قراءات ودراسات

ابن رشد: الفيلسوف المُختَلَف عليه

بقلم: حسين جبار

لا يختلف اثنان في أن عالمنا العربي الإسلامي المعاصر، و منذ أن وجد نفسه تحت مطرقة الإستعمار، يعيش حالة من التخبط الأعمى، و هو يرى نفسه متأخرا عن ركب الحضارة الذي ينطلق بسرعات ضوئية -بالمصطلحات الفلكية-. و إذا كانت الحداثة -وريثة التنوير و النهضة الأوربيين- بكل مكتسباتها العلمية و المعرفية و التكنولوجية…الخ هي نتاج غربي -مع التنويه بما يكتنف هذا المصطلح من غموض- فإن مجتمعات أخرى، خارج الإطار الغربي، قد اندمجت فيها، و سايرة ركبها، منتفعة منها و نافعة لها، مثل الصين و اليابان و الهند، بل أن حتى إيران التي ترفع شعار معاداة الغرب قد دخلت في هذه الحداثة، أو دخلتها الحداثة حتى النخاع. و نحن العرب المسلمون بطبيعة الحال لسنا بدعا من هذه المجتمعات، فقد دخلنا الحداثة رغما عنا، و هو ليس دخولا شكليا فقط كما يعتقد البعض، بل هو دخول على مستوى الفكر و الوعي، و لكنه دخول تصادمي، خاصة على مستوى الإيديولوجيا. و لكن هذا الجو التصادمي لم يمنع من استيراد مفاهيم ايديولوجية مثل الاشتراكية و الرأسمالية و الليبرالية و العلمانية، …الخ و محاولة اسقاطها و تطبيقها على المجتمعات العربية الإسلامية. و لكن عندما رأى المنظرون العرب أن هذا الأمر ليس بالسهولة التي خيلت لهم، فالمفاهيم لا تلبس لأي مجتمع إلا إذا كان متوفرا على المناخ المناسب لها، فكان الحل هو بالعودة إلى التراث، للبحث فيه عما يصلح أن يكون بذرة لأحد تلك المفاهيم المذكورة و غيرها. هكذا صار التراث مثل منجم للتنقيب كانت نتيجته أن التراث كان حاويا على كل تلك التوجهات!

و بعد فشل تلك المحاولات الإسقاطية للمفاهيم الحديثة على التراث، ظهرت محاولات استدعائية -لا يخلو بعضها من الإسقاطات- تحاول كشف الجوانب التراثية المشرقة، و تدعوا إلى إحيائها و بعثها في الواقع المعاصر، و كان لفيلسوف قرطبة الكبير، ابن رشد الحفيد، السهم الأوفر من تلك المحاولات، بوصفه يمثل الجانب العقلاني المشرق من التراث.

أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد (٥٢٠هـ/١١٢٦م-٥٩٥هـ/١١٩٨م) ((عاش في عهد دولتي المرابطين و الموحدين. و ينتمي فيلسوفنا إلى أسرة تعد من أعرق الأسر الأندلسية، و كان جده هو أبا الوليد قاضي قرطبة، و أحد كبار الفقهاء المالكيين، كما شغل أبوه أيضا منصب قاضي قرطبة. درس ابن رشد في قرطبة الفقه، و الطب، و علم الطبيعة، الرياضيات، و الفلسفة بالطبع))(١). ((لم يثر أي فيلسوف على مر تأريخ الفكر الفلسفي ما أثاره ابن رشد من دوي: فما أكثر ما مُجِد ابن رشد بعد وفاته، و ما أكثر ما هوجم، و كُفِّر ابن رشد رسميا في حياته، و بعد مماته، في حياته من جانب علماء الكلام المسلمين، و بعد وفاته من جانب الكنيسة و رجالها))(٢). هكذا كان ابن رشد مثارا للجدل، فقد انتقد ((علماء الكلام لأنهم أهل جدل لا برهان. فهم قد آمنوا بآراء معينة بناءً على اعتقادات سابقة، يجعلون همهم نصرتها و تأييدها))(٣). كما انتقد التصوف و رفضه، و كذلك انتقد الفلاسفة المسلمين الذين سبقوه، لأنهم لم يلتزموا، برأيه، بالطريقة البرهانية الحقة، و بالتحديد، لم يلتزموا بآراء أرسطو. و كتابه “تهافت التهافت”، كما هو معلوم، كان ردا على الغزالي الذي حمل على الفلاسفة في كتابه “تهافت الفلاسفة” فبدعهم في عدة مسائل و كفرهم في أخرى.

و لم يكن ابن رشد مثارا للجدل في الإطار العربي الإسلامي فقط، بل تعدى تأثيره إلى العالم المسيحي، و ذلك عندما ترجمت شروحه على كتب أرسطو في نهاية القرن الثاني عشر، او في مطلع القرن الثالث عشر، على اختلاف بين المؤرخين، فعرف هناك بالشارح الأكبر، و سمي بـ Averroës. و بالرغم من أن أرسطو كان معروفا في الوسط المسيحي قبل وصول شروحات ابن رشد الى ذلك الوسط، فإن أرسطو لم يسبق ابن رشد (( إلا كمنطقي إذ ترجمت كتب المنطق كما هو معروف منذ القرن السادس على يد بويسيوس))(٤). بل يمكن أن نقول أن ارسطو قبل ابن رشد ليس هو نفسه ارسطو بعده، فأرسطو لم يقابل بالترحيب في هذا الوقت، ((لأنه جاء بصورة جديدة، إذ جاء في صورته الطبيعية و الميتافيزيقية، و هما صورتان كانت العصور الوسطى تجهلهما عنه تماما))(٥). فكان لابد من الصدام بين التصور الأرسطي عن العالم و الله، و بين التصور الذي تأخذ به الكنيسة عنهما. و امتد اثر ابن رشد عميقا في الثقافة المسيحية في القرون الوسطى، حتى ظهر هناك اتجاه بارز سمي بـ”الرشدية اللاتينية” اعتنق أصحابها آراء ابن رشد (التي هي آراء أرسطو) بل و نسبوا إليه آراءً لم يقل بها، مثل القول بالحقيقة المزدوجة.

بعد هذا العرض السريع و الموجز -و المخل ربما!- عن مدى أثر ابن رشد في العصور الوسطى، الاسلامية و المسيحية، نعود لنرى كيف نظر المفكرون و الباحثون العرب المعاصرون لابن رشد، و كيف حاولوا استدعاءه لرفد واقعنا المعاصر المتخلف.

ابن رشد: عقلانية في عقلانية.

في كتابه “النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد” يحاول المفكر الدكتور عاطف العراقي، بيان جوانب النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد-و ان كان ينتهي في الحقيقة إلى أن كلها ذات نزعة عقلية- و هو يصرح بهذا قائلا ((و قد ذهبت في هذا الكتاب إلى القول بأن ابن رشد ذو نزعة عقلية دقيقة، و أن هذه النزعة تربط نسقه الفلسفي برباط محكم و دقيق و تسري في كل جانب من جوانبه))(٦). و يحضى ابن رشد، الفيلسوف الخالد، بتعبير العراقي، كما يرى هذا الأخير، بمميزات ليست عند غيره من فلاسفة المسلمين، و هي:

١-يعد الفيلسوف الوحيد الذي حطم آراء الغزالي…

٢-اتجاهه العقلي، و موقفه من الفلاسفة السابقين عليه سواء فلاسفة اليونان، او فلاسفة الإسلام، و النسق الفلسفي الدقيق الذي قام بتشييده في مجال الفكر الفلسفي.

٣-امتداد اثره أكثر من غيره إلى الفكر الفلسفي اللاتيني.

٤-محاولة تقديمه أرسطو للفكر الفلسفي خاليا من الأخطاء و الشوائب [الخطأ هنا قد يكون مجرد مخالفة أرسطو!]…

٥-أنه من ذلك النوع الذي يدفع إلى القول بتفسيرات شديدة الإختلاف فيما بينها حتى أصبح الوصول إلى الحق وسط هذه التفسيرات من أصعاب الصعاب(٧).

و هذا الطريق الذي سلكه ابن رشد هو الطريق الذي علينا سلوكه، و ذلك ((أننا إذا شئنا للفلسفة العربية التقدم فليس أمامنا إلا طريق واحد هو طريق العقل))(٨). و هذه النزعة العقلية عند ابن رشد، كما يرى العراقي، ليست متمثلة فقط في الجانب الفلسفي، بل أن ذاتها ((حياة ابن رشد تمثل الجانب العقلي…و أن شرحه لأرسطو و اشتغاله بالطب و رده على ابن سينا و الغزالي كانت كلها عوامل حاسمة في منزعه العقلي))(٩). ((و ابن رشد إذا كان قد اطلع على كثير من آراء الفلاسفة كالفارابي و ابن سينا و ابن باجه و ابن الطفيل و غيرهم، فإنه كان أكثر منهم التزاما بالإتجاه العقلي و بخصائص الفكر الفلسفي و إن كان الفلاسفة الذين سبقوه قد مهدوا له الطريق بمؤلفاتهم، إلا أنه كشف عما في فلسفتهم من أخطاء، إذ هو يتجه مباشرة إلى المذهب الأرسطي))(١٠). هكذا يكون مذهب ابن رشد الخاص هو في كونه متبعا جيدا لأرسطو. و يحاول العراقي تبرير متابعة ابن رشد لمذهب أرسطو بالقول أن ((كل فيلسوف في الواقع يتأثر بالعديد من الأفكار التي سبقته، بمعنى أن ليس فينا أصيل))(١١). و لكن أليس هناك فرق بين التأثر بالآراء المختلفة و بين متابعة آراء فيلسوف بعينه حذو النعل بالنعل؟!

و يختم العراقي كتابه بما كان ابتدأه به، و هو التأكيد على النزعة العقلية لابن رشد قائلا: ((و من هنا كانت نزعته [=ابن رشد] نزعة تواكب العقل، و العقل يواكبها، حتى أصبح ابن رشد بحق فيلسوف العقل في الإسلام))(١٢).

ابن رشد:العروة الوثقى.

القراءة الأخرى، لابن رشد، التي سنقف عندها قليلا هي قراءة الدكتور محمد عابد الجابري، و هو لا يختلف مع العراقي حول نزعة ابن رشد العقلية، بل هو يذهب فيها إلى أبعد من ذلك ليؤسسها “عقلانية جغرافية”. فابن رشد ليس فيلسوفا عقليا لأنه ذو نزعة عقلية فقط، و إنما لأنه أساسا من المغرب! فبرأي الجابري أنه و ((منذ البداية تنطلق الفلسفة في المغرب و الأندلس من رفض الطريق الذي سلكه بها فلاسفة المشرق))(١٣). و في ظل هذا التأسيس التجزيئي الجغرافي، لن نعرف مكانة ابن رشد عند الجابري إلا إذا عرفنا مكانة الشيخ الرئيس ابن سينا عنده، و هو كما يرى الجابري ((المدشن الفعلي لمرحلة أخرى في تطور الفكر الفلسفي في الإسلام، مرحلة التراجع و الإنحطاط))(١٤). نعم لقد مثل ابن سينا الإزدهار، و لكنه فقط ((الإزدهار الكمي للثقافة العربية الإسلامية بضخامة مؤلفاته و وضوح تفكيره و سلامة أسلوبه، و أيضا بكثرة ادعاءاته و لكنه مثل إلى جانب ذلك، الوجه الآخر لنفس الثقافة، فكان رغم كل ما أضفى على نفسه، و ما أُضفي عليه من ابهةٍ و جلالٍ، المدشن الفعلي لمرحلة الجمود و الإنحطاط … [و هو] ذلك الرجل الذي كرس و عمل على تكريس لا عقلانية صميمة في الفكر العربي الإسلامي تحت غطاء “عقلانية” موهومة))(١٥). أما ابن رشد -بالعدسة الجابرية- فهو قد “تحرر معرفيا” ((من هيمنة الجهاز الإبستمولوجي الذي كرسته في المشرق “مدرسة حران” بكيفية خاصة و الأفلاطونية الجديدة بكيفية عامة، و أيديولوجيا من العوامل الإجتماعية-التأريخية التي صاغت حلم “المدينة الفاضلة” الفارابية و “الحكمة المشرقية” السينوية))(١٦). ((لقد قطع ابن رشد مع السينوية [و هنا يقدم لنا الجابري دعوة] فلنأخذ منه […] هذه القطيعة و لنقطع بدورنا قطيعة تامة و نهائية مع الروح السينوية “المشرقية” و لنخضها معركة حاسمة ضدها[!!]))(١٧) فإذا كنا نبحث في التراث عما يمكن أن يكون نافعا لنا في هذا العصر، فإن (( ما تبقى من تراثنا الفلسفي أي ما يمكن أن يكون فيه قادرا على أن العيش معنا عصرنا لا يمكن أن يكون إلا رشديا)). و ابن رشد “يجُبُّ” ما قبله، ((فكل من عاش أو يعيش لحظة ابن سينا بعد ابن رشد إنما قضى أو يقضي حياته (الفكرية) خارج التأريخ [و هكذا] قضينا نحن العرب حياتنا بعد ابن رشد خارج التأريخ (=في جمود و انحطاط) لأننا تمسكنا بلحظة ابن سينا … [بينما] عاش الأوربيون التأريخ الذي خرجنا منه لأنهم أخذوا منا ابن رشد فعاشوا لحظته و ما زالوا يفعلون))(١٨). هكذا يكون ما قبل ابن رشد هو “جاهلية فلسفية”، ((نعم إن فلاسفة المشرق كانوا يمارسون نوعا من التفكير العقلي و لكنهم كانوا ينتهون دوما إلى نوع من التصوف و الغنوصية. أما ابن رشد فلقد احتفظ بعقلانيته الصارمة و واقعيته المتفتحة إلى آخر لحظة من حياته)) لقد كانت فلسفة ابن رشد ((فلسفة مستقبلية على الرغم من ارتباطها بأرسطو […] إن الفكر الرشدي كان أقرب إلى عصر النهضة في أوربا منه إلى فكر ابن سينا))(١٩).

ابن رشد: مطرود من مجال التداول العربي.

على الضد تماما من موقف العراقي، و الجابري بشكل خاص، تقف قراءة الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن لفيلسوف قرطبة الأول ابن رشد الحفيد و موقفه منه. بل إن ما دعى طه عبد الرحمن للعودة و الحفر في تراث ابن رشد هو ما حظي به هذا الفيلسوف الكبير من حضور كبير في أوساط المثقفين و محاولاتهم لاستدعاء ما يسمونه بمنهجه العقلاني، معرضين بذلك عن بقية روافد التراث، و عبد الرحمن يصرح بذلك بشكل واضح في كتابه “تجديد المنهج في تقويم التراث” قائلا: ((سارعنا إلى تفحص أشهر هذه الأعمال واحدا واحدا، و تفحص ما حوته من نظريات واحدة واحدة، … و ما كدنا نفرغ من تحقيق مذاهب هؤلاء، حتى عاد إلينا الذهول بأشد مما أصابنا من قبل هذا التحقيق))(٢٠). و النموذج المخصوص في تقويم التراث، الذي يمكن اعتبار كتاب طه عبد الرحمن المذكور ردا عليه هو نموذج الجابري، فالهدف هو ((تحليل النموذج الذي اختص من بين النماذج التقويمية المتكاثرة بطرح إشكال التجزيء، هو نموذج د. محمد عابد الجابري))(٢١).

يشد طه عبد الرحمن الرحال صوب التراث، حاملا سيفه الذي يسميه “مجال التداول” ليبتر كل ما لا ينتمي لـ”المجال التداولي العربي الإسلامي” و هذا المجال، و كل مجال غيره، قائم على أصول ثلاثة: الأصل العقائدي، و الأصل اللغوي، و الأصل المعرفي. الخارج عن أحدها خارج عن مجال التداول

يستقرأ طه عبد الرحمن تداخل الإليات الانتاجية عند ابن رشد، ليؤكد تداخل علم الكلام مع الإلهيات في انتاج مضامين خطابه الفلسفي، و لكن في مقابل هذا التداخل فابن رشد صاحب نزعة تجزيئية للعلوم يفصلها عن بعضها. و لكن هذه النزعة التجزيئية متناقضة في الخطاب الرشدي، فهي و إن كانت ذات اتساق صوري، فهي تفتقد أولا الإتساق الطبيعي الذي هو ((عبارة عن موافقة القول الفلسفي للقول الطبيعي من حيث الدلالة و الإستدلال)(٢٢). فابن رشد من جهة ((يصل بين المعنى اللغوي و المعنى الاصطلاحي متى كان السياق الفلسفي يونانيا، و من جهة ثانية، يفصل بين المعنى اللغوي و المعنى الإصطلاحي متى كان السياق الفلسفي عربيا، … فيكون أبو الوليد جامعا بين القول بالتداخل في اليونانية و القول بالتجزيء في العربية، فإذن لا اتساق طبيعي عنده؛ و متى ارتفع عن مسلكه التبليغي هذا الاتساق، بطل القول بنهوض ابن رشد بالشمولية التواصلية للثقافية الإنسانية))(٢٣). و تفتقد ثانيا الإتساق التداولي، الذي هو ((عبارة عن مطابقة القول للفعل مطابقة توافق القيم العملية الموجِهة لمجال التداول))(٢٤). و هكذا فإن ابن رشد قد جمع في شخصه وصفين متعارضين هما “التكوين التداخلي” و “التأليف التجزيئي”، فانتسب إلى مجال التداول بفضل تكوينه، و خرج عن هذه النسبة بسبب تأليفه؛ فالنسبة التداولية عنده موجودة و مفقودة معا، و على هذا، فلا اتساق تداولي عنده؛ و متى ارتفع عن مسلكه العلمي الإتساق التداولي، بطل القول بنهوض ابن رشد بالخصوصية المعرفية للثقافة الإسلامية العربية))(٢٥). هكذا يُطرد ابن رشد خارج ساحة اللعب بالكرت الأحمر، فهو لا ينهض بالخصوصية المعرفية للثقافة العربية الإسلامية، و لا حتى بالشمولية التواصلية للثقافة الإنسانية. و لو سألنا طه عبد الرحمن، هل يستحق ابن رشد كل هذه الضجة؟ فسنجد جوابه الجاهز: ((حسبي أنه مُقَلِد، و المُقَلِد لا يمكن أن يعوِّل عليه من يطمح إلى تجديد الفكر الفلسفي الإسلامي العربي))(٢٦). و ابن رشد -بعدسة طه عبد الرحمن هذه المرة- إذا كان مُقَلِدا في الفلسفة فهو ليس مبدعا حتى في الجوانب الأخرى، و كتبه الثلاثة، المعدودة عند الباحثين من التأليف الإبداعي، و هي :تهافت التهافت، و الكشف عن مناهج الأدلة، و فصل المقال. هي عند طه عبد الرحمن ليست سوى دفاعا عن ذلك التقليد: الأول منها ضد الغزالي، و الثاني ضد الأشاعرة، و الثالث ضد الفقهاء(٢٧). و لكن ابن رشد فيلسوف إسلامي، و لا يشك في هذا سوى المتعامي، فما هي فلسفة ابن رشد يا عبد الرحمن؟ و جوابه أنها “الفلسفة المفصولة” ((فلسفة منقولة لكنها لم تتداخل مع المعارف الإسلامية، و لا تعاطت للتوافق مع مقتضيات المجال التداولي الإسلامي، و الفلسفة الإسلامية بهذا المعنى هي التي لها، حقيقة، وجود عند ابن رشد))(٢٨).

ابن رشد: تأسيس الأورثوذكسية الأرسطية.

لنتوقف قليلا عند الدكتور جورج طرابيشي صاحب المشروع الأكبر في “نقد النقد” ردا على مشروع الجابري في “نقد العقل العربي” و قد كان له[=طرابيشي] نقد لموقف الجابري من الفيلسوفين الكبيرين: ابن سينا، و ابن رشد. و إذا كان كلام طرابيشي يأتي في سياق سجالي نقدي فلنستعد بسرعة موقف الطرف الآخر و هو الجابري، و لنتذكر أنه رفع مستوى نقد ابن رشد لابن سينا إلى مستوى القطيعة الإبستمولوجية(المعرفية)، ليجعل ابن رشد صادرا عن ((إشكالية جهوية -حتى لا نقول: إقليمية- و ليس لها من مدار معرفي سوى المواجهة بين مشرق و مغرب)). بينما الإشكالية التي يصدر عنها ابن رشد، برأي طرابيشي، هي ((إشكالية أُصولية -بمعنى العودة إلى أصل أول- لإحياء السنة الأرسطية و لتطهير العقيدة القويمة المشائية من “هرطقات” الشراح اليونانيين و الإسلاميين على حد سواء)). و لكن هل الأرسطية قابلة للتأسيس أصلا على عقيدة قويمة؟ و هل ابن رشد نفسه يصدر عن عقيدة أرسطية قويمة؟ و هل تتوافر له [=ابن رشد] الأدوات المعرفية و المنهجية و النقدية الضرورية لفصل “الأورثوذكسية” الأرسطية عن ملابساتها الأفلوطينية و عن الهرطقات المشائية [المتراكمة] عليها على مدى ألف و خمسمئة من السنين؟ ((الشيء الذي كان يقتضي -في جملة ما يقتضي- التوافر على نصوص ارسطو بلغتها الأصلية و تمريرها من عنق زجاجة النقد التأريخي، …، و الإنفكاك من أسر تأويلات الشراح و اجتهادات المترجمين، فضلا عن القدرة على الإنسلاخ النسبي عن العصر و عن المنظومة المرجعية للعقل العربي الإسلامي لقراءة أرسطو بالإحالة إلى عصره و ضمن المنظومة المرجعية للحضارة اليونانية في لحظة انقلابها الهلنستي)).((و على هذا النحو، فابن رشد [بعدسة طرابيشي] بدلا من أن يعيد بناء الأورثوذكسية الأرسطية، لم يفلح إلا في أن يؤسس عبادة حقيقية لأرسطو)). ((و لا شك في أن إنجاز ابن رشد الكبير هو في تبنيه مفهوم البرهان))، و لكن البرهان عنده ((ليس هو الصدق الذاتي لنسق منطقي بعينه))، و ليس ((ما توجبه ضرورة العقل المستقل بنفسه. و إنما البرهان عنده ما كان يطابق أقاويل أرسطو)). ((فابن رشد لا ينتصر لارسطو انتصارا لا مشروطا ضداً على من تقدم عليه و تأخر عنه من الفلاسفة فحسب، بل ينتصر له أيضا، بالصورة اللامشرطة نفسها، ضداً على كل من يخالفه في الأقاويل في شتى مجالات العلم الطبيعي كالطب و الفلك و التعاليم و المناظر)). ((و إن يكن من شيء يرفضه ابن رشد في الفلسفة فهو الإعتراف بشرعية الإختلاف)). ((و الواقع أنه عندما يغدو “نهج أرسطو”، بما هو كذلك، هو “فيصل التفرقة” بين ما هو برهاني و ما هو غير برهاني، فإن ابن رشد، في التزامه المطلق بهذا المعيار في محاكمة فلاسفة الإسلام، لا يثبت بذلك لا برهانية الفارابي أو ابن سينا، بقدر ما يثبت أنه هو نفسه يقرأ البرهان الأرسطي بعين بيانية)).

و يتجلى موقف ابن رشد البياني، كما يرى طرابيشي، في نقده لابن سينا في كتابه “تهافت التهافت”، ((و بالفعل قد أمكن لنا أن نحصي في هذا الكتاب عشرين مرة و نيفا يحكم فيها ابن رشد على أقوال خصمه الكبير[=ابن سينا]، بأنها “جدلية” و لا “برهانية” لمجرد مخالفتها “كلا الحكيم”[=ارسطو] -أو ما يعتقد بالأحرى أنه “كلام الحكيم”-))(٢٩).

ابن رشد: الهامش الطامع بالمركز.

بعد الوقوف عند هذه المواقف المتباينة و المتناقضة بشكل صارخ حول فيلسوف قرطبة؛ نحتاج للإستراحة عند موقف أقل “غلوا” و أكثر “إنصافا” -إذا جاز لنا النعت- و هو عند الدكتور نصر حامد أبو زيد.

في البدء يحذر أبو زيد من الوقوع في نمطين شائعين من أنماط الإستدعاء لأفكار ابن رشد الحفيد:

الأول:- ((استدعاء ابن رشد “هامش” الثقافة العربية الإسلامية في بعدها التراثي)) لأن هذا الإستدعاء ((لن يفيدنا أكثر من الدخول في صراع أيديولوجي ضد ممثلي مركز ذلك التراث)).

الثاني:- استدعاء ((averroës بكل ما أضافته إليه الشروح و التفسيرات و القراءات و طورته لتحقيق التنوير)) لأننا في هذه الحالة ((سنستدعي صيغة التنوير الأوربي، و هي صيغة تتعرض لنقد شديد)).

((إننا نحتاج لقراءتنا الخاصة التي لا تعني الإنفصال التام و الإنعزال الكامل عن القراءة الأوربية من جهة، و لا تعني من جهة أخرى فصم أواصر التداخل و الإشتباك بين ابن رشد و سياقه العربي الإسلامي تأريخيا و حضاريا))(٣٠).

كان ابن رشد يمثل الهامشية، و ذلك على مستويين: ((مستوى الهامشية الفكرية و العقلية من جهة، و مستوى الهامشية الإجتماعية و السياسية من جهة أخرى)).

إن جمع ابن رشد التي بين شخصية الفيلسوف و شخصية الفقيه ((يعكس “وعيا” بحالة “التهميش” التي تعانيها الفلسفة، و تعكس “أملا” بتجاوز حالة التهميش تلك و التحرك إلى الإقتراب من دائرة “المركز”)). و ((لكن في هذا الأمل بالتحديد يكمن “تهافت” الخطاب الذي قدمه ابن رشد، ذلك أنه بانخراطه السجالي ضد خطاب “المركز” -خطاب الغزالي بصفة خاصة- كان مضطرا، محكوما بذلك “الأمل” في التحرك من الهامش، إلى تقديم بعض التنازلات))(٣١).

لكن ابن رشد يظل، في نظر ابو زيد، ((هو هذا العقل المولد في بيئة الأندلس، ملتقى العوالم و الثقافات و الأديان، هذه البيئة التي أنتجت عقلانية ابن رشد و صوفية ابن عربي و اشراقية ابن طفيل))(٣٢).

……………………………………………………………………

الهوامش.

(١)د.زينب محمود الخضيري: أثر ابن رشد في فلسفة القرون الوسطى، ١٩٨٣م، دار الثقافة، ص١٥-١٦.

(٢) المصدر السابق، ص٥.

(٣) د. عاطف العراقي: النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد، الطبعة الرابعة، ١٩٨٤م، دار المعارف، ص١٨٢.

(٤) أثر ابن رشد في فلسفة القرون الوسطى،ص٤١.

(٥) المصدر السابق، ص٤١.

(٦) النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد، ص٢٣.

(٧) المصدر السابق، ص٢٠-٢١.

(٨) المصدر السابق، ص٢٤.

(٩) المصدر السابق، ص٢٧.

(١٠) المصدر السابق، ص٨٣.

(١١) المصدر السابق، ص٨٧.

(١٢) المصدر السابق، ص٣٦٢.

(١٣) د. محمد عابد الجابري: نحن و التراث، الطبعة السادسة، ١٩٩٣م، المركز الثقافي العربي، ص٤١.

(١٤) المصدر السابق، ص١٤٨.

(١٥) المصدر السابق، ص١٠٠.

(١٦) المصدر السابق، ص٤٣.

(١٧) المصدر السابق، ص٥٠.

(١٨) المصدر السابق، ص٤٩.

(١٩) المصدر السابق، ص٢٤٩-٢٥٠.

(٢٠) د. طه عبد الرحمن: تجديد المنهج في تقويم التراث، الطبعة الثانية، المركز الثقافي العربي،ص٩.

(٢١) المصدر السابق، ص٢١.

(٢٢) المصدر السابق، ص١٣٤.

(٢٣) المصدر السابق، ص١٣٦.

(٢٤) المصدر السابق، ص١٣٦.

(٢٥) المصدر السابق، ص١٣٧-١٣٨.

(٢٦) د. طه عبد الرحمن: حوارات من أجل المستقبل، الطبعة الأولى، ٢٠١١م، الشبكة العربية للأبحاث و النشر، ص١٣٠.

(٢٧) المصدر السابق، ص١٢٥.

(٢٨) المصدر السابق، ص١٢٧.

(٢٩) د. جورج طرابيشي: نقد نقد العقل العربي (وحدة العقل العربي الإسلامي)، الطبعة الأولى، ٢٠٠٢م، دار الساقي، ص١٣٢-١٣٧.

(٣٠) د. نصر حامد أبو زيد: الخطاب و التأويل، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٨م، المركز الثقافي العربي، ص٢٢

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق