قراءات ودراسات

جمال ناجي يعري المجتمع في رواية”عندما تشيخ الذئاب”

جميل السلحوت

ناقشت ندوة اليوم السابع الدورية الأسبوعية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس، رواية”عندما تشيخ الذئاب”للأديب جمال ناجي. بدأ النقاش د.اسراء ابو عياش فقالت: المجتمع في “عندما تشيخ الذئاب”: في نقد لاذع لمجتمع تجتاحه المتناقضات وتستشري الفوضى في فضائه، لكن في ظاهره متماسك، نبيل، تحكمه القيم الروحية والدينية، يفاجئنا الأديب جمال ناجي برواية لطالما اعتبر الخوض في مضمونها محرما، يتجلى سيناريو الظاهر والباطن الذي ينتاب كافة جوانب الشخصية الإنسانية وحياة المجتمع السياسية، والاجتماعية، والدينية في رواية واقعية اجتماعية…. من خلال حكاية أفراد داخل مجتمع يروي لنا حكاية مجتمع بأكمله، يعاني من حالة فقر عاطفي، ومعنوي، وروحي، وأخلاقي، وقيمي، وما يترتب عليها من تسابق على إشباع الغرائز المادية، والملذات الآنية  بعيدا عن أي منظومة أخلاقية أو منطق واضح، يروي لنا جمال ناجي حكاية الجنس، والسياسة، والسلطة، والدين.. فسندس الفتاة الجميلة، وما تمثله من حال المرأة المغلوبة على أمرها والمتآمرة على نفسها، التي طلقت يوم زفافها بسبب سفاهة والد عريسها “أبو صبري” وسفاهة تفسيرات أبيها لسلوك والد عريسها، يحولها المجتمع إلى فتاة غير مرغوب فيها لأن المجتمع وصمها بعار الطلاق ” خمس سنوات مرت على فشل زفافي من دون أن يسومني أحد” ص 10 ، ثم تصبح بعد ذلك فريسة سهلة لذئاب على شكل بشر، الكل يستغل ضعفها وفقرها وتخلي المجتمع عنها فيتزوجها، وفي محاولاتها للانتقام من هذه القوانين الخفية ولإشباع رغباتها تتحول إلى ساقطة وتتخطى كافة القوانين والمحرمات، وتلعب لعبتها البارعة مستفيدة من هذه التناقضات، انثى تزدحم بالتناقضات،  حيث تقوم بحرق جثة زوجها الميت بشكل غير مبرر، لانها عرفت بخيانته لها بالزواج من غيره،  بالرغم من أنها كانت تخونه مع عزمي ابن زوجها السابق، وكأن الراوي يقول لنا أن سندس لا تختلف عن غيرها في هذا المجتمع تشوبها التناقضات، وتتسم بالأنانية، فلا ترضى أن تطعن بكرامتها حتى وان كانت تمارس هذا الفعل على الآخرين. كما وتصور الرواية ومن خلال شخصية الشيخ “الجنزير” حالة غياب الإطار الفكري الأيديولوجي الذي يفترض أن يحكم سلوكيات الإفراد  في المجتمع، والتي اجتاحته بعد سبعينيات القرن المنصرم، والذي يتجسد في التسابق على التدين الذي يستغل كغطاء تستتر تحت غطائه ذئاب تنهش المجتمع، وتستغل ضعفه وقلة حيلته  لتصعد سلالم المجد والغنى والشهرة، منتفعة من ضعف الناس وفقرهم ويأسهم وجهلهم، وما يترتب عليه من لجوئهم إلى الخرافات، والشعوذة، والسحر، والدجل، والتنجيم، وتعاطي السحر، والتطير، والإيمان بالأشباح، والاعتقاد في الأولياء،والتواصل مع الجن والتي تقدم حلولا جاهزة للمشاكل في حالة من تغييب العقل، كما وان هذه وسيلة الأقوياء في المجتمع للإبقاء على ضعف المجتمع وجهله حتى يستطيع استغلاله على أكمل وجه، ليعيدنا إلى ممارسات العصور الوسطى المظلمة التي مارستها الكنيسة لإخضاع الشعوب، ومنع تساؤلاتهم وإجهاض أي محاولة منهم للتغيير.

كما تصور لنا حالة المثقف والسياسي المعارض المناهض للسلطة (جبران أبو بصير) أو “ابو بريص” في إشارة إلى المتسلقين في المجتمع، الذي بمجرد أن تتاح له الفرصة تظهر لنا وجوهه المختلفة، فهو معارض طالما كان محروما من الالتحاق بالسلطة، وهو يدافع وينظر عن الكادحين ما دام كادحا، ويتلاشى هذا إذا ما اغتنى، يعيش صراعات دون القدرة على حسم موقفة من الصراعات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي يعايشها، يبرع في  تبرير مواقفه دوما، فيبرر التحاقه بالسلطة وقبوله منصب وزير بأن ” أساليب العمل السياسي تغيرت. التغيير لم يعد ممكنا إلا إذا شاركنا في صنع القرار. أشكال النضال القديمة انتهت…لا فائدة من مواجهة الحكومات. يجب أن نعمل من داخلها لإجراء التغيير….هذا لا يتعارض مع يساريتنا” (ص، 202)، كما ويصور حال الحكومات التي تلبي مطالب الشعوب في الإصلاح والمشاركة السياسية  باستغلالها من يدعون المعارضة واليسارية لخدمة أهدافها وتلميع صورتها، وكأنه يقول لنا ان المعارضة هي وسيلة النظم الحاكمة للبقاء وهي وطوق نجاتها الدائم.

أما “عزمي” والذي يتضح في نهاية الرواية أنه “ابن حرام” تكاد تجتمع فيه كل خصال المجتمع البغيضة، فيمثل لنا هذا الجانب الذي لا يتورع عن استخدام الدين كوسيلة للوصول إلى مبتغاه، انتهازي، الغاية عنده تبرر الوسيلة، وليس هناك حدود وضوابط لتصرفاته، لا يتوانى في التخلي عن مبادئه، هو الوحيد القادر على الوقوف في وجه الشيخ الجنزير، وجبران وحتى امام السلطة التنفيذية وما يمثلونه في المجتمع لأنه هو الوحيد الذي يمسك بخيوط اللعبة، ويقف على نقاط ضعف الجميع مما يمكنه من السيطرة على الموقف دائما.

أما الفئات المهمشة في المجتمع والتي لا تمتلك الذكاء، ولا الحيلة، ولا القوة لتلحق بركب الغناء والسلطة والثروة أو بالقضاء عليها والحلول محلها، والمتمثلة في شخصية “بكر الطايل” الذي لم يسعفه ذكاؤه ومقوماته، أو نسبه، في الالتحاق بالركب يمثل الطبقات التي تدعي انتقاد الفساد، والسرقة، ومن يدعون الدين، ولكنها في واقع حالها تنتظر الفرصة المناسبة للحاق بالركب. ولكن جمال ناجي في روايته لا يصور لنا الجانب التقي الورع، المثقف المغلوب على امره من المجتمع، وقد يعزى هذا الى حقيقة ان هؤلاء لا صوت لهم في المجتمع، فهم اما يقبعون في بيوتهم ويحجمون عن المشاركة في الحياة السياسي، والاجتماعية، والفكرية للمجتمع، واما انهم يتركونه الى غير رجعة، وهذا في حد ذاته نقد لدورهم المتراجع المستكين.

وقال جميل السلحوت:

التقيت الأديب جمال ناجي المولود في نوفمبر 1954 في مخيم عقبة جبر، والنازح للأردن في هزيمة الخامس من حزيران 1976 ولا يزال يقيم في عمان، التقيته في فندق عمرة في عمان في حزيران 1990 حيث كنت مشاركا في ندوة عن “مخاطر هجرة اليهود السوفييت” التقيته لقاء عابرا عندما عرفني به الأديب الراحل خليل السواحري، والذي بدوره زودني بنسخة من مجموعة” رجل خالي الذهن” القصصية الصادرة قبل ذلك بعدة اشهر عن دار الكرمل للنشر والتوزيع التي كان الراحل السواحري يملكها، قرأت المجموعة في ليلتي تلك، وتناقشت وخليل السواحري بها، فأثني على الأديب جمال ناجي كقاص وروائي، ولأن جماليات مجموعة” رجل خالي الذهن” لا تزال عالقة بذهني حتى الآن، فقد وجدت أننا وقعنا على ثروة أدبية عندما وجدنا رواية “عندما تشيخ الذئاب” في  مكتبة دار الشروق في رام الله، فوجدناها فرصتنا لتكون موضوع جلسة  ندوة اليوم السابع الدورية الأسبوعية التي تقام في الخامسة من مساء كل خميس في قاعة المسرح الوطني الفلسطيني في القدس منذ آذار 1991 وحتى أيامنا هذه.

وما أن باشرت قراءة الرواية حتى شدتني اليها وأرغمتني على قراءتها في جلسة واحدة، فعنصر التشويق فيها قويّ، وأسلوبها جذاب، ولغتها جميلة، ومضمونها اجتماعي راق.

والرواية تتحدث عن الفساد في المجتمع  الذي يبدأ من قاع المجتمع في حارات الفقر ليمتد الى الطبقات العليا، وكأنه طفيلي ينمو ويكبر الى أن يطغى، ويحدث على مرأى ومسمع من الجميع، الذين يسكتون أو يشاركون في صنعه، والذين يحاربون الفساد لا يلبثون أن يمارسونه اذا ما أُتيح لهم ذلك…وقد تعددت الأصوات بتعدد أصحابها، وأبدع الاديب بأن تركها تتحدث عن نفسها بنفسها بلغة الأنا، لكن البناء الروائي بقي متماسكا ومترابطا.

فالشيخ عبد الحميد الجنزير الذي يتظاهر بالتدين والتقوى والصلاح، وأعمال الخير وجمع التبرعات لمساعدة المحتاجين، وطالبي العلوم الشرعية وبناء المساجد، ومداواة المرضى بالأعشاب، هذا هو ظاهره، في حين ان باطنه المخبوء بين جبة وعمامة ولحية، وممارساته وأفعاله تبين لنا أنه زنديق سارق زان يغري النساء ويجرهن الى حبائله ليتلصص على أجسادهن ويمارس شهوانيته البهيمية عليهن، ويسرق الأموال التي يجمعها، ويتملك الأطيان، ويقيم علاقات سكر وعربدة في مزرعته من خلال الولائم التي يقيمها بحضور بعض المتنفذين اقتصاديا وسياسيا، والطامعين بالوظائف الكبيرة، فيرفع من يشاء ويقمع من يشاء دون وازع من دين أو رقيب.

أما جبران صاحب الفكر اليساري الماركسي، ونصير الطبقة الكادحة فانه لا يلبث أن يتحول الى برجوازي انتهازي قذر، عندما تيسرت أموره المالية من خلال ميراث لم يكن على علم به، وهو عبارة عن ارض شاسعة تركها له أبوه المتوفى في طريق المطار، واستلم ثمنها وانتقل للسكن من جبل الجوفة بأحيائه الفقيرة الى السكن في عبدون ومناطق الأغنياء في العاصمة عمان، ليتخلى عن فكره ومبادئه ورفاقه وأبناء حيّه، متخذا صحبة جديدة وعلاقات جديدة، حتى أنه تحالف مع الشيخ الجنزير الذي أوصله ليكون وزيرا….وكأني بجبران وقد أصبح الوجه الآخر للشيخ الجنزير وإن بطريقة مخففة…قد تتناسب وقوة اصحاب هذه المبادئ في المجتمع ومدى تأثيرها عليه.

وسندس تلك المرأة الشبقة مثال صارخ للفتيات اللواتي تضطرهن الظروف الى الزواج من رجال يكبروهن بعشرات السنين، فيصبح همّهن إرواء شبقهن الجنسي مع غيرهم، فقد وجدت ضالتها بابن زوجها”عزمي الوجيه”عاشت ظروف حرمان وقسوة، وعندما تيسرت أمورها المادية بإغداق الأموال عليها من قبل عشيقها عزمي، فقد عاشت حياتها بالطول والعرض متناسية ماضيها والبيئة التي عاشت فيها….وتخلت عن انسانيتها عندما أحرقت جثة زوجها الثاني انتقاما منه لأنه تزوج عليها مع معاناته من الضعف الجنسي…أو هو انتقام منه لأنه كان يعلم بعلاقاتها مع عزمي وليّ نعمته ويسكت على ذلك.

وبكر الطايل هو نموذج للشباب الضائع، وضحية من ضحايا الشيخ الجنزير الذي علمه بعض الأمور الدينية بطريقة مشوهة، وغرس في ذهنه الكسل والتواكل حتى أنه لم يستطع توفير الطعام لأسرته، وشخصيته معدومة تماما، بحيث أنه لم يتورع عن العمل سائقا يوصل المومسات وبائعات الهوى وزبائنهن من النوادي الليلية مقابل المادة، وكأنه لم يستفد شيئا من علومه الدينية على يدي الشيخ المارق عبد الرحمن الجنزير، ووصل به الأمر أن يحاول اغتيال زميله عزمي الوجيه باطلاق الرصاص عليه بتحريض غير مباشر من شيخه الجنزير.

أما عزمي الوجيه وهو الشخص الوحيد في الرواية الذي لم يتحدث عن نفسه، بل الآخرون هم من تحدثوا عنه، وهو ذكي تعلم على يدي الشيخ الجنزير، وكان مقربا منه، وكان اكثر تلاميذ الشيخ نباهة وحنكة، اطلع على ألاعيب الشيخ، وابتعد عنه ليكون له عالمه الخاص، على طريقة الشيخ، لكن بدهاء وحنكة أكثر، فأصبح رجل أعمال ناجح، ورجل اقتصاد يشار اليه بالبنان، لم يعد للحرام مكانة في تصرفاته ومسلكياته، وكل شيء مباح له،  فأقام علاقات جنسية مع” سندس” بعد طلاقها من أبيه، وابتعد عن أبيه وبنى عالمه المالي والماجن الخاص به، لكنه عاد وقدم لأبيه مبالغ مالية كبيرة، ورعاية طبية، خصوصا بعد أن علم من سندس أنه ليس ابنه، وأن الأب كان عاقرا طيلة حياته، وكأني بالكاتب هنا يريد أن يثبت أن الأب هو من يربي، وليس الأب البيولوجي فقط، ليمضي بقية حياته مطاردا من الأجهزة الأمنية بعد ثبوت عمله في التهريب، بما في ذلك تهريب المخدرات، وليتبين في النهاية أنه من صلب الشيخ الجنزير وليس ابن حامد الوجيه، وكأن الانحراف واللصوصية قضية وراثية.

جليلة ورابعة شخصيتان ثانويتان، عاشت جليلة زوجة رباح الوجيه حياة بسيطة، وهي والدة عزمي، وشقيقة جبران، ولم تقبل استلام نصيبها من ارث والدها، ويبدو لأنها لا تريد توريثه لابنها عزمي لعلمها أنه ابن حرام…كانت مريضة نفسيا، وتؤمن بأن جنيّا يركبها، أو هذا ما غرسه الشيخ الجنزير في ذهنها،عاشت بهدوء وماتت بهدوء ايضا. أما رابعة زوجة جبران فهي امرأة بسيطة، فجعت بغنى زوجها، وتنكرت لماضي الفقر الذي عاشته، لم تقبل دخول عزمي ابن جليلة لبيتها دون ابداء الأسباب، لتظهر قلادة جليلة الذهبية الثمينة معها، والتي يظهر أنها أخذتها مقابل سكوتها عندما اطلعت على  العلاقة الحرام التي ربطت جليلة بالشيخ الجنزير، والتي كان ثمرتها عزمي، وهذا ما يفسر رفضها له في بيتها كونه ابن حرام…وتنطبق عليها المقولة الشعبية””أعوذ بالله من الجائع اذا شبع ومن الغني اذا افتقر” ورباح الوجيه هو شخصية ثانوية بسيطة وفقيرة، عاش فقيرا وزوجا مخدوعا، ومات فقيرا.

الزمان والمكان:

تدور احداث الرواية في العاصمة الأردنية عمان، وتبدأ من جبل الجوفة الذي يمثل نموذجا لأحياء الفقر، لتنطلق بعدها الى الأحياء الراقية التي يسكنها الأثرياء مثل عبدون والصويفية وتلاع العلي، ويمتد زمن الرواية على اربعة عقود، يظهر ذلك من خلال اعتقال جبران في سجن الجفر في بداية السبعينات، وحرب اكتوبر وزيارة السادات لاسرائيل، والغزو الاسرائيلي للبنان في حزيران 1982، واتفاقات أوسلو في العام 1993 وما تلاها…ويبدو أن الكاتب الذي أخذت روايته بعدا اجتماعيا أورد هذه التواريخ ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية، في اشارة موفقة منه الى التلاحم بين الشعبين الفلسطيني والأردني، والى أن القضية الفلسطينية تشكل همّا دائما للشعب الأردني في كل الأحوال وكل الظروف.

البعد السياسي:

يتوقف القارئ مليا أمام شخصية الشيخ عبد الرحمن الجنزير، الذي يعطي نموذجا للتيارات التي تتستر بالدين لتحقيق مآربها الشخصية، وهي تهاجم الحكومة والنظام متلفعة برداء الدين الزائف والخاطئ في فهم الدين، وتستطيع تضليل الرعاع، لكنها عندما تحقق مصالحها الشخصية بطرق غير شريفة، فانها تصبح جزءا من الحكومة وتدافع عنها وعن سياساتها، في حين كانت تهاجمها سابقا، وعلى النقيض من الشيخ الجنزير يقف جبران، صاحب الفكر والمبادئ الماركسية، والذي ما لبث أن تخلى عنها بعد أن اغتنى، حتى أنه اصبح وزيرا مشاركا في صنع القرار، وما لم يقله الكاتب، ولم يرد في الرواية لكنه يُقرأ فيما بين السطور هو الدعوة لعامة الناس بعدم تصديق مدعي التدين، لأنهم يقولون شيئا، ويمارسون الأسوأ سرا، وهم لا يبحثون الا عن مصالحهم الشخصية، والأمر لا يختلف بالنسبة للتيارات العلمانية التي تدعي الطليعية والدفاع عن حقوق الكادحين والمسحوقين، وقد ثبت بالتجربة صحة هذه الرؤية الثاقبة.

التوبة: ويلفت الانتباه أن الشيخ الجنزير الذي ارتكب الموبقات أراد أن يختم حياته في الديار الحجازية تائبا متبرئا من ذنوبه وخطاياه، وهذا فهم خاطئ لمفهوم التوبة في الدين.

مثل ما عندك عندي: وفي رأيي أن روعة هذه الرواية تأتي من واقعيتها، التي لا تنطبق على المجتمع الأردني فقط، بل تتعداه الى المجتمعات والشعوب العربية الأخرى، حتى أنني كنت أتخيل شخوصها موجودة في الأراضي الفلسطينية، وأعرفها كما يعرفها غيري على أرض الواقع، وموجودة في بقية الدول والشعوب العربية…وحتى أن فساد بعض من يدعون التدين ويستلمون مناصب دينية رفيعة،  وفساد الوزراء والمستوزرين موجود في ثقافتنا الشعبية عبر التاريخ وفي مختلف العصور والأزمنة.

أمور غير مقنعة:

مع أن أديبنا بنى شخصيات روايته وطورها بشكل مقنع للقارئ الا أنه يصعب الاقتناع بغنى شخص كجبران، فقد سقطت عليه الثروة من أرض في طريق المطار من خلال اقامة مشاريع عليها، ولم يكن له ولا لغيره علم بها، أو أي اثبات على ملكيتها…كما أن حرق سندس لجثمان زوجها واستعانتها بعاملين لتنفيذ ذلك مقابل خمسين دينارا لكل منهما لم يكن مقنعا ايضا، وتطور شخصية سندس في الرواية يشير الى أنها امرأة شهوانية، تدور على ملذاتها، لكنها لا تصل الى جريمة هي أبشع من جريمة القتل….وكذلك اطلالة عزمي في خيمة الجنزير في الديار المقدسة، غير مقنعة ايضا، وأعتقد انها كانت تمثل كابوسا يطارد الشيخ الجنزير، وعندها تصبح مقبولة.

ومن أمريكا كتب لنا المغترب الفلسطيني الأديب نازك ضمرة:

العالم غابة تتصارع فيها مخلوقاتها ومن بينها الذئاب، والأقوى هو الذي يسود، وبعدها تتبدى سلطة الذكاء، في رواية جمال ناجي نجد أن الحياة عبثية، حاول أن تعيش في كنفها وبطريقة تناسبك أو تختلف عما يفعل الآخرون، المهم أن تصعد ولو على أكتاف البؤساء والمؤمنين، المال زينة الحياة الدنيا وزخرفها وأداة الجاه والكرامة والتسلط، سيقى الجنس والشهوة ونداء الجسد والغرائز محركاً لسلوك الكثيرين وتوجهاتهم. رواية جمال ناجي (عندما تشيخ الذئاب) رواية عمانية أردنية جميلة ومثيرة، أو هي كما أراها مثيرة للجدل أيضاً، وهي إضافة نوعية لتأكيد هوية  جمال الأدبية، وتخصصه في تفاصيل الصراع في حياة الأفراد الذين يستطيعون الانتقال من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة المتوسطة أو  الوصول للطبقة العليا الغنية والمؤثرة على المجتمع ككل. اتبع جمال ناجي الطريق الأسهل والأسلم في بناء روايته، فأعطى أبطالها وشخصياتها  الحرية في التحدث عن أنفسهم وأفعالهم وطموحاتهم ورغباتهم ومؤامراتهم كما يشاءون،  حتى يتجنب محاذير التدخل الذي يقع به معظم الأدباء بإجبار الشخصية أن تقول مالا يناسبها، أو يضع الكاتب أو السارد العليم الكلام في فم الشخصية، فجمال كان حريصاً  وحذراً في آن، ثم إنه جنب نفسه الكثير من المتاعب والتعقيدات التي تواجه الكاتب في حبك الحكاية وتسلسلها بسبب كثرة الشخصيات في روايته، لاختلاف أهواء شخوصها ونفسياتهم، مع صعوبة الوصول لذلك، مع أن شخصيات رواية جمال ناجي التي نحن بصددها وكلهم أبطال للرواية وشخوص مهمة نشاوا كلهم كما بدا في خريطة الرواية من منطقة واحدة في جبل الجوفة، ولم يحدد بالضبط في أي منطقة من جبل الجوفة الواسع الشاسع الممتد شرقاً لجبل التاج وغرباَ حتى سقف السيل وشمالا من الساحة الهاشمية والمدرج الروماني  وجنوباً حتى مثلث الأشرفية، وشخوص الرواية من فئة قريبة في النشأة والمستوى الاجتماعي، فتركهم الأديب جمال ناحي يتحركون حسب مصالحهم ويقومون بأدوارهم بأنفسهم، ويحكون لنا قصص حيواتهم بتفاصيل مريحة وسهلة على القارئ، وأركز على مفردة قصص حيواتهم، أي أن رواية جمال هي مجموعة قصص متشابكة خلطها لتشكل هذه الرواية الجميلة، وقد يوحي للقارئ الخبير أن هذا الأسلوب أثر سلبيا، لأنه أفقد القارئ متعة وجود تفنن الكاتب في حبك قصة الرواية بأسلوب حداثي، لكنه وكما أعتقد قصد أن يسهل على مخرجي الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، وذلك بأن يكون خيط التحرك والانتقال من موقع إلى موقع بيد الكاتب أو أي شخص آخر، وبتداخل الأزمنة والأمكنة والتصرفات والفلاشات، مع حداثة ملائمة وإضافات جمالية ونمنمية للرواية لتعكس قدرة المؤلف على التمير عن غيره من الأدباء. وهنا نعترف بتخصص جمال ناجي وخصوصياته في رواياته التي كتبها، وهذه هي المرة الثانية أو ربما الثالثة إن لم تخني الذاكرة، التي أكتب وأنشر ما أكتبه عن روايات جمال ناجي.

هل يمكن أن نعتبر رواية (عندما تشيخ الذئاب) أدباً فلسطينياً؟؟

ومع إعجابي بأسلوب كتابته، لكن يبرز إلى الذهن تساؤلات إن كانت كتابته هذ الرواية تعكس ادباً فلسطينياًً؟، وربما كانت له أجندته الخاصة وما زال وعينه على نزعة علمانية وعالمية وعولمية.

فمن قراءتنا  لشخصيات رواياته والتصاقها بعمان تجعله أقرب إلى أن يكون عمانياً من الدرجة الأولى أكثر منه كونه  لاجئاً فلسطينياً يرشح الألم الفلسطيني ولو أحياناً عبر أدبه كما يفعل إبراهيم نصر الله في كل فقرة أو رواية أو قصيدة يكتبها مثلاً، سواء مباشرة أو رمزاً.

وحيث نحتفل بجمال ناجي ونحن نقف إلى جانبه بعد عمله الأدبي التاسع على اعتبار أنه لا يتنكر لأصالته كونه مهجراً فلسطينياً (دياسبورياً) في أي موقع ومكان يعيش، لكن باطنيته تجعله يجامل كثيراً، ويعيش حياة  عمانية يسعى عبرها لأجل تقدم أكثر أو محافظة على وجودية خاصة يضمرها ولا تطفو على السطح لزملائه ومعاشريه إلا عبر أدبه المعبر عن مرارة مكتومة متجذرة في نفسه، فيبوح بهذا الإحساس العميق الكامن في منطقة اللاشعور بأدب جميل ساحر ومثير للجدل والنقاش.

إن بساطة جمال ناجي في تعبيره السهل وربما الممتنع، وسهولة لغته، والتي يغلب عليها اللغة المحكية عبر طريقه الطويلة في تداوله مع  تصارع الأيديولوجيات والطموحات لنفس الشريحة من الأفراد الذين يحاولون الانتقال من طبقة الفقراء إلى الشريحة الأعلى سواء نجحوا او تمادوا أو  فشلوا، وهنا تتجلى قدرة جمال ناجي على اختراق التابوهات ونفسيات الأفراد في هذه الصراعات مثل كاميرا أمينة أو راوي صادق مخلص أمين يحكي بكل صدق وثقة عما يجري من تفاصيل حتى في الخلوات والعري والظلام وفي الليل بمثل ما يتم في الفضاء الرحب والنور والنهار، وهذه نقطة جمال يتميز بها جمال ناجي، وتحسب له.

ونستدرك هنا تخصصه في وصف مشاعر الأنثى التي ترى المعاصرة بمنظارها الخاص، أو التي تحاول تحسين مستوى فكرها وعيشها لإرضاء غرورها وإشباع رغبات جسدها، فهو ساحر يتجلى بخبرة عالية من الاقتراب من نفسيات مثل تلك النسوة وإن كان بكثير من مبالغة أحياناً ورأيي هذا رأي ذكوري، ونحب ونتمنى سماع رأي المرأة في هذا المجال.، ولكنني أعتقد أن هناك بعض التضخيم في انا الأنثى والتحرق إلى التآمر وتلبية رغبات الجسد في شخصية سندس، فالمبالغة  واضحة وهي شخصية أساسية تحرك كل شخوص الرواية بشهواتها ومطامعها وجمال جسدها وجاذبيتها، فرضها الكاتب وكأنه ركب موجة الإيروتيك التي بدأت تؤثر على كثير من الأدباء والأديبات في السنوات الخمس الأخيرة بعد روايات أحلام مستغانم،  كوسيلة جذب للقراءة عبر المطبوعات، وربما منافسة الانترنت والأدب المنشور عبر المواقع الإلكترونية، وهذه القراءة بسلبيات ما نرى والإيجابيات، هي دعوة  للنقاد لتناول مثل هذا الأمر في الأردن وفلسطين يمزيد من الاهتمام، ولعلنا نجد أدباً عربياً حديثاً متميزاً وجاداً مستخدماً الوسائل التي تناسب العصر بروح المسئولية، ولكن في حرية تامة لا تجرّح نوع السرد الذي يعبر عن المكشوف او المكنون، مع الحرية الكاملة المنضبطة للكاتب. ومع ضرورة الخيال والتخيل والتخييل في الأدب إلا أنه لا يشترط الكذب والفضح كوسيلة جذب للشباب المراهق والمتعطش والعاجز عن التحرر، أو المقلد لتراث شعوب بعيدة كل البعد عن مكونات مجتماتنا.

وأما عن اللغة المحكية فقد أثرت على لغة الرواية على طولها تأثيراً سلبياً نوعاً ما كما يراه كاتب هذه القراءة، بحيث أننا لو أردنا ترجمة الرواية إلى لغة أجنبية أخرى سنجد أننا مضطرون للتصرف أو الاجتهاد في موقع النص ومعناه، ودعني آتي ببعض الأمثلة: (عند أخوك جبران الذي يأكل رأس النبي) ثم انه لم يضع مفردة (أخوك) بين قوسين في هذه الجملة ليظهر لنا أنها كلام محكي لأن المفروض فيها أن تكون (أخيك)، أما الحيرة حين نريد ترجمتها فربما يتساءل أحدهم: كيف يمكن أن يؤكل رأس النبي باللغة الإنجليزية مثلاً  الجزء الأخير من صفحة 21 ،  ((غير قابل للتفكك))  والسؤال هو  كيف يتفكك الإنسان؟؟ آخر صفحة 23 ،  ((لوى إبرة ضميري)) أول صفحة 37 ، ((على كل حال يستاهل)) آخر صفحة 37 ،  ((يريد رفع قضية على حرمته)) والتركيز هنا على مفردة ” حرمته”، آخر صفحة 39 ،  (( واحد هبش هبرة وهرب بها)) آخر صفحة 40، ((الله اكبر عليه)) أوائل صفحة 43 ،  (( يتزوجني رجل يفعل بي ما يفعل الرجال بنسائهم)) أول صفحة 45 ،   ((والله بكسر الهاء…)) أواخر ص 52 ،   (( نطيت عن السرير وعبطتها))  آخر صفحة 65،   ((لأن طاقتي على قدي))  منتصف صفحة 66 ،

أما عن النقد الذي أراه موقفاً غريبا، بل هو خطأ فكري أساسي في تبرير قتل سائق المومسات لإحداهن، قائلاً:

((فكرت ليلاً، ثم قررت ، يجب أن أذهب، لأن تفويت هذه الفرصة يعد تقصيراً بواجبي تجاه ربي)) آخر صفحة 173 أي أن السائق وضع نفسه مكان قاض شرعي أو  حاكم البلد ليقتل وبتبرير، او  انه اعتبر أن قتل مثل تلك النفس جاء بأمر رباني له، ولا ضرورة للتوضيح اكثر من ذلك. على كل حال ربما أراد السارد أن يناصر الدين، مع انه يقترف جريمة ليس من اختصاصه مواجهة من المذنب فيها، أو انه أراد التكفير عن عمله كسائق لنقل المومسات يائساً أو مضطراً، وكشاهد كره  اللاأخلاقيات في البلد، ويريد أن يساهم في التقليل منها، مع أن قتل مومسة واحدة أو حتى عشراً فلا يوقف أقدم تجارة  وجدت على وجه البسيطة.

وفي الفصل الأخير من الرواية يحتار قارئ نص الرواية الطويلة والتي بذل جمال ناجي الكثير من الجهد بها، وسبب هذه الحيرة أن الشيخ عبد الحميد الجنزير وهو العمود الأساس في الرواية صرح في بداية ذلك الفصل الأخير أنه قادم ليموت في رحاب مكة، والمألوف أن الناس يذهبون للتكفير عن ذنوبهم، وعلى أمل مزيد من العيش في راحة بال بعد التوبة والحج أوالعمرة. ثم فوجئ بدخول غريمه عزمي عليه في الخيمة في عراء مواقع الحج، والخيام تكون عادة في عراء منى الفسيح حيث يخيم ما لايقل عن مليوني حاج، وتلك معجزة وشبه مستحيلة، وتدخل في اختصاص مدراء المخابرات أو الدول، ومن الصعب إقناع القارئ بها، وبعدها زاد االنص من شكوك القارئ وحيرته، لأن الجملة الأخيرة من الرواية بينت أن الشيخ جنزير وجد نفسه أنه غير متأكد إن كان عزمي قد زاره في خيمته أم لا، لأنه كان يتوقع منه أن يقتله فلم يفعل، إذ جاء على لسان الجنزيرفي آخر جملة في الرواية : ((أتراني كانت جالماً؟ أم إن عزمي زارني في خيمتي؟)) قبلها قام الشيخ الجنزير بتقديم معلومة لعزمي قد تفيده للبحث عن والده، وربما يكون الشيخ جنزير نفسه هو والده.، فأتى الكاتب بنهاية مشوشة للرواية عن قصد حتى يختفي داخل نمط كتابته الذي يختص به، فضبابية لحظة  التنوير النهائية أبقت النهايات مفتوحة لدرجة تسمح لجمال ناجي التخطيط لمتابعة حكاية روايته وفي نفسه مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي، ويبقى السارد العليم هو الذي حرك الصديقين أو الخصمين اللدودين لاحقاً، فجعل لقاءهما وجهاً لوجه وبعيداً عن أي نصير لأي منهما، وربما بعيدأ عن أ ي حماية أو رقابة، في رحاب الأماكن المقدسة في مكة وأثناء موسم  حج ففرض السارد العليم هذا الموقف الصعب بتدخل قسري أراده هو نفسه كي يتجنب صعوبة وصف تصادمهما وجهاً لوجة في عمان، حيث تجري جميع أحداث الرواية..

والخلاصة:

نعتقد أن جمال ناجي أراد أن يثبت أنه متشبث بأسلوبه أولاً،

ثم ليثبت لنا بأنه يستحق مكافأة التفرغ  من وزارة الثقافة الأردنية، فأنتج رواية أردنية عمانية جميلة ومثيرة للجدل، أكد لنا فيهاعلى هويته ونمط كتابته الذي يكاد يكون ثابتاً، فقاموسه أصبح معروفاً ومفرداته تقترب من الشارع والإنسان العادي، مما يجعل أدبه سهل القراءة والاستيعاب  والتأثير.

ولقد أبدع جمال ناجي في وصف أمكنة الطبقة المسحوقة وحياتها ربما المتوسطة كذلك وتفاصيلها في جبل الجوفة، لكنه كان محدوداً في تشخيص أماكن الرفاه ومقامات الطبقة العليا، وذلك لا يعيب الكاتب فكل إنسان يغرف من واقع خبرته وتجاربه وماضي حياته وثقافته.

وأخيراً وللاختصار نقول إن ماجاء في هذه القراءة ، إنما أردته إثارة مواضيع للنقاش وليست كتابة نقدية بالمعنى العلمي والفني للنقد الأدبي. ولكنها انطباعات قارئ عادي عاكساً إعجابه برواية استمتعت بها وبقراءتها وساعدتني على فهم جمال ناجي بطريقة أكثر عمقاً وصفاءً.

وتحدث الناقد ابراهيم جوهر عن لغة الرواية، وتكثيفها، واختلاف مستوياتها لتتناسب ولغة الشخصية التي تتكلمها، كما تحدث عن عنصر التشويق أيضا، وحلل الشخصيات من النواحي النفسية. في حين تحدث سمير الجندي عن المكان والزمان في الرواية، وشارك في النقاش آخرون منهم:محمد موسى سويلم، نسب أديب حسين، خليل سموم، وصقر السلايمة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق