ثقافة المقال

عشوائية السياسة اللغوية ومعركة الهوية بالأدب الجزائري

بشير عمري

يغيب في الغالب الأعم، الأدب الجزائري المكتوب باللغة العربية عن الزخم السجالي الذي لا يكاد يخمد حتى يشتعل أواره من جديد بين الكتاب الجزائريين الفرانكفونيين حول مسألة الهوية الوطنية ومسار تشكلها عبر التاريخ، بين متحفظ ورافض لمعالم التأسيس السياسي لها مع بوادر ظهور الحركة الوطنية، على اعتبار أن التنصيصات التي كانت تجعل من اللغة العربية والدين الإسلامي قدح الذات المعلى، إنما كان يراد منها التدليل على المائز الصحيح بين كيان الوجود الوطني الخاص والواقع الاستعماري، ذلك لأن الاستعمار نفى في كل خطاباته السياسية منها والثقافية وجود ذات جزائرية رابطا إياها بحالة الاكتشاف الاستعماري على شاكلة ما فعل كولومبوس مع العالم الجديد.

طبعا التطور المتصل والمتواصل للخطاب الروائي الفرانكفوني، أفرز جيلاً جديدًا من الكتاب ليس يقطع، في مرجعيته، فقط مع الهوية التي نصت عليها مواثيق الحركة الوطنية وترجمتها مشروعات المجتمعية للدولة الجزائرية المستقلة، على شاكلة ما يكتب بوعلام صنصال وكمال داود، بل صار يميل إلى الانتصار لطروحات المدرسة الاستعمارية وهو ما جعل روائيًا مزدوج اللغة كبوجدرة ينتفض مؤخرًا ضد هاته الزمرة التي صارت تتكاثر وتتفرع طمعًا في العالمية التي لا تضمنها مع الأسف اللغة العربية المحاصرة بين ظهرانين أهلها وأدعياء نصرتها ومناصرتها.

والحديث عن الغياب شبه الفاضح عن جدل الهوية ومأزق استقلال الذات الذي أدرج ضمن سياق التعريب، باعتبار اللغة العربية كانت مرجعًا للذات الوطنية قبل تفجر أسئلة القلق الوجودي الوطني من خلال مدرسة وأكاديميات الاستعمار التي واكبت وتلت فترة وجوده على أرض الجزائر، يقودنا إلى محاولة رصد إشكالية التعريب ومعاركه الأيديولوجية، السياسية والقانونية في الجزائر، فنشير هنا إلى افتراءات بعض المهتمين بهاته القضية من أنصار لغة موليير والمستريبين من التيارات الإسلامية والدينية، حين يضعون حركة التعريب في غير سياقها المشروعي الصحيح، بالقول إنه إذا كان هناك سعي للتعريب فمعنى ذلك أن المجتمع الجزائري لم يكن عربياً ولا معرّباً! في خلط مقصود ومتقصد لمفهوم يجتاز المستوى الوظيفي للتعبير اللغوي ليصل إلى أسمى نطاقات الاستعمال الحي للغة الحية في مؤسسات التنشئة وقيادة المجتمع.

لكن ما أعاق مسار التمكين للعربية في الجزائر لم تكن فقط المؤامرات والتواطؤات الحاصلة اليوم من قبل أذناب فرنسا فحسب، بل السياق الشعبوي المبتذل الذي حمله المشروع بحد ذاته، التعريب كان في مواثيق وتوصيات الدولة ينمو سواد حبره على بياض الورق، بيد أنه عمليا يتعثر بل ويُفرض بشكل عشوائي حتى يعطي الانطباع أن اللغة العربية أعجز من أن تبني الإنسان الجزائري العصري والمعاصر الذي يكون بوسعه حمل مشروع بناء الدولة الجزائرية المستقلة، ذلك لأن جل قادة هاته الدولة كانوا ممن يناصبون لغة الضاد كامل ودائم العداء ولا يتواصلون فيما بينهم سوى بغيرها، أي الفرنسية، في اجتماعاتهم، في تواصلهم لا بل حتى في أنسهم في المقاهي والملاهي.

ومع التحول في الوعي الوطني وانفلاق كتلة معنى الوجود الأحادي للذات الوطنية الذي جسدته إرادة دولة الحرب الواحد التي دامت لثلاثة عقود بعد الاستقلال، صار التعريب يُمثل في عين الآخر رديفاً للأسلمة، طروحات صاحت بها تيارات اليسار والعلمانية البربرية والتي تكونت لغويا وفق المشروع التعريبي العشوائي وعبرت عن عدائها ولا تزال باللغة العربية ذاتها من خلال المستويات والطروحات الكبرى في جل فضاءات المعرفة والأدب، هذا في وقت ظل الخطاب المقابل، أي الديني والإسلامي عموما تراثيا مستريبا من كل ما هو جديد متعال باللغة القديمة التي تعيد إنتاج الماضي ولا تبرحه حيث الآفاق المتجددة بنسق متسارع متصارع.

كل ذلك يجعلنا ندرك أن الحضور الواسع والكبير للكتاب الديني (التراثي) وهيمنته على وعاء المقروئية العربية كان سبب هذه الإعاقة المعرفية التي طاولت هاته اللغة، ذلك لأنه حرمها من أن تتقحّم عوالم أوسع في خطابات المجتمع الأدبية والثقافية والسياسية بالشكل الذي يمكنها من الصمود أمام موج الافتراء والنكران والتنكر الذي تفتريه أقلام أزلام الاستدمار وأصواتها الصائحة في الفضائيات الباردة من خلف البحار.

لكن ما سبب الانحباس، حتى لا نقول الانحسار المضطرد، الذي عرفته المقروئية العربية بضرب الصفح عن هيمنة الكتاب الديني (التراثي) على سوق الكتب؟ هل هذا ينفي وجود نخبة معربة بخيلة حتى لا نقول عديمة الإنتاج الأدبي والفكري الذي يسترعي اهتمام المتلقي؟ أم أن التعريب العشوائي قتل أصلا نشاط المقروئية واستحال بسببه المجتمع إلى هذا الوضع من التردي في الوعي على كل المستويات؟

الحقيقة هي أن لكل من هاته العناصر أثره في تغييب العربية عن سجال الهوية أدبا وفكرا، في مقابل الجرأة والاندفاعية الكاسحة لكل صمت أو طابو من قبل المعبرين باللغة الفرنسية، فالمدرسة وكل مؤسسات التنشئة التي حمّلت اللغة العربية أوزار فشل مشروع عشوائي لبناء مجتمع متحرر تاريخا عن فرنسا مثلما حرر جغرافيته منها، ظهرت أعجز من أن تصنع الإنسان القارئ المستهلك للمعنى كما يستهلك المادة، وطالما أن استهلاك المادة فاق نظيره المعنوي الذي تماهى في اللغة فإن كل رمزيات المادة ومأتاها الغربي الفرنسي فقد استحالت لغة المدرسة أسيرة فضائها المكاني أي النطاق المدرسي بالمعنى الوظيفي حتى لو تحدث بها الإعلام أو وظفت في المنتج الأدبي بوصفها أكراها تاريخيا وليس اندراجا تعبيريا فيه.

ما همش العربية في نطاقات السجالات الكبرى المرتبطة بتطور الوعي والتنشئة المجتمعية، هو غياب الديني عن هاته النطاقات، باعتباره المعرب الأقوى والأوسع باللغة العربية، بيد أنه وكما أشرنا منتهٍ في حدود تراثيات الإنتاج الثقافي مستميت في إعادة إنتاج السرديات القديمة وحريص على آلية التأصيل وفق خطابها واقعا مختلفا ومتجددا عن واقع ولحظة انبلاج تلكم السرديات، الديني مستريب من الأدب، فهو متجاهل متحامل على كل ما يُبدع في وعاء اللغة ويرى ذلك رجس من عمل الشيطان ما لم ينتصر لإيحاءات السرديات القديمة الكبرى الأخلاقية! لذلك فهو غير معنيّ بعوالم التعبير الفني عن فلسفة التحول في التاريخ الوطني من جدل في سؤال الذات إلى آخر، بل هو لا يرى التعريب كشرطية لإعادة إنتاج مرجعيته الذاتية كونه لا يؤمن بشرطيات التاريخ، إنما يراه حكما فقهيا أي دينيا خالصا، فلا نكاد نرى لنخبه المتكلمة والكاتبة على حد سواء، رؤى وجهود تتناول مسألة التعدد اللغوي والتحقيب التأريخي للجزائر ككيان ولغة ودين، فكل ما سبق الفتوحات غير معني بدائرة ضوئه في شذوذ تام وشامل عن بُنى ومعنى القُطرية.

إذا هي متاهة يضيع فيها الوعي الوطني بين سابح في موج الريح منفصلا لغة وفكرا عن كل محطات التخلق الوطني وبين مستعصم، مستعقم في قواقع الماضي حيث الأشياء الصامتة تربض قرونا عددا على لسانه وعقله فلا يعدوها، كل ذلك صنعته لحظة الفشل المدوية لمشروع الدولة والمجتمع الذي أنيطت بها المدرسة الجزائرية، من يوم حُملت مشروع تعريب (عشوائي) أريد به الإساءة للعربية أكثر منه الإساءة للمدرسة التي شرعت ترتكس مرة أخرى في سياق تخبطاتها مع وزيرة تنظر غربا هاته المرة ماضية بمشروعها بأبناء المجتمع هاته المرة إلى التغريب (العشوائي).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق