الموقع

مـصـــر : الثــــورة. . وخطـــر سرقـتـهـــا

د.أمين أحمــد ثابت / اليمن

إن بين تونس ومصر – كثورة – عوامل اشتراك واختلاف ، أول مشترك يتمثل بكونهما منتج عصري بقيادة شعبية ، محركها القوى الشابة بأهداف نقية تعيد المجتمعين إلى المسار الطبيعي في التاريخ وفق زمنية وجودها، وثانيها أنها انبثقت من وسط الجماهير وليس من كانتونات النخبة الفوقية ، ثالثها أنها بنيت على الدافعية البراجماتية العفوية المساندة بالتأهيل الموضوعي التاريخي لضرورة التغيير ، وهو ما فرض واقعا ثوريا لمجتمعين يخرجان للتغيير مذابة فيه التراكيب والتكوينات الاجتماعية والدينية والفكرية المختلفة، التي لم تذاب سابقا بل وغذيت على الدوام لمنع حدوث تحولات اجتماعية شاملة فيما يحفظ استمرار أنظمة الحكم العربية الديكتاتورية المافيوزية ، التي حينما جعلت الدولة مغنما لشراء الضمائر والأفراد وتركيع العموم والخاصة بفعل الحاجة ولقمة العيش والأمان من بطش الحاكم وجهاز حكمه… أما ما يختلف بين حدثي الثورتين ، فلتونس بفعل تقارب التكوينات الاجتماعية الناتجة عن علو التعليم والتأثير المدني لفرنسا على المجتمع أسس فعلا ذاتيا وعييا متقدما لقيادة المجتمع ، والذي تكشف بوضوح الأهداف للثورة والسير على أساسها دون توقف – وإن كان لقوة فعل مركز السيطرة الخارجي قد فرض بقاء الغنوشي واثنين من الحكم السابق – إلا أنها تمكنت هذه الثورة الناضجة من انتزاع سقوط النظام الحاكم ورمزه ومواليه ، وتفكيك حزبه الحاكم ومصادرة كل ما يعود إليه ، وتجميد الثروات المنهوبة المودعة في الخارج في انتظار إعادتها ، وهي سلاسل عن تعريف حدث تونس بالثورة الحقيقية المفتوحة لتحقيقها كليا مع الوقت ، أما مصر فإنها اعتمدت على القوة العددية للمشاركة الشعبية متنوعة التراكيب والتكوين والمحرك العاطفي الوجداني بين الأفراد أو الجماعات ، والخبرة المستقاة من الثورة التونسية بسرعة مبادرة تكوين لحانات شعبية لتقوم مقام أجهزة الأمن والشرطة ، اللتين هما جهازين مرتبطين عضويا بالحاكم الفرد المستبد ، وأهم اختلاف هنا يتمثل في الوضعية المحوريةلمصر في معادلة الوجود الحديث والمعاصر في المنطقة الشرق أوسطية بالنسبة لمركزي السيطرة الإمبريالية العالمية – الأمريكية بشكل أساسي ودول أوروبا في المستوى الثاني – وهو ما يجعل الثورة الشعبية المصرية تجابه بقوة عالمية قد تسمح الانتقال إلى الديمقراطية بمشاركة بالتمثيلات الاجتماعية والسياسية المعارضة وتحقيق مطالبها في العدالة والديمقراطية والحريات ، وقد تسمح بحدوث ذلك بدون وجود رأس الدولة وبعض رموز النظام البائد ، ولكن هذا الانتقال لن تسمح به أن يكون وفق مقررات مفهوم الثورات عبر إسقاط كامل النظام ومؤسسات الدولة بعناصرها التنفيذية ، التي تدير المجتمع وسياساته بما يرضي الإدارة الأمريكية في كامل مصالحها وأجندتها – الشرق أوسطية ، وإسرائيل ، والرأس الإفريقي – وهو ما يجعل ما هو جاريا في مصر غير مسموح به أن يتعدى دور الانتفاضة الشعبية لتحسين الأوضاع والإصلاح السياسي والتغيير نحو المدنية المعاصرة كواقع محلي لا كواقع مستجلب من الخارج عبر الاتصال من خلال المصالح ، هذا غير كبر الدولة تنوع مداخلها الموضوعة في تصرف الحزب الحاكم لمركزة القوة المطلقة في يد مبارك وابنيه وأقاربه ، والكثافة السكانية المعاني نسبة كبيرة منها من الفقر والبطالة والدخل الضعيف وانغلاق فرص تحسين العيش ، جعل من هذه السمة الاجتماعية مخزونا بشريا احتياطيا لقوة اجتماعية غير رسمية مستخدمة بيد الحاكم إلى جانب الشرطة والأمن والأمن السري والاستخبارات لقمع أي تمرد أو انتفاضة شعبية ، أو لتحويل أية ثورة اجتماعية إلى حرب أهلية ، وهذا ما يجعل الهبة الشعبية في مصر محكومة بأنشوطة قاتلة – من الداخل والخارج – تمنع نموها إلى ثورة شعبية عامة – حقيقية –  رغم توفر كثير من الأركان لان تصبح كذلك .

إن هبة مصر الشعبية تعد مجرى طبيعيا لثورة تاريخية لتحقق انقلاب شامل للمجتمع ونظام حكمه إلى طبيعيته المعاصرة كبقية الشعوب المعاصرة – المتقدمة ، خاصة وان مصر تمتلك من المقومات من كافة الجوانب ما يؤهلها أن تنتقل إلى مستوى قريب من الدول المتقدمة – إذا ما تحققت هذه الثورة  ، ولذا فإن مجرى الأحداث والمؤشرات تبين أن واقع المسار بين ثلاثة خطوط متقاطعة ، خط السلطة الباقية بالحضور المادي أو الروحي لمبارك ونظامه ، والذي حتى وهو يرضخ للضغوط الأمريكية ، فإنه سيدافع على الثروة التي نهبها وأسرته المقدرة بأكثر من 70 مليار دولار ، هذا غير حفاظه على حياته وأسرته ، والمهددان باستقالته دون ضمان بقاء رموز حكمه في المعادلة السياسية لضمان ذلك ، وهو خط مهما تكثفت الضغوط عليه سيقود إلى تحويل المسار إلى حرب أهلية ، أما الخط الثاني فهو خط فك الاشتباك وسرقة الثورة وتحويلها إلى حركة إصلاحية تقيم المصالح الأمريكية وإسرائيل في وضعيتهما غير المتأثرة ، وهو المشروع الأمريكي المعدل بفعل تباغته بتحول مجريات الأمور في مصر دون وضع الحسابات اللازمة لها ، وهذا المشروع تنزع إليه القوى السياسية الفاقدة لوجود أرضية جماهيرية واسعة لها ، ولذا يهيئ لها هذا المشروع دورا تواجديا في النظام والمعادلة السياسية القادمة ، وخير معبر لذلك ما سمي بمجموعة أو لجنة الحكماء المعبرين باسم الانتفاضة الشعبية ، إما الخط الثالث فهو خط الثورة ، ولكنه مهدد باستثمار سياسي ضيق للإخوان المسلمين المتواجدين بكثافة ملحوظة في دورها الشعبي في الحراك ، والتي بفعل خاصية بطانيتها السياسية ، ونزعتها الجهادية التي تدفع بالمسير نحو التصادم لا نحو التفكيك العلمي التدريجي لنجاح الثورة ، وهو ما يبرز من تعميق الروح الانفعالية والعدائية بين جمهور الهبة الشعبية مستغلة الدين ونزق الحاكم وزمرته في سلوكياتهم الوحشية غير المسئولة التي مورست تجاه الاحتجاج السلمي ، وهو ذات الخط الثوري – الانفعالي العاطفي للقيادة الشابة ، التي تذوق أول مرة طعم النجاح ، وهي التي تعاني من البطالة المنتج لشعور الفشل ، وهي المشاع عنها اجتماعيا بفقرها لمسألة المسؤولية والوطنية والروح الكفاحية ، وهي قوة مادية تاريخية للتغيير لكن لها ألا تتوهم أنها صانعة الثورة وأنها ستقودها فكريا ، فخبراتها وقياساتها ومعرفتها تظل قاصرة ، وبإصرارها أن الثورة منتج لها ولدورها ستفتح ثغرات للنظام الحاكم المجروح أن يأتي على هذا المنجز التاريخي .

من هنا فإن مصر بين الثورة وسرقتها – العلنية بنية أو بحسن نية من قبل الثائرين . والحل لحفظ مسار الثورة وحمايتها يتطلب الأمر إلى :

1)    رجوع كل الأحرار المخضرمين من المثقفين والأكاديميين والسياسيين للالتحام بالشارع ، ومنهم ومن الشباب تكون قيادة ثورية خالية من أية مصالح أو أغراض ضيقة .

2)    الصبر والتجلد حتى تنتصر الثورة ولا يتم استعجالها .

3)    عدم القبول بحوار مع ممثلي النظام السابق ، ولكن يمكن بعد تفكيك هذا الحزب يمكن قبول عناصر أصبحت غير مرتهنة ببقايا النظام السابق ، وليس عليها أية إدانات بحق الشعب وماله وثروته .

4)    التفاوض وفق هذا الأخير لتشكيل حكومة تسيير أعمال وتمهيد لانتخابات لاحقة شفافة .

5)     لا حوار ولا شرعية مع سلطة معينة عبر الرئيس الذي فقد شرعيته شعبيا .

6)    على الجيش أن يختار بين الانحياز الآن إلى جانب الديكتاتور وطبخته المعلنة ، أو يقف إلى جوار الشعب ،لا لحمايته ولكن لتحقيق أهدافه ، كون أن النظام جمهوري والحكم للشعب .

7)    استقالة مبارك وحل مجلسي البرلمان والاستشاري والحكومة ، وتشكيل حكومة إءتلاف مؤقت حتى قيام انتخابات نزيهة بعد 6 أشهر ، ويفوض رئيس الهيأة الدستورية العليا للقضاء لمزاولة عمل رئيس الجمهورية مؤقتا حتى قيام الانتخابات الحرة النزيهة وقدوم رئيس جديد .

8)    إجراء التعديلات الدستورية اللازمة وإلغاء لنظام الطوارئ ، وإطلاق كافة الحريات .

9)    رصد كل الانتهاكات التي جرت مؤخرا وخلال الفترات الماضية من قبل النظام ، ومحاسبة كل المسئولين عنها ، مع رصد الأموال المسروقة ومحاسبة مرتكبيها واستعادة هذه الأموال إلى خزينة الدولة . ومن الناحية الشرعية ، فإن الجاري من فعل التغيير فهو يبنى على الشرعية الثورية وليس على الشرعية القانونية ، ولذا لا يكون لزاما وجود الرئيس ليجري التعديل على الدستور بموجب المادة 83 من الدستور ، ومن جانب آخر ، يجوز التعديل قانونا للدستور ، مادامت شرعية الدستور النافذة ممنوحة شعبيا ، وبكون أن هذه ثورة شعبية مالكة القوة لشرعية الدستور أم تعديله ، فإن قرار الشعب صاحب الثورة يمتلك الحق في إجراء التعديلات على الدستور ، وبسقوط الرئيس وتعيين نائبا له بعد سقوطه فإن المدة سابقة الذكر تصبح ساقطة ، وبإحلال رئيس الهيأة الدستورية العليا في منصب الرئيس مؤقتا ، يصبح مجازا أن يتحمل مع لجان أكاديمية وفكرية وسياسية إجراء التعديلات اللازمة على الدستور وقانون الانتخابات القادمة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق