ثقافة السرد

سـاعـات الـرمـل

محمد سهيل احمد ٍ

ثلاثة أسابيع وأنا ابحث مع جمع من المسافرين عن وسيلة نقل تقلنا عبر السودان الى ليبيا . لا اكتم سرا إذ أقول ان ندما ساورني وأنا أتلقى التحذير تلو التحذير من مخاطر الرحلة.. تفزعني فكرة مفادها إنني أوشك على السقوط الى قعر بئر بعمق آلاف الكيلومترات .. افر إلى السطح :
” .. في غمضة عين وتكون على الضفة الأخرى من الصحراء .. لن تكون أكثر من مجرد رحلة أصبع على خارطة او صبوة رامبوية بالرحيل إنما بالاتجاه المعاكس .. ! ”
شارفنا الحدود والليل قد شرع ينسج خيوط عباءته السوداء .بتنا ليلتنا على مصاطب مهشمة الأضلاع بمتنزه مهجور ..ابتعت من سوق قريب بعض الطعام زادا لسفر طويل . عدت لنفس المكان لأجد ان عدد الركاب المزمعين على السفر اخذ رويدا رويدا بالتزايد. كان يجمعنا هدف وحيد : العثور على واسطة نقل يقودها سائق ذو عزيمة وجلد ودراية بمسالك المتاهة التي نحن مخترقون . كان عندي ولع ما بالجغرافيا . انا الآن مولع بالمخاوف .سمعت ــ باندهاش وبقدر كبير من الفزع ــ حكايات عن عائلات طمرتها رمال الصحراء وعن آخرين ذابوا كفصوص ملح او تلاشوا مع السراب .. !
في آخر النهار قدمت شاحنة من جهة ما . توقفت بالقرب منا . انحدر منها شاب يرتدي زيا فولكلوريا محليا . أقنعنا السائق ومعاونه ــ بعد طول نقاش ــ بالموافقة على اصطحابنا معه لقاء مبلغ متفق عليه . بعد مفاوضات مريرة حول المبلغ تم الاتفاق على ان يدفع كل راكب منا ما يعادل الخمسين دولارا .
هكذا بدأت رحلتنا نحو المجهول ” .. المجهول .. المجهول .. أول الصحراء .. أول حرف من حروف الريح .. ” . في بادئ الأمر اندفعت الشاحنة بسرعة عالية دون أدنى التفات لتضاريس الطريق . كان الطريق معبدا بالإسفلت في مراحل قليلة منه متحفرا في مراحل أخرى ، مطمورا بالرمال في معظم أجزائه . كان صخب الماكينة وهدير مفاصل الهيكل يفريان الأعصاب . ثقل رأسي . ومع مرور الوقت اعتدت الأمر. .كان ذلك مفزعا وباعثا على الأمل في آن معا . ثمة أمان نسبي في هذا الجزء من الطريق ” .. الطريق .. ثمة من عبر هذا الطريق .. هنا حياة .. ولكن آه .. ماذا عن الذين أخفقوا بالعبور والتهمتهم الكثبان ؟ هكذا هي الحياة او هكذا هو الفناء .. وجهان لعملة واحدة .. ما المجازفة ؟ ما ارفع الخيط بين الوجود والفناء .. هو الخيط نفسه إنما هو اقل سمكا بعشر من عشر الملليمتر.. لا يدرك هذا الشعور إلا من خبره سواء كان مرغما ام غير مرغم .. يدركه لاعب الأكروبات في السيرك وهو يسير على الحبال ويدركه جائس الأرض الباحث عن الألغام والغواص وخبير المفرقعات والحاوي الهندي وهو يوقظ افعى الكوبرا بأعذب الألحان ولا عب السيرك وهو يحشر رأسه بين شدقي الأسد.. !”

بتوغلنا في بحر الرمال ازدادت رحلتنا مشقة . كم مرة شعرت بالغثيان لحد فقدان الإحساس . كم مرة طلب منا مغادرة الحوض والمشاركة بدفعه كي لا تنغرز إطاراته في اسفنج الرمال . . تتراءى على الجانبين هياكل عظمية لجمال وعظام ناتئة وهياكل لمركبات مطمورة في الرمل ومناقير طير وبطون جياد مبقورة . ارجع لوقفتي لأرقب السراب ، حين يصفو المدى ، في آخر الأفق ، متعللا بأنه في كل الأحوال أفضل ألف مرة من فحيح الكثبان ومن انعدام الرؤية . . ما الذي يفعله السراب حقا ؟ ان له مفعول المخدر فهو يحيل كل شيء في شاشة الأفق الى مدن وشوارع وحدائق وكائنات حية : أطفال يتأرجحون تحت ظلال النخيل ، ماشية ترعى كلأ اخضر .. كل شيء اخضر .. الشجر.. السماء .. الكثبان .. حتى الهواء اخضر ! وفيما نحن نقترب من تلك المرايا الواعدة ندرك ان ذلك السراب ليس سوى هباء في هباء !
فيما كانت المركبة تنهب الأرض الجدباء نهبا ً؛ مالت الرحلة ــ ككل الرحلات الطويلة ــــ الى ان تضحي بلا نهاية . طاردني سأم قاتل . فكرت بخدعة ما من اجل التخلص منه . رحت اعد الفنادق التي آوتني والمدن التي زرت والتي لم أزر والأفلام التي تفرجت عليها والأنهار التي بمياهها اغتسلت فلا انتهت الرحلة عند نقطة ما ولا انتهيت ! قاربنا النقطة الحدودية والليل لمّا يرخي سدوله بعد .لم تختم جوازات سفرنا إلا في صباح اليوم التالي ! وتمضي الشاحنة كتلة تدور في سديم والسديم يدور في فلك سديم آخر .. يوم وليلة ونحن على هذه الحال..
يصرخ عبدالله :
– نصل بعد قليل لواحة ” السوالي ” ..
نظرت للراكب المحشور بجانبي:
– أيمزح سائقنا ؟ !
– ابن الكبش هذا لا يعرف للمزاح سبيلا .. !
لاح لنا في البعيد بناء واطئ السقف تسمق إزاءه نخلتان .. دبت الحياة في إحدى عشرة جثة ..غادرنا الحوض ونحن نفرك أعيننا غير مصدقين .. تبعثرنا هنا وهناك :
ـــ خالد ضو .. انت تعرف المكان جيدا..
– اعرفه أفضل مما اعرف راحة يدي ..
دلفنا لصالة صغيرة انزوت في ركنها الأيمن طاولة قميئةً. جلس ازاءها رجل بلون البن المحروق . راح يرطن بلغة لم استطع ان افهم منها حرفا واحدا ً .
قال خالد موضحا :
– انه يرحب بنا باللغة السواحلية ..
صرّ باب غرفة ، أطلت امرأة سوداء ذات وجه مليح . ما أن أبصرت صاحبنا السوداني حتى اندفعت معانقة اياه ثم انفجرت باكية . كانت ترتدي منامة خفيفة على جسد ذاوٍ وتعقص شعرها الأكرت للوراء بشريط من القماش المبهرج الألوان. دفعها عنه بلطف فاتر .. مسك يدها .. ادخلها ثانية للغرفة وهو يضع سبابته على ارنبة انفه .. همس بأذنها بشيء ما فانفرجت أساريرها .. عائدة لداخل الغرفة.
سألته :
– ماذا بالضبط قلت لها ؟
– كلمات على سبيل المزاح … انها الأنثى الوحيدة في المنزل .. ربما لن تلقى أنثى اخرى في هذه الواحة .. كنّ أربع نساء في الأصل .. ماتت أحداهن بمرض غامض .. اثنتان استطاعتا التسلل والوصول لمدن السواحل عن طريق الاختباء في احدى الشاحنات تحت شحنة من الزمزميات .. اما هذه البائسة فلم يحالفها الحظ ..
ـــ هل عملت بالتهريب ؟
ـــ تقريبا ً .. ليس الآن على الأقل .. كنا نذهب الى تشاد والى اعالي نهر ” النيجر ” ونأتي ببضائع ونساء .. ثمة من يرغبن بالوصول الى مدن الشمال الإفريقي .. يصطحبن معهن صرراً مليئة بأمشاط ، أعواد بخور ، سواك، لبان ، زيوت لتلميع البشرة، قواقع ، أصداف ، خرز ضد الحسد وأخرى لجلب عناية الملائكة ، تعاويذ ، عظام أفاع ، ألواح لتخضيب الشفاه ، أعشاب لتقوية الباه .. المحظوظة منهن ما ان تصل لحافات المدن حتى تنضم لحشود اخرى من المكدودات يقضين الليالي على بسط متهرئة بأكواخ من الصفيح وينحدرن نهارا للسوق كي يفترشن ما لديهن من سلع . هكذ تفعل الكثيرات من أمثال ” نجمة ” هذه ، اجل نجمة في سماء من الوحل !
عبث السواحلي بجهاز راديو فاندلقت همهمات مصحوبة بنغمات ناي افريقي ..تراطن ساعة مع خالد فسألني ان كنت بحاجة لامرأة ترعاني او فيما اذا كنت بحاجة الى شيء آخر !
قلت متذكرا :
ـــ ثيابي التصقت بجسدي .. ارغب في ان استحم ..
نقل اليه رغبتي . كمن بوغتّ بسيل من حجارة ينهمر على . اغلق هو المذياع .. حدجني بنظرة غضب:
ـــ الماء ..آه … بلغ من ندرته انني نسيت اسمه .. الماء الوحيد المتبقي يكمن في ظهور الرجال !
قلت في غيظ :
ـــ إسأله يا مترجم ان كان رامبو قد مر بهذا المكان ..
سأله خالد ضو . انهمك يمسد لحيته الكثة…. شد اليه سجلا مهترئا. فتح صفحاته مرددا :
: ـــ رامبو .. رامبو ..
دفع السجل نحوي بإشارة يائسة مشيرا لقائمة أسماء وتواريخ :
ـــ أهو عراقي مثلك ؟
ـــ كلا .. انه فرنسي ..
كاد ان ينفجر من الضحك :
ـــ وفرنسي أيضا ؟
ـــ ويجري في عروقه دم افريقي ..
ـــ هل هو مهرب أيضا ؟
ـــ كلا .. انه شاعر ..
قال باستسلام :
ـــ انه السجل الوحيد الذي نملك .. لعله مر بواحة أخرى غير واحتنا او صار منشدا لقبيلة الزولو !
* * *
غادرنا الواحة في اول الصباح. عدنا لملاحقة قرص الشمس والتضمخ بالغبار . اخيرا ، ودونما توقع اعلن السائق عن وصولنا لمشارف ” الكفرة ” .. اولى واحات الصحراء الليبية .. بدت لنا معالمها أشبه بعدن مستعاد : اشد خضرة مما هي عليه ؛ ربما بفعل الصحراء التي كانت .. الصحراء التي كنا !..
فيما كنت اتأمل جملة رامبو : ” سوف امضي بعيدا .. بعيدا جدا .. مثل غجري ” ، أدركت انه كان يتحدث عنا .. الرحيل هو الرحيل .. حتى وإن تعاكس الاتجاهان : هو من الغرب الى الشرق ونحن من الشرق الى الغرب ..”
خامرني شعور في ان رحلتنا لم تتم .. بالعكس .. ربما تكون قد بدأت.. صحراء واحدة فقط قد قطعت.. أمامنا الف صحراء وصحراء .. رحلات غير مجزية .. في الأغلب .. وليس ثمة ارتواء !
وأنا اغادر الى مقهى قريبة من المكان الذي لفظنا اللوري عنده ؛ خطر رامبو بذهني من جديد : ” وبينما كنت ابكي
أبصرت الذهب..
فما استطعت
أنْ
اشرب .. ! ”

————————————
(*) النص مهدى للصديق الشاعر يحيى البطاط .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق