ثقافة المقال

كيف حولوا الدين الاسلامي من ديانة سلام عالمية الى وسيلة مدمرة

أ هاني جودة

ربما قراءة كافة كلمات المقال رغم طوله سيعطينا العديد من المعارف وسيجعلنا أكثر ادراك بأهمية الاسلام للسلام العالمي ولا نقصد هنا الاسلام ( “الشيعي” بأنواعه ولا “الداعشي” ولا “الإخواني” ولا “القاعدي” ) , في أول تساؤل يتبادر للذهن لماذا الاسلام ؟ , يتفق باحثي الأديان السماوية الثلاث على الرسالة الخالدة التي حملتها الأديان السماوية – بنصوصها الصحيحة – من تسامح , ومحبة وسلام ودعوة للتآخي وفعل الخيرات والقربات والتضحية وبذل الغالي والنفيس من أجل السلام وخدمة الآخرين والحث على طريق الخير بل حماية المجتمعات من التصرفات الشاذة وتقويم مسارات السلوكيات الانسانية للفرد والجماعة بما يشِّدُها الى الاستقامة بشكل مستمر , تلك النصوص السامية حملها رسل وأنبياء لينشروا العدل في أصقاع الأرض وهي كلام الله المرسل للبشرية لحمايتها من الانحراف ودعوتها لتوحيده .

لقد كانت رسالة الإسلام منذ عصر صدر الاسلام واضحة المعالم فحثت على صلة الارحام والعدل والتسامح وحاربت الرق وحثت على عتق الرقاب والصدقات وفعل الخيرات والأمن المجتمعي ووقف قتل البنات لقد تميز المجتمع الاسلامي الصغير في مكة والمدينة بالصدق والتآخي والتفاني والعدل وكانت سمات عامة لهم كل ذلك ساعد على الانتشار السريع للإسلام شرقا وغربا , لقد دخل الاسلام مناطق بعيدة جدا عبر التجارة عندما لامس التجار في أقصى الشرق كيف أن التاجر المسلم يتحلى بالأمانة والصدق والعدل والخوف من الله , بدأ الاسلام يدك عروش أسر رومانية وفارسية عريقة حكمت لقرون في الشرق والغرب ورغم رسل السلام الذين توجهوا لكسرى وقيصر الا أنهم آثروا استمرار حكمهم وأمجادهم الامبراطورية رغم اقتناعهم بصدق الرسالة والرسل .

· الفرس

ومن وقتها ابتدأت رسميا الحياكة السلبية التي نحياها حتى يومنا فرغم الانكسار الكبير الذي لحق بالإمبراطورية الفارسية الا أن الحقد الفارسي استخدم التقية – التي هي جزء من التفكير الفارسي – ودخل الفرس الاسلام وكانوا أول المشجعين للحسن والحسين بن علي رضي الله عنه وتشيع الكثير منهم بل جعلوا لأنفسهم أئمة بعد علي والحسين رضي الله عنهما , وحتى بعد تنازل الحسن رضي الله عنه للأمويين استمروا في محاولات عدائهم دعما للحسين (بعد أن قتل رضي الله عنه) فلقد كان لزواج الحسين بفارسية مدخلا لولاء يستمر ليومنا هذا حتى بعد أن خذلوه هم وتفرقوا عنه بعدما وعدوه بالنصر والحماية ! لقد أنشأوا لأنفسهم طرقا مذهبية ودينية اسلامية نرى وحشيتها ووحشية سلوكها وعدائها للإنسانية بأفعالهم السنوية بكربلاء حيث ضرب السيوف وتطاير الدماء للشيب والشباب والأطفال وأفعال اخرى لا انسانية , ولقد استمروا في عدائهم حتى عصرنا الحديث عند انطلاق ثورة الخوميني عام 1979 التي جاءت بأزمات للعالم فمنذ ذاك التاريخ وهم يحاولون تصدير مبادئ ثورتهم الفارسية للجوار العربي بل للعالم الاسلامي كافة , عندما قلنا في بحث سابق أنهم كانوا وبال مسلط على العثمانيين لم نقصد انهم كانوا متحاربين لسنة أو سنتين فلقد اتخذوا من تبريز عاصمة لهم وعاثوا فساد وخراب في بغداد كما التتار وحارب العثمانيون الغرب بجيوشه التي لا تتوقف والفرس الصفويين لسنوات طويل وفي آن واحد مما أنهك العثمانيين وجعلهم دولة عسكرية الطبع والطابع ولا تنتبه للإصلاحات الداخلية بسبب كثرة الحروب وعدم توقفها على كل الجبهات , واليوم في تاريخنا المعاصر يستمر الفرس في ضرب استقرار الدول العربية كافة في محاولة مستمرة منهم لاستعادة الامجاد الفارسية التي فقدوها قبل قرابة 1400 عام متدخلين في اليمن ولبنان وسوريا والعراق والبحرين و فلسطين و في كل أزمة يفتعلونها بناء على مصالحهم , واعتقادي التاريخي هنا انهم لن يفلحوا مهما حاولوا لان المشروع الفارسي اغلق لدينا منذ ذلك التاريخ وما محاولاتهم الا فشل يضاف الى فشل رغم العلو الكبير الذي يصلونه كل مرة فلقد تعدونا منهم على العلو ثم الهبوط الحاد .

· الرومان

امتدت الامبراطورية الرومانية قرابة ال13 قرن من الزمان كأعظم دولة في التاريخ البشري وقتها , رغم اقتناع هرقل بصدق الرسالة والمرسل الا انه اصر على مواجهة المسلمين الذين طردت جيوشهم الرومان من كل المناطق العربية في الشمال والغرب لم يكن للغرب أن يسلم بالهزائم الكبيرة للإمبراطورية الرومانية فجهز الجيوش واتحد رغم اختلافه وخلافاته الطائفية والمذهبية ولكنه هزم في كل مرة رغم علو شأنه في بعض الفترات وصولا بالحملات الصليبية التي توحدت بها أوروبا تحت قيادة ملوكها وأمرائها والبابا وحكمت هذه الحملات الساحل السوري والفلسطيني ومدينة القدس لأكثر من ثمانين عاماً حتى انتهى وجودهم على يد خليل بن قلاوون لا يمكن للغرب أن ينسى أرض السمن والعسل واللبن , تلك الأرض التي بقيت مطمع للغزاة على مر التاريخ , كيف للرومان أن ينسوا سيطرتهم على الساحل الشمالي لأفريقيا المطل على البحر الأبيض المتوسط والذي سمي لفترة من الزمن ببحر الروم العظيم بل امتد الاسلام برسالته أكثر ليتجاوز حدود طنجة وسبته ويدخل الاندلس التي اعتبرت منارة أوروبا العلمية والثقافية لثماني قرون بل تذكر المصادر التاريخية ارسال ملوك أوروبا لأبنائهم وأبناء الأمراء لنهل العلوم من الأندلس والقيروان التونسي لقد كانت حضارة الاسلام في الشمال الافريقي والأندلس منارة للعلم والسلام وقمة في الرفاه لكل طبقات المجتمع فالإسلام يتيح للجميع ان يكون سواسية في دولته يهوديا مسيحيا مسلما وله حق العمل والتملك وحتى المشاركة في الجيش فالإسلام دولة مدنية علمية معرفية منفتحة لا متشددة , تابعوا عن قرب تاريخ سقوط دولة بني الأحمر في غرناطة الأندلسية سنة 1492 وبين اندلاع الثورة المعرفية الفرنسية عام 1789م اقل من ثلاث قرون فقط كانت كفيلة بإعداد مجتمع فرنسي منه جان جاك روسو وآخرون بمؤلفاتهم التي سبقت الثورة والتي استمدت حريتها من تاريخ الجارة (الأندلس) .

لقد اقلق الرومان هذا المد الكبير الذي يعتمد على الاقناع والمعاملات فأرادوا كما الروس في العصر الحديث انشاء طوائف وجماعات دينية اسلامية تغير من المفاهيم السامية الى رذاذ وفوضى قاتلة اسسوا القادنية وغيرها حاولوا لمرات كثيرة دخول الدين وتأويله حاولوا تلبيس معتقدات جديدة وفي تاريخنا المعاصر لقد أبدع الغرب مع علوه الشديد متحدا من النظام الصهيوني الماسوني العالمي في تأسيس افكار اعتمدت على تأويلات وتفسيرات مزاجية او تفسيرات كانت لابن تيمية مثلا كانت خاصة ابان غزو المغول الهمج للمشرق العربي والجميع يذكر بحكم المطالعة والمعرفة كيف كان المغول وحوش بشرية هددت العالم بأسره , فكانت بعض الفتاوى التي يستخدمها اليوم المتشددين والمتطرفين كانت خاصة وفقهية بفقه الوقت والزمان وتصلح للتعامل بها مع همجية المغول وعدوانيتهم للنسل البشري , ساهم الغرب باتحاد من الصهيونية اليهودية والمسيحية في نشر هذه الأفكار في أفغانستان مستخدمين جماعات اسلامية لطرد الروس ثم في العراق وسوريا في الصراع الدائر منذ العام 2011م أفكار جهنمية استطاع أحفاد الرومان متحدين مع الجماعات اليهودية المتنفذة من تأسيس دينا متطرفا ألصقوه بالإسلام يقتل وينهب ويعربد ويفجر باسم الاسلام صارخا (الله أكبر) وربما المتتبع للتاريخ منذ 1400 عام لم يشهد العالم الاسلامي فتنة اشد من التي نحياها رغم أن تاريخنا جزء من التاريخ البشري ويخضع لعمر الدولة من شباب وقوة وشيخوخة حيث شهد قوة وضعف وتآمر , عدا ان ديننا بقي الرسالة الأسمى التي حافظت على السلام في مضمونها وجوهرها وسلوك المعتدلين الحقيين .

تعقيب

لعل المراقب لما يجري اليوم من استثمار للنص الديني الإسلامي من لدن الجماعات المتشددة، التي تتخذ من عقيدة الولاء والبراء أصلا من أصولها النظرية في الممارسة السياسية، ستثار لديه التساؤلات بخصوص هذا التحول وتاريخه، ويعتقد بأن هذا الاستثمار السياسي للنص ولد حديثا مع نشأة التيارات السياسية الدينية، بدءا من جماعة الإخوان المسلمين ، في بداية القرن الماضي، ثم ثورة الخميني ثم اتخذ مداه الأوسع مع ميلاد الجماعات السلفية المتشددة التي خرجت من رحم الجماعة الأولى، فكريا أو تنظيميا، أو الاثنين معا , حركات الإسلام السياسي بأنواعها المختلفة وتياراتها المتعدد يبدو أنها تعيد صياغة رسالة جديدة بعيدة عن الرسالة النقية الأولى للإسلام التي كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مركز تفسيرها وترجمتها إلى الناس في شكل سلوكيات يومية تسمى السنة النبوية. فقد ابتدعت تلك الحركات تفسيرات ومقولات جديدة ركبتها في سياق ديني إسلامي ألبسها ثوب التأويل، فكانت النتيجة علبا أيديولوجية متباينة مع الإسلام ذاته خلقت لبسا بين الدين الإسلامي والإسلام السياسي ويبدو المتتبع “الحق” يمكن له الفصل بين التاريخ الاسلامي وتاريخ الحركات الاسلامية , وايضا الفصل بين الاسلام والاسلاميين الجدد , وقد نتجت عن التأويل، في العصر الحديث، جنايات كبرى أدخلت المسلمين في اختلافات جسيمة حول التفسيرات التي تلتصق بالإسلام ، حتى صار التقاتل تحت ذريعة النص عنوانا من عناوين الهدم الحضاري والانساني ، وصارت بعض الآيات القرآنية أو التعبيرات الواردة فيه شعارات تتخذها جماعات معينة تميز به نفسها عن الجماعات الأخرى، بالشكل الذي فقدت فيه تلك التعبيرات أو الآيات القرآنية دلالاتها الأولى في التنزيل وهو انحراف واضح من هذه الجماعات واستخداما عدوانيا للنص القرآني المقدس ، بعدما أصبحت دليلا على تلك الجماعة أو التنظيم، وميسما خاصا به دون غيرها، بناء على مجرد (التأويل) , الجميع من تلك الحركات الاسلاماوية لديه كم رهيب من الادلة القياسية على صحة ادعائه او ادعاءاته , ثمة أخطاء كبيرة من سلوك تلك الجماعات الاسلامية كانت ولا تزال مطية للإسرائيليات ولقمة سائغة للماسونية والصهيونية التي تشغل نفسها على مدار الساعة للتفكير بهدمنا وهدم كل قيمنا الانسانية والحضارية وجعلنا تنين شرير يهدد الاستقرار العالمي ! ويسوقون للعالم بأسره أن الاسلام هو مصدر الشر العالمي والمسلمين قتلة بالفطرة ويستشهدون بأفعال داعش وأخواتها .

يجب إخراج الإسلام من المنظومة الثقافية التقليدية التي اتسم بها هذا القرن الذي اصبحنا به ألعوبة للغرب . وما هذه الهجمة التي نحياها الا بسبب تصرفات أغلب التنظيمات والجماعات الإسلامية، والهجمة تأتي في الغالب من قبل الذين لم يدرسوا الإسلام ويتطلعون إلى الحضارة الغربية على أنها الأرقى ومن المفروض التشبه بها. لا يجوز محاكمة الإسلام بناء على تصرفات المسلمين أو الاسلاماويين الجدد ، كما لا يجوز محاكمة النظرية الماركسية بناء على تصرفات الاتحاد السوفييتي , الكثير من تصرفات الجماعات الاسلامية لا تعكس الفكرة الإسلامية وهي خارجة عن المنظومة الأخلاقية الإسلامية وتسيء للإسلام. تلك الجماعات هي أكثر من يسيء للدين الإسلامي، الاسلام هو الثقافة التاريخية للمسلمين والمسيحيين في الساحة العربية ، ولمختلف الطوائف والمذاهب الإسلامية والمسيحية بحكم ان المنبت واحد , من الجميل على الجميع معرفة انه لا تدين في الإسلام وإنما هناك علم وعمل وإيمان وسلوك نحن نغرق الآن في الشعائر ونستمر في زيادة حجمها لكننا نبتعد كثيرا عن العبادات المنسجمة مع العطاء والإنتاج والجهاد والاشتغال بالعلم وتربية الأجيال مشكلتنا الكبيرة أن الذين يشوهون الدين الإسلامي هم الذين يحكمون رؤى الناس العاديين للدين هم الذين يصعدون المنابر بدون سلوك يحكمهم ولا مقاصد اسلامية بحتة , أحدهم موالي للسلطان والأخر بوق لأجل جماعته الاسلامية , هؤلاء هم من يضعوا الاسلام في تعداد المجهول ويجعلونه غريبا أمام العلوم والتقدم والمدنية والحضارة والمعرفة , هؤلاء كبيرهم أكول نكوح وصغيرهم سفيه أحلام حدثاء اسنان , كما لم تضر الحروب الفرنجة ولم تضر مؤامرات الفرس فرسالة السلام والخير والطمأنينة باقية ومنتصرة وما الأدوات الاسلامية المختلفة التي تضر الاسلام الا هوامش تدوسها عجلة التاريخ .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق