الموقع

من معجزات النمل ومملكته

واثق زبيبة

قال الله تعالى في محكم  كتابه- {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ** فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَي وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ  * * } 18. 19النمل.. النَّمْل: معروف الواحدة نَمْلة. وأَرْضٌ نَمِلَة ذاتُ نَمْل. وطَعَامٌ مَنْمُول أَصَابَه النَّمْل. والأَنْمَلة بالفتح واحدة الأَنَامل وهي رُءُوس الأصابع.(1)– ويستعار النمل للنميمة تصورا لدبيبه، فيقال: هو نمل، وذو نملة، ونمال. أي: نمام، وتنمل القوم: تفرقوا للجمع تفرق النمل، ولذلك يقال: هو أجمع من نملة (2) والأنملة: طرف الأصابع، وجمعه: أنامل…

النملة حيوان حريص، يحمل أكثر من وزنه، قويّ الشمّ، كثير الدأب على تحصيل رزقه، ويصفه القزويني في كتابه عجائب المخلوقات “إن النملة إذا جمعت الحّب في بيتها خافت أن ينبت، فتقطع كلَّ حبة مقطعين لتذهب عنه قوة النبت، وتقطع حبة الكزبرة أربع قطع لأن نصفها ينبت، وإذا كان عدسا أو شعيرا أو باقلاء تقشرها ولا تكسرها، فإن بالتقشير يذهب عنها قوة النبت، ثم تأتي بقطعها وتبسطها في الشمس حتى تزول عنها النداوة فلا تتعفن، وإذا أحسّت بالغيم ردتها إلى مكانها خوفا من المطر، وإذا ابتل شيء منها بالمطر تنشرها يوم الصحو لتزول عنه النداوة”.

فدقة النمل في جمع ما يحتاج للشتاء، وكيفية ذخيرته ومذخره ودفاعها عن نفسها عند مواجهتها العدوّ، وحتى معرفتها بكثير من الأمراض، ، وتقطع المسافات الطويلة للوصول إلى هدفها… وتوقّعها عن حوادث المستقبل من امطار ورياح شديدة وغيرها من التقلبات الجوية. فالنملة هذه المخلوقة الصغيرة الحجم الكبيرة الشأن ، لها لغة تتخاطب بها فيما بينها كما أنها لها ذكاء ، تستطيع أن تميز الأشياء،

وكل الذين درسواوشاهدوا حياة النمل ما عليه من النظام الدقيق في بناء مساكنها الذكائها و دهائها وحب العمل والدأب الذى لا يعرف الكلل، ثم إن النمل هو الوحيد الذى يتلاقى في مجتمعات للتعارف وتبادل المنافع، كما أنه هو الوحيد من بين سائر الحشرات الذى يهتم بدفن موتاه وغير ذلك مما يدل على حياة منتظمة حية نشطة لها كيان ودستور يحكمها في كل سلوكها….عجبا…… من أين لها كل هذا العلم ..

يقول كريسي موريسون عن النمل:

« تبدو أنّها تدرك كيف تنظم وتحكم نفسها، فلها جنودها وعمالها وعبيدها ويعاسيبها.إنّ هناك أنواعاً من النمل تدفعها الغريزة أو التفكير إلى زرع أعشاش للطعام.والنمل يأسر طوائف من الدود ويسترقها.وبعض النمل حين يصنع أعشاشه يقطع الأوراق مطابقة للحجم المطلوب.كيف يتاح لهذه الحشرة أن تقوم بهذه العمليات المعقدة؟! لا شك أنّ هناك خالقاً أرشدها إلى كل ذلك ( 3). .

والوجه البلاغي لقول النملة في الاية الشريفة…………

حيث بدأت النملة مخاطبة قومها مخاطبة العقلاء وجاءت بلفظ (مساكنكم) ولم تقل بيوتكم أو جحوركم لأنهم في حالة حركة والحركة عكس السكون فاختارت لفظ المساكن من السكون أي أن لكل نملة مسكنها الخاص بيها تعلم مكانه ، ثم أكدّت بالنداء بقولها (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) حرف النداء الدال على البعد حتى يسمعوا نداءها، وقالت (سليمان وجنوده) ولم تقل “جنود سليمان”  لكي لا ترفع العذر عن سليمان ، أيضاً فلو قالت “جنود سليمان” لكان سليمان غير داخل في عملية التحطيم وايضا لفظ (سليمان) بدون أي لقب للدلالة على أنه مشهور ، ثم حثتهم على الإسراع في التنفيذ قبل أن تنالهم المصيبة، ونسبت الفعل لسليمان لانه قائدهم (لا يحطمنكم) والفعل يحطمنكم مقصود في الآية هو التهشيم والتكسير وذلك لان”حَطَمْتُ الشيءَ أحطِمه حَطْماً، إذا كسرته. وكل شيء حَطَمْتَه فكُسارته حُطام، وكذلك اليبيس من النبت. قال الله جلّ ذكره: ” ثمّ يَهِيجُ فتراه مُصْفرُّا ثم يكونُ حُطاماً ” . والحَطيم: موضع بمكَّة كانوا يحلفون فيه في الجاهلية فيُحْطَمُ الكاذب”.(4). ” وثبت علمياً أن جسم النمل يتركب معظمه من كمية كبيرة من السليكون الذي يدخل في صناعة الزجاج والتحطيم دالّ على التكسير والتهشيم.”( 5)

لقد جمعت الاية الشريفة بين الإيجاز والإطناب، في أسلوب بلاغي رفيع  جميل جدا

أما الإطناب هو زيادَةُ اللفْظِ عَلَى المَعنَى لفائدةٍ ، فنلحظه في قول هذه النملة:” يَا أَيُّهَا “، وقولها:” وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ”. أما قولها:” يَا أَيُّهَا ” الألف والهاء لحقت { أيًّا } توكيدًا؛ فكأنك كررت { يا } مرتين، وصار الاسم تنبيهًا “.

وقال الزمخشري:” كرر النداء في القرآن بـ” يَا أَيُّهَا “، دون غيره؛ لأن فيه أوجهًا من التأكيد، وأسبابًا من المبالغة؛ منها: ما في { يا } من التأكيد، والتنبيه، وما في { ها } من التنبيه،” (6) والمقام في هذه الاية يناسبه المبالغة، والتأكيد “.

وأما الإيجاز هو أداء المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة مع الوفاء بالمعنى المراد  فنراه حينما جمعت هذه النملة انواع من الكلام ؛ فقد جمعت أحد عشر  نوعا: النداء، والكناية، والتنبيه، والتسمية، والأمر، والقصص، والتحذير، والتخصيص، والتعميم، والإشارة، والعذر.

فالنداء:{ يا }. والكناية:{ أيُّ }. والتنبيه:{ ها }. والتسمية:{ النمل }. والأمر:{ ادخلوا }. والقصص:{ مساكنكم }. والتحذير:{ لا يحطمنكم }. والتخصيص:{ سليمان }. والتعميم:{ جنوده }. والإشارة:{ هم }. والعذر:{ لا يشعرون }.

سبحان الله……. أدَّت هذه النملة الصغيرة خمسة حقوق: حق الله تعالى، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها، وحق الجنود.

ويمكن ان نستبين مما سبق ان..( قالت نملة ) أي صاحت بصوت خلقه الله لها و لما كان الصوت مفهوما لسليمان عبر عنه بالقول ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ) أي لا يكسرنكم ( سليمان و جنوده و هم لا يشعرون ) فإنهم لو علموا بمكانكم لم يطؤوكم و هذا يدل على أن سليمان و جنوده كانوا ركبانا و مشاة على الأرض و لم تحملهم الريح لأن الريح لو حملتهم بين السماء و الأرض لما خافت النمل أن يطئوها بأرجلهم

وبما أنها مأمورة بأطاعة سليمان عليه السلام فلا بد أن يخلق لها من الفهم ما تعرف به أمور طاعته(أي سليمان) ولا يمتنع أن يكون لها من الفهم ما تدرك به ذلك و قد علمنا أنها  تقطع ما تجمع من الحبوب بنصفين مخافة أن يصيبها الندى فتنبت إلا الكزبرة فإنها تكسرها بأربع قطع لأنها تنبت إذا شقت بنصفين فمن هداها إلى هذا فإنه جل جلاله يهديها إلى تمييز ما يحطمها مما لا يحطمها ,و سبب ضحك سليمان هو التعجب

وذلك إن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وبتسم ……

ما أعجبها إنها مخلوقة حازمة في أمرها لبني جنسها في أخذ الحيطة والحذرمن  مسير سليمان عليه السلام وجنوده من فوقهم، فيحطمونهم دون ان ينتبه هو وجنوده ، لأنها عرفت أنهم لم يأتوا لحربهم. فأمر جنوده أن يتوقفوا حتى يدخل النمل مساكنهم رحمة منه، وشفقة على مخلوقات الله الضعيفة، ثم هو يشكر ربّه الذي أنعم عليه، إذ جعله نبيّا ذا سلطان على الحيوان والجان. ومن اللطائف ان  الدميري  روى:” أن رجلا استوقف المأمون ليسمع منه فلم يقف له، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله استوقف سليمان بن داود عليهما السلام لنملة ليستمع منها، وما أنا عند الله بأحقر من نملة وما أنت عند الله بأعظم من سليمان، فقال له المأمون: صدقت. ووقف له، وقضى حاجته”.( 7)

وخير ما اختم به هذا البحث هو قول الامام علي عليه السلام في النملة قال : اُنْظُرُوا إِلَى اَلنَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَةِ هَيْئَتِهَا لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ اَلْبَصَرِ وَ لاَ بِمُسْتَدْرَكِ اَلْفِكَرِ كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا تَنْقُلُ اَلْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا مَكْفُولَةٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا لاَ يُغْفِلُهَا اَلْمَنَّانُ وَ لاَ يَحْرِمُهَا اَلدَّيَّانُ وَ لَوْ فِي اَلصَّفَا اَلْيَابِسِ وَ اَلْحَجَرِ اَلْجَامِسِ وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا وَ فِي عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا وَ مَا فِي اَلْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا وَ مَا فِي اَلرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً فَتَعَالَى اَلَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ وَ لَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ مَا دَلَّتْكَ اَلدَّلاَلَةُ إِلاَّ عَلَى أَنَّ فَاطِرَ اَلنَّمْلَةِ هُوَ فَاطِرُ اَلنَّخْلَةِ (8)

الهوامش

1-مختار الصحاح: ج/1 ص322

2- مجمع الأمثال :ج1/188ص

3-العلم يدعو للإيمان: ص130.

4-جمهرة اللغة :ج1/ ص284

5- الأسئلة والأجوبة المفيدة :- ج 1 / ص 106

6-حيات الحيوان: ج2/ ص218

7-الاعجاز الغوي والبياني في القرآن الكريم: ج1/ ص1

8- نهج البلاغة-الخطبة/227

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق