ البداية أزعجني باستعراض ثقافته كمن يعلّمنا ما لم نحط به خبرا لكنه ضغط على يدي يريّثني فتريّثت ومضيت في أحداث رواية تدمج أحداث التاريخ بكلّ فصل فيها تستقرئ قرائن حتمية لتثبت أن التاريخ يعيد نفسه منذ لحظة البشرية الأولى وتقدّم لنا كلمات مفاتيح مهمّة أبرزها الحكمة ، الرمي ، الخيانة. مفاتيح مجمّعة معا عجبت من تحكّم الكاتبة في السير بها على طول الرواية من فصل لآخر.

تمضي بنا الرواية بلغة ثقيلة منذ المقبرة تجيب على أسئلة كنا طرحناها . السؤال، متى دفن ؟ لم أطرحه لكنّ جوابه حضر. وكان أهم جواب بل هو ركيزة الرواية. في عشرية حمراء مرّت على الجزائراغتيل أبو الصحفي . قطعوا رأسه وعلّقوها على شجرة .ظلّ مصيرباقي الجسد مجهولا بينما دفنت الرأس. كانت الصدمة كبيرة أدخلت الإبن مغارة الدم . مات شعوره بالحياة. إنّه ميت الآن وله قبر مع والده. فهل ردّ الحياة إليه فعل حكيم؟ أيتها الحكمة تستنجد بها الرواية لتخذلها بعد رحلة حياة أخرى لم تكن إلّا برنامجا للموت.

لم تكن الحياة إلا لقاء يوسف بسعاد . معا ، الحب والشهرة ، كانا الحياة الجديدة. طمعا في أمل مسبقا قدّمته له ثقافته كاذبا تَقدّم لهذا الجديد خائنا قبره وظلّ في تقدّمه حتى خان حبيبته . ومن يظلّ يتقدّم يقدّم خيانات أكبر. وهذا هو التاريخ الذي يعيد نفسه . الإنسان هو ذاته التاريخ . ومع تقدّم الرواية نفهم ضرورة كل الحِكم الواردة واللجوء إلى الحكايات التاريخية .

إلى العراق ، تقدّم الصحفي . أستحضر أنا الفيلم الجزائري نهلة ، حكاية صحفي جزائري يغطّي أخبار الحرب الأهلية في لبنان. أعود لأغنية : اطلعوا من صوركم ، من الحيطان . صرتوا وردة حمرا تطلع بنيسان. الوردة الحمرا راح تيبس وراح يخلص الزمان. فأدرك أن مصير الصحفي في العراق هو النهاية. لأنه عربي . اجتهدت الكاتبة في تقديم وضعنا العربي من استنتاجات حتمية التاريخ.كأنها تتملّص من رؤيتها لرفع ملامة أو للنجاة من تهمة. فيحضر هارون الرشيد والحجّاج وبنو أمية وبنو العباس في توظيف محبك مهم . وتحضر ألف ليلة وليلة في هيئتها العجائبية ، ليس فقط لعرض ثقافة البطل أو الكاتبة ، بل لتفسيرأعجبني جدا. لتقول أن كل ما يحدث هو لعبة الجنّ . فليس لبني الإنسان يد في دمار الأرض. ليس لمؤامرات الغرب يد أيضا . ليس على العرب من حرج وهم يحبطون في الحياة وفي الدم وفي العرض. أيتها الخيانة ، لا حرج عليك . أيتها الحكمة ، ليس لك داع. هي حيلة المنهزمين. لكنّ الشرفاء منهم ،ينجون بالموت اختيارا.فهل هذه هي حالة يوسف أيضا؟ يوسف الذي خصت الحرب حصانته الذكورية وفجّت رأس حلم الحياة / الزواج.

قلت ، لست أقدّم ملخّصا للرواية . لأعرض ماحدث ليوسف . أنا أقرأها ، لذلك أقف كل مرة عند إثارة أو خيبة . وأعود لنص الرواية ضرورة. مثلما أعود إلى سؤال : كيف خرج من المغارة /القبر؟

الجواب جملة هي : سحبتني من قلبي وخرجت بي من مغارة الدم. الحديث هنا عن سعاد التي جعلته بحنكتها صحفيا وهو المتخرّج من كلية الحقوق. لكنّ الجملة جاءت في سياق لغوي باهت . لا حرارة فيه تبيّن إقباله على الحياة . قتل الأسلوب الخبري كل دعوة للحياة. في حين أحتضن الشعر العودة إلى القبربدعوة حارة في هذا التداعي الجميل :

مبتور حلمك أيها العائد من حرب قذرة

مسكون صدرك بالانكسارات

آه يا أمي ، يا هذا الوجع في دمي.

فهل حقا كانت سعاد الحياة؟ قطعا لا . الحياة إنعام . فإذ اشتدّ إقباله عليها مات. وظلّت المصوّرة التي التقطت الرواية. ولو بعين واحدة .هنا أيضا تناص غريب مع الفيلم الفرنسي La jetée de L’Orly. فيلم من نوع الخيال العلمي . قصة مصوّرة تروي خضوغ أحد الناجين من حرب عالمية ثالثة لتجربة مفادها استحضار الماضي والمستقبل لصالح الحاضرعبر ثقب في الزمن هو آخر فرصة لنجاة العالم الحاضرمن الفناء . الخاضع للتجربة التقى في انتقاله للماضي بوجه امرأة لم يعرفها في ماضيه . لكن قدراته الخلّاقة أستدعتها من الخيال. وحين اختار حسب التجربة الانتقال للماضي على حساب المستقبل الذي فيه النجاة ،لأجلها، اغتاله أحد القائمين على التجربة. أُسقِط هذا على الرواية لأسأل ، هل كانت إنعام من إبداع الصحفي؟ لم تكن سعاد امرأة خياله قط وهو القائل لها تناصا مع أغنية : لو لم تكوني لأبدعتك. وهي الأغنية التي أرفقها أحد روّاد النت لفيلم La jetée. وهنا أيضا تفاجئني الكلمة المفتاح ” رمي” التي تكرّرت عديد المرات مثل: أن يكون آخر من يعبث بهذا الجمال ثم يرميه/ تتفرج على مدينة تهوي / ترمي بوسادة الخنوع في نهر الرافدين/…./هذا الرمي يؤكّد حضورهذا الفيلم الفرنسي في الرواية . خاصة وقد ورد أيضا المطار وتهيّؤ الطائرات للحرب أين اختار يوسف أن يكون لمراقبة الحرس الجمهوري في بغداد. وفي الفيلم كان البطل موضوع التجربة طفلا على رصيف الميناء يترقب مع والديه الطائرات التي تقلع في رحلة حين حدث الانفجار معلنا الحرب. وأين صادفه أيضا وجه المرأة التي عاد من أجلها إلى ماضيه. إنه الناجي من الدمار فقط ليلتقيها ويموت.

التناص صدفة، أكثر أنواع التناص جمالا وحقيقة. كأن حياة يوسف الجديدة كانت لأجل أن يعرف إنعام . روحان قدرهما أن يلتقيا . ففي حياة ثانية ، نكون فقط لنعرف شقيق الروح . فلسفة رائعة تخفّف وطأة الهزيمة . فنحن مهزومون أصلا قدرا ولعبة من الجن ومن التاريخ ولعبة من أمريكا ومن الوطن. ويقول يوسف : متّ يوم مات أبي والحكمة التي لم يقلها هي: أُكِلتُ يوم أُكِل الثور الأبيض.ليقدّم بدلا عنها عمّارالفلسطيني. المغدور به سبقا يوم ولد بلا أرض. ويوسف ، سواء كان اختيارا مقصودا أم عفويا فله دلالته . يقول البطل الراوي: كنت أحس أني داخل جب يشبه الذي رمي فيه يوسف أنتظر معجزة تاتي سيارة يرمي بها القدر. لكن نلتقي مرة أخرى مع ” الرمي”.ونلتقي مع صورة زليخة امرأة تشبه إنعام من مصر.

عائد إلى قبري ، تقدّم أهميّة الحياة لأجل شقيق الروح. أما المأساة فكانت فقط حاشية للحماية. سواء المأساة الوطنية أو أحداث العراق.حتى أنّها تقول والحرب تنذر بالفناء في العراق:

كنّا نتحدّث عن جغرافيا أوجاعنا أكثر مما نتحدث عن حرب قادمة / انها فرصة لتعبئة ذاكرة مثقوبة تبحث عن حكايا تملأ بها رصيدها/ رحنا نسرد خيباتنا.

حتّى حين سقوط بغداد ظلّ الصحافيون في الفندق. عدا عمّار يهمّ أن يقتحم الخراب ويمنعونه . وإنعام التي راحت تحصي حضارة الأمس أشياء منكسرة. وما رصدته الرواية من أحداث قبل السقوط وبعده إحصاء بلا روح. مقتضب وسطحي.

جاء في الرواية / امراة تشكلها ترغب فيها زوجة. عائد إلى قبري . قال الذي فقد حصانه. و تكاد الرواية تفقد حصانتها بهذه الرؤية الخصيّة لولا الخلاصة الفلسفسية : لِتعارفوا.

وفيها دعوة أن تحابوا . كأنّ لجوء الكاتبة إلى الرواية ما كان عن رغبة في الحكي، وإنّما لرؤيتها خيال الأحبة في السّرد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق