ثقافة السرد

ذاكرة وطن

عبد المنعم همٌت

سنوات وأنا أحفر في ذاكرة الالم بحثاً عن وطن تمتد حدوده الى أعماقي وتتسع سماءه لحكايات جدتي التي رسمت حدودها في
كل ذراتنا وجعلت من نفسها وطناً يسع الضحك والبكاء والخبز .. لم تعبث بوعينا بل نقشت فيه أن النبض هو الأنسان , وأن الموج لا يعكس صراع الكائنات البحرية بل حالة زائفة من التفاعل مع الطبيعة بمدها وجزرها
خرجت من متاهتي عابراً الطريق الى محطة القطار .. ودعت اشجار النيم المتراصة على حافتي الشارع الاسفلتي المتعرج المليء بالحفر .. نادراً ما تمر السيارات من هذا الشارع الذي يعد ملكاً مسجلاً بالحب للدراجات التي يقودها عمال السكة الحديد .. لقد عشت هنا وتزينت بصوف المعرفة ودثار الصبر .. اليوم سأرحل عنها حاملاً كل طموحاتي على كتف الحقيقة .
ودعتهم فرداً فرداً .. ولكني لم أتمكن من وداع ابو النور ..بحثت عنه في كل مكان ..كلما رأيت لوناً أخضراً ظننته ابو النور والذي ظل يجلس تحت ظل أشجار السكة الحديد منذ أن رأيت هذه الدنيا .. لم يتسول ولا يتكلم الى باختصار شديد وحكمة متناهية .
ربما أردت أن التقيه لأنه يمثل ذاكرة المدينة وبؤسها والنقاء المتجذر في كل خطوات أهلها .
صعدت الى القطار .. وضعت حقيبتي الصغيرة أعلى المقعد في درج مفتوح .. قررت أن أرحل الى بلاد الثلج والموت ..ربما عبثاً بحثاً عن الدفء ..وبعض الدولارات ..هذا القطار سيوصلني الى المطار وسأبقى لساعات وأغادر .. سأركب الطائرة لأول مرة والتي ستأخذني الى حيث النور العلمي والظلام الوجداني .. تحرك القطار ببطء .. تركت روحي عند شجرة ( اللبخ ) الضخمة وتحركت بنصف مسامي .
ذكريات وحكايات طافت كسيل اعتدنا أن نراه يمر بوادي النحس كما يسميه أهل المدينة .. الشوارع ..المدرسة ..فنان المدينة ..الرقص على ايقاع الفرح .. ضحكات أمي وجدتي وأبي الذين غادروا دون استئذان وتركوني للشتاء والصيف والرحلة الممتدة بينهما … لن أعود .. فأنا أبحث عن نفسي بين صراع الاضداد و قوانين الجدل العقيمة .. العن تلك المدينة الفاضلة التي رسمها ذلك الفيلسوف المهرطق ..أتقيأ من منظر حروب العدم المرسومة على أفواه وعقول المعتوهين .. خرجت الى وطن يسكنني ولا أسكنه فقط ..فالوطن مساحة من الود محفورة في كل بقاع الخير ومقطوع عنها الشر ..لعنت فكرة الشر ..
وأنا مستغرق في تفكيري وقاع ذكرياتي .. سمعت صوت أبو النور من على النافذة يردد عبارته الشهيرة ” الأرض وريثها الله ” .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

8 آراء على “ذاكرة وطن”

  1. في سياق النصوص النثرية الحديثة تتنوّع الطرائق ويكون الشجن والذكريات هي لغه الكتابة
    وفي ماخطة بروف عيدالمنعم همت ثمة انسجام ما بين المفردة والالم. الكلمات كانها تسمع مع انين الذكريات

    فقد استمتعت كثيراً بهذه الرؤى الإبداعية، وكان لها أثر في نفسي تحكي عن ما بداخلي من شجن للوطن
    وكأن بروف عبدالمنعم عبر بيراعه عنا

    انسجمت كثيراً مع القصة الحرية فالذكريات تربطنا بالوطن والوطن اكثر ما نحتاجه اليوم. لنرتمى في حضنه وطنه ونمسح ارهاق الغربة عنا

    تحياتي
    بروف عبدالمنعم همت

  2. سرد جميل …. ملامح الوطن .وقصص وحكاوي الجدة التي صرنا نعتبرها قصص من عالم اخر مليء بالصدق والنقاء والصفاء
    وطن يسكننا. ونبحث عن معاني وقيم تجعلنا نتمسك به
    في قصص الاستاذ منعم دوما اشارات ومعاني اخري نجدها من خلال وصفه واستخدامه لبعض المفردات والجمل

  3. إن الأرض وريثها الخالق .. ابوالنور افضل الف مرة من افلاطون ومدينته الفاضلة ..
    تشكر يادكتور همت للقصة القصيرة المعبرة عن وطن الروح ..

  4. ?تسلسل رائع وسرد جميل لأحداث ومواقف وذكريات مؤلمه وجميله قصه تحمل الغبار فوق أكنافها ومغامره تنفض الغبار بحب للماضي المشرف بشخصيه تمدك بالقوه والصبر وعزه النفس ومن خلال القصه نلمس قوه وإصرار الكاتب للمغامره في عالم قاسي ومخيف بدايته كأنك في عالم الظلمات ونهايته طيران في الفضاء الواسع الذي تظهر من خلاله أجمل نهايه لأجل كتابه مستقبل مشرق
    بالتوفيق لك اخي ابو أحمد
    هذي القصه لها تأثير إيجابي لاجل البحث دائما عن المستقبل الجميل ولأكن لابد من البقاء على العادات والتقاليد والقيم التي تربينا عليها وهذا الشي نستوحيه من خلال صوت ابو النور الذي يذكرنا لكي لانغرق في أمواج المال والاعمال والبحث عن التطور بلا تدبر
    نترقب إبداعاتك بشغف

  5. المفكر السوداني الكبير عبد المنعم همت
    ما كتبته عن ابن سينا والحكايات المتطورة في السرد شاركت في توطين الحياة الجميلة..
    ننتظر مؤلفاتك لنزداد فكرا
    محسن عبد الحميد

  6. مبدع كالعاده، أبحرت ف سرد جميل وتفنن ف إتقان الخيال القصصي وتوليفة مع ذكريات الطفوله ورائحه العبق الجميل وهناك تناسق ونناغم بين مفردات الكلمه والألم و منتهى القصه القصيره تحاكي واقع هذه الدنيا وأنها فعلا قصة قصيرة وكما قال أبو أنور بطل القصه الدنيا و ريثها الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق