قراءات ودراسات

موضوعة السجن في شعر الثورة.

الموقف والتجربة الفنية.

الجزء الثاني

 حبيب مونسي

4-السجن.قداسة الفضاء الرمزي:

تأخذ موضوعة السجن عند “مفدي زكرياء” طابع الفضاء المتعدد الدلالة، والذي يلتقي فيه الموقف الإنساني بشتى مشكِّلاته، فيأخذ أبعادا تجعله مكانا خاصا “Spécial” يتسم بجماليات متعددة، كثيرة الثراء، تسمو على الواقع، وتتجاوزه لتشكِّل منطقة “موجبة” “Positive” على الدوام. فالسجن – عنده – لا يرادف الحجر والمنع، بل يرادف التحرر والانطلاق والريادة. فتنتفي دلالته المعجمية الأولى، وتتلاشى وظيفته الاستعمارية، لتحل محلها وظيفة أخرى أكبر خطرا.. إنه يخاطبه قائلا:

يا سجن ازخر بجنود  الكفاح

فأنت يا سجن طريق الخلود

أنت  محراب الضحايـــا

يا مصنع المجد ورمز الفـدا

يا مهبط الوحي لشعـر  البقا

يا معقل الأبطال  و الشـهدا

يا منتدى الأحرار والملتـقى

أصبحت يا سجن لنـا معبدا

عليك نتلو العهد  و الموثـقا

أنت أنت أنت يا بربروس.

 

([1])

إن مراقبة اللغة – من خلال هذه الموضوعة – يكشف عن انزياح دلالي خطير في بنية النص.إذ تكون الانطلاقة من فضاء مشخّص مخاطب، تستقيم مناداته ب”يا سجن” لأنه “بربروس” وذلك هو نصيب الواقعي التقريري من النص. فإذا تمّ للشاعر هذا المنطلق الذي تستحيل فيه جدران السجن إلى مخاطب، تتقرر الصفة الإيجابية للسجن، إذ يغدو طريقا للخلود. فالجمع الذي يزخر به، لا يعاني فيه قيد الحجز والحجر، بل يستعد للانطلاق بعيدا.. إلى الخلود.

إن رمزية “الخلود” تكشف عن حمولة دينية زاخرة، تبدأ ببذل النفس، وتنتهي بالشهادة عند وعد الله: )ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون.( (آل عمران).إنها رمزية تفتح السجن على فضاء آخر، أكثر طهارة من الفضاء الأول. ف”المحراب” قطعة منه تتعالى لتسكن فسحت “البين بين” البرزخية، تتأتى فيها الصلة المنشودة بالعالم العلوي. فالتحول من الحشد والتجميع إلى الطريق.. إلى المحراب.. رحلة يتعدد فيها الفضاء الجديد للسجن، من “النحن” إلى “الأنا”، من الهم الجماعي إلى الاهتمام الفردي، فتزول عنه عوارض الدنيا ليسمو إلى مدارات الطهر الخالص. وأي مجد أرسى دعامة من التضحية ؟.

وتتعدد العلاقة بين الفضاءين: فضاء المحراب، وفضاء الخلود عن طريق الوحي ومهبطه.. وذلك رمز آخر يحفل بحمولة دينية، تعطيه صدق الوعد، وصدق الموقف. إنه فضاء يتلقى فيه الشاعر نفثا علويا يؤكد صدق مقصده، وسلامة مسلكه، وعدالة قضيته. إن “المحراب” حيز منجاة ، و”المهبط” حيز وحي، يجعلان من السجن “المكان” “معراجا” تذرعه إرادة الله U ورغبة الشاعر في آن.ومن ثم يغدو فضاء السجن ، فضاء “وسيطا” “Intermédiaire” يستشرف الواقع ويعلوه. ويتحول الحيز الجديد إلى حيز إبداع يتأتى للشاعر فيه ما لا يتأتى له في غيره من فرائد القول، مادام نتاجه للبقاء والخلود. وأي مطلب أسمى تحلم به التجربة الإنسـانية من خلود آثارها !

إننا نشهد أن فضاء السجن- من خلال تعدد وظائفه- يجسد موقفا إنسانيا تتحقق فيه الصلة بين الذات وخالقها، تحققا يتيح صفاءها ونقاءها. وتلك صرخة “يوسف”:) رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه.( (يوسف23) ولهذا السبب كان السجن مصنعا للمجد.

5-السجن. ثنائية الحياة والموت:

إذا كنا قد قررنا من قبل أن السجن معراج، تذرعه إرادة الله عز وجل، ورغبة الشاعر، فإن الوقوف مع السجين يبلور الفكرة ويعطيها أبعاداأخرى تتوسع معها مدارات الحيز، وتتقاطع فيها فضاءات شتى، وتعمرهارمزيات عدّة. يمكن استنطاقها انطلاقا من إدراك خصوصية كل فضاء. يقول “مفدي زكرياء” عن السجين المقاد إلى المقصلة:

قام يختال كالمسيـح  وئيـدا

يتهادى نشوانا، يتلـو النشيدا

باسم الثغر، كالملاك أو كالط

.فل يستقبل الصباح الجديـدا

شامخا أنفـه، جلالا وتيـها

رافعا رأسه، يناجي الخلـودا

رافلا في خلال زغردة تمـلأ

من لحنها الفضاء البعيدا.

([2])

يمكننا الساعة تمثل الموقف داخل السجن، بل ومشاهدته من خلال الكتابة المشهدية، وعيون السجناء تطل من كوى الزنزانات، تراقب مرور السجين مقادا إلى الشهادة. إنه موقف تتوقف فيه كل حركة: حركة التنفس في الصدور، حركة الزمن بين الجدران، لأن النهاية الدنيوية قد أزفت. تتباطأ الحركة إلى درجة أن كل خطوة فيها تحتفر أثرها في النفوس. إن مساحة الكوة التي يطل منها السجين على رفيق دربه، لا تسمح له بالرؤية الشاملة، بل تقتطع من المشهد “لمحة” يُسجّل أثرها في نفسه وبصيرته، فيتوهم بعدها أن الحركة قد توقفت، وأنه يشاهد تفاصيل لا يشاهدها غيره. لهذا السبب تزاحمت التشبيهات في أبيات “مفدي زكرياء” تزاحما عجيبا. لأنه- وهو المطل من كوّته حافظ على لقطة واحدة من المشهد تقاطعت فيها مشاعر عدة. فراح يبحث لها عن معادلات في ذاكرته واعتقاده، والموكب يواصل سيره الجنائزي. فتزاحمت الصور في خلده.

إن الألفاظ في البيت الأول تكشف عن تباطؤ الزمن والحركة معا. ف”قام، يختال، وئيدا، يتلو..” كلها ألفاظ تختزن البطء، والسكينة، والوقار. فالقيام له حركته الخاصة، والاختيال له سيماته المميزة، والتوأدة، والتهادي، والتلاوة.. وكأن الحركة رسمت على شريط يتيح للعين فرصة التملي و التفرّس في أحوال السجين.

والغريب أن اللغة، هي الأخرى تشارك في صنع هذه الحركة المشهدية، إذ هي تدفع ب”المدود” إلى ساحة البيت لتمدد الكلمات “صوتا” وكأنها تتمدد نتيجة تمدد الزمن الحافل بالمشاعر. قام، يختال، شامخا، رافلا، رافعا.. مسيح، وئيد، يتهادى، نشوان، باسم.. ولم تخل كلمة من كلماته من مد، حتى يتوقف المشهد في سكونية المسيح التي تعرض بالمستعمر من خلال دفع زعم الصلب إلى يقين “بعث” عيسى عليه السلام.

وتتضافر الألفاظ من جهة ثانية لإشاعة جو من الإيجابية “Positivité” والإشراق على الموقف، وكأن الموت الأكيد خلاص وفوز. فالاختيال، والتهادي، والشموخ، والرّفل.. إشارات تكتسب دلالتها الرمزية من فضاء: السجن/المعراج. فاللحظة.. لحظة لقاء بين الذات وخالقها، وحُقّ لها أن تبتسم، وأن ترفل في صفائها كالمسيح.. كالملاك.. كالطفل.

إن عرض الموقف في إيجابيته المطلقة، يجعل من السجن فضاء محببا. وتبقى رمزية “الصباح” الجديد محل قراءتين: صباح الشهادة والخلود، وصباح الاستقلال والحرية. فالفضاء هنا دائرة “وجودية” “Existentielle” تلتقي فيها الحياة بالموت في تكامل، لا يحمل تعارضا أنطولوجيا. فالخلود حياة، والاستقلال حياة. وكما يبطن الخلود وفات، يبطن الاستقلال ممات.

6-السجن. فضاء تحول:

إذا سلمنا أن وضوعة السجن قد أخذت عند “مفدي زكرياء” شكل فضاءات متعددة :

سيان عندي، مفتوح  ومنغـلق

ياسجن، بابك، أم شُدّت به الحلق

يا سجن ما أنت ؟ لا أخشاك تعرفني

من يحدق البحر، لا يحدق به الغرق

إني بلوتك في ضيق وفي سعة

وذقت كأسك، لاحقد، ولاحنق

. ([3])

7-السجن. فضاء تأمل وفلسفة:

إن عناصر التحويل التي استنطقناها في الأبيات السالفة، توحي لنا بإمكانية أخرى تسكن هذا الفضاء، وتعطيه خصوصية جديدة تندرج في إطار إيجابيته، وتكسبه مجالا يعمره التأمل، والتفلسف. فتتسع دائرته، وتتحول حدوده إلى شيء يتجاوب فيه الداخل والخارج، ويتقاطعان في الذات الواحدة. فيعطي التأمل في هذه الحالة، تركيبا شعريا فلسفيا، تخالطه اللغة الحالمة، فتصبغه برومنسية لم نألفها في شعر “مفدي زكرياء” إلاّ لماما.. إنه يقول:

– في الحنايا.. وسواد  الليل قاتم

مالت الأكوان  سكرى.. ثملات

 

أودعتها  مهجة  الأقدار سـرا

-في الزوايا.. بين سهران ونائم

 

ونجوم الـليل حيرى .. حالمات

ضارعات، بث فيها الغيب أمرا

 

-والمنايا.. بين مظلوم و ظـالم

مثقلات، ضقن صبرا.. جاثمات

 

 

ظلن يرقن متى يطلعن فجـرا.





([4])

وتكشف هندسة النص، عن هندسة الفضاء/المكان. فالسجن: فضاء تأمل يعطي للنفس فرصة مراجعة مواقفها. فيكون لها من هذه الوقفة حالة استبطان ذاتي يتحدد من خلالها الفضاء الداخلي الأول (في الحنايا) إنه السجن الأول، وما يعمره من مخاوف وآمال.. وتترادف ظلمة السجن وظلمة النفس، وتتراكب طبقاتها في آن. عندها تتحقق ثنائية الداخل/ الداخل، فيكون فضاء السجن فضاء مضاعفا: سجن الذات وسجن المستعمر. وفي هذه الحالة تأتي اللغة لتعطي لذلك التركيب جسدا لغويا (إيجاد اللغة). فالسواد رمزية تتناول متاعب النفس وهمومها، إذ لا يوصف الليل بالسواد إلاّ إمعانا في المبالغة واصطيادا للظلال النفسية فيه. ثم يأتي الليل رمزا للسكون والسكينة الظاهرية، وتعطل حركة الواقع. وفي هذا المشهد تميل الأكوان سكرى ثملات.. والأكوان جمع “مائع” رجراج، يتسع لكل كائن موجود.. وكأن سواد الواقع يشقيه ويتعبه، فيكون الليل فسحة تترنح فيها الأكوان مثقلة بالهموم والأحزان. إنها في حالتها تلك، تشكل بالنسبة للشاعر سرا.. وأي سر! فللأقدار وقائع لا مراجعة فيها، وهي واقعة لا محالة. إنها تتعاطف مع الكائنات، فتستعمل مهجتها بدل قضائها. وهنا ينفتح الفضاء السجني لمعانقة الكون كله، ويتوحد معه تعاطفيا.. إنه فعل مشاركة.

تلك هي حقيقة الفضاء الداخلي.أما الفضاء الخارجي (السجن) فيتحدد المكان فيه من خلال “الزوايا” التي يتكدس فيها السجناء بين سهران ونائم. ويسهل علينا إسقاط معطيات العالم الخارجي على العالم الداخلي، فيكون السواد للسهر، ويكون الليل للنوم، وتكون النجوم للعيون.. نوم، وحيرة وأحلام. إن الفقرة الثانية كتابة فنية للفقرة الأولى، تلتمس إسقاط العالم الخارجي على العالم الداخلي. ونكتشف علاقة هذا الإسقاط في لفظ “ضارعات” الذي يصور مشهد المتعبد في محرابه الذي يتجاوز المكان إلى خالق المكان. وفي التضرع توحد آخر بالقضاء والقدر. كما أن “جاثمات” تجسيد لسكونية التضرع ظاهريا، ولكنها تكشف عن تحليق خارق عجيب يتجاوز كل التخوم.

إن موضوعة السجن، تعلن عن فضاء موجب دوما عند “مفدي زكرياء” وتعطي للتجربة الشعرية أصالة ترود جميع مستويات المعنى، وإن كانت تجنح إلى الرمز. فالرمز مفعِّل قوتها، وخالق ديناميتها.

هوامش:



[1]– مفدي زكرياء. اللهب المقدس.ص:91.88.

[2]– م.س.ص:9.

[3]– م.س.ص:21.20.

[4] – م.س.ص:125.124.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق