ثقافة المقال

غادة السمان لفيروز 1988: الأسود يليق بكِ

بقلم/عمرو مجدح*

لطالما أثار هذا العنوان جدلاً واسعاً، وسحرت هذه الجملة الكثيرين منذ تصدرها واجهة رواية الجزائرية أحلام مستغانمي، والصادرة عام 2012، وحققت شهرة واسعة، ومبيعات كبيرة، وهذا الشيء يحسب للاستاذة أحلام مستغانمي فهي كاتبة تجيد فن التسويق.
منذ سنوات قليلة وجهت لمستغانمي عدة اتهامات «بالسرقة «، ونسب العنوان للأديبة غادة السمان وغيرها وظلت الاتهامات توجه من دون أدلة.
تجاهلت صاحبة «ذاكرة الجسد «كل تلك التصريحات، ورددت كما في أي هجوم عليها «ليس من عادة الكبار أن يهاجموا، وإن هوجموا لا يردون «. تلك الكلمات التي علمها إياها نزار قباني حسب تعبيرها.
من وقتها وأنا أبحث عن مقالة غادة السمان، والتي يقال أنها أول من قال «الأسود يليق بك «.. تصفحت «الأعمال غير الكاملة «التي تضم حواراتها الصحافية، وبعض مقالاتها، ولم أجد لها أثرا، وحتى على شبكة الإنترنت لا يوجد نص لتلك المقالة، فكان الحل أن أبحث عن مجلة «الحوادث»، وهي مهمة صعبة خاصة مع عدم علمي برقم عدد المجلة، والسنة التي صدرت فيها، واعتقدت أنها ضمن» لحظة حرية «اسم المقال الأسبوعي الذي كانت تكتبه السيدة غادة في مجلة الحوادث اللبنانية آنذاك.
في رحلة طويلة من البحث حصلت عن طريق صديق يمني يهوى الرسم وتجميع المجلات القديمة والنادرة، وبالذات تلك التي تتصدرها صور فاتن حمامة وعمر الشريف الذي زار ضريحه في زيارته الأخيرة إلى مصر، وقد حصل على حوار بين فيروز وغادة السمان في مجلة الحوادث عام 1988، وعنوانه «فيروز: أنا وحيدة على قمة جبل»، وكان عبارة عن زيارة غادة السمان المقبلة من باريس إلى بيروت ملبية نداء المدينة على طريقة سيد درويش «زوروني كل سنة مرة «، وهو يعانق صوت جارة القمر التي تصادف زيارتها هذه المرة ليس مع الحرب الأهلية فقط بل مع رحيل «ليال الرحباني «ابنة صديقتها السيدة فيروز، أو كما تحب أن تناديها «نهاد» وتقول واصفه:
ها هي فيروز… قامة كالزنبق يلفها السواد… حدادا على ابنتها الشابة المرحومة ليال… جميلة بحزنها الذي يحيطها كهالة من ضوء.
تركض كهاربة من أطراف غابات الكستناء الحار في شعرها… كم يليق الحداد بفيروز كأنها طفلة الحزن المرصودة له….
كم يتأجج ضوء عينيها خلف سحب الكآبة المكتومة بإتقان… قلت لها ببساطة:
كم أنـت جميلة في السـواد… ونـددت فتـابعت:
أتمنى ألا ترتديه حدادا… لن أعزيك لأن الكلمات هراء لا يجدي الغرفة ذاتها التي ضمتنا في العام الماضي. اخترت المقعد ذاته ولم أنس تحيـة الضـيف الذي جـلس إلى جانب فيروز في (الـكنباية) الخشبية وـكان اسـمه السيد الحـزن.
لم أجرؤ على سؤالهما عن ليال كان حضورهما يملأ جمجمة فيروز ويطل من عينيها…
وتختم:
ودعتني أمام الباب.
وكررت غادة ببساطة: الأسود يليق بك
فيروز: «قد ماشفتيني بالأسود».
اليوم أصبح في متناول أيدينا وثيقة تاريخية تؤشر لحالة أدبية مهمة، وتقطع الشك باليقين عن حقيقة الأسود يليق بك.. العبارة التي سبقت الرواية بأربعة وعشرين عاما، وبدوري قمت بإرسال اللقاء إلى السيدة غادة السمان عن طريق الصديقة الأديبة اللبنانية عفيفة حلبي، وسبق أن وجهت السمان نداء إلى كل من بين يديه بعض من أرشيفها الذي حرق في الحرب أو تاه بين المطارات أن يرسله لها.
لا أتهم الكاتبة أحلام بالسرقة فهي في النهاية مثل العديد من الكاتبات خريجة مدرسة غادة السمان، وكما تقول تعلمت من لغتها، وربما تكون باللاوعي علقت هذه الجملة في رأسها، ولكن عندما تعلم أن هناك استاذة سبقتها بالفكرة من الأفضل ألا تتجاهل ذلك، وهي التي رفعت قضية على الكاتبة مريم العقاد المنصوري صاحبة رواية «كنت سأنجب منك قبيلة» بسبب العنوان المأخوذ من قصيدة لها، وهددت بمقاضاة الكاتبة روان بن حسين بسبب عنوان روايتها «كما لم تحب امرأة «وهي أيضا عبارة مأخوذة من أحد كتب الأستاذة مستغانمي، وأعترفت الكاتبات بأقتباس جمل مستغانمي، ولم يكابرن على تلك الحقيقة، فهل الكاتبات المبتدئات كانت لديهن شجاعة الاعتراف التي لم تملكها أحلام؟

كاتب من سلطنة عمان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق