ثقافة النثر والقصيد

ميراي غانييه : لا يمكن للأوز أن يخبرنا*

ترجمة د. محمد محمود مصطفى

” النهر طفل هائل لن ينتهي به المطاف البته أن يحافظ على طيوره.”
— جنفييف أميو

(1)

• مع انبلاج الصباح تلمس أمي جسدها، يصحو العالم من تحت الشراشف، تميط الأرض اللثام عن جروحها، وتكشف عن سرتها، تشرق الشمس، والأوز لا يأبه بذلك .
• أنا لم أصل إلى هنا بيسر، متثائبة أتشبث بالشتاء، أصابع أمي تقفز في الحقول، وأنا أشعر بأن أمي تنكمش تحت لمسات أصابعها.
• تصرخ أمي … إدفعي إدفعي أكثر قوة يا سيدتي … لا شئ يحدث، وأنا أسقط في يد الطبيب كقلب برائحة القرفة عندما يحل الشتاء، وتنسى حركة المد والجزر أن تتنفس.
• تتلون الجبال بلون الطباشير، وتلعق عظامها، والمنازل تغلق عيونها، وتتغلغل زخات الثلج بين الأسنان، أختبئ تحت الجزيرة ، ولا أسمع صوت الرياح بل مشي الأوز .
• الكلاب تلتهم الليل، ظلال طيور الغاق البحرية تنظف أجسادها، وعلى الوسادة أناس ثملون يغنون كالموتى، تفقد الديكة اتجاه الشمال، والمنزل يتشقق بفعل البرد القارس، وتنفجر في جسدي مسامير صغيرة وأنا أتنفس الشتاء، ويسقط الثلج من أحشاء أمي.
• متأخراً يلتهم الشتاء المساء، يصحو الليل كي يتنفس، من الناحية الأخرى من النافذة تقتفي أوزة أثر اسمي على الثلج، لقد أصبح الظلام دامساً، ولم يعد بالإمكان إخفاء الموت الذي حل.
• ندفة ثلج على الوسادة، أختبئ بين مسامها، أحترق تحت خيوطها، بالغة النحافة لدرجة أن الأظافر تمر عبرها، وبالغة الهشاشة لدرجة أن الفكر يمتد ليسقط على الأرض، لكن لا توجد حافة صليب.
• لم يعد البحر يتدفق إلى الداخل، يعاني من وطأة البشر، أحفر عشاً في عين أبي وهو يسحب المفرش على صدره، أبداً لا يمكن للصقيع أن يكسر الوحدة .
• تتشقق الصحراء، وتذرف دموعها على النافذة ، يبيض لون الوجه والأمل، وأنا أمسك بتوازن زمام اليوم، بين البحر وقبة السماء، وتحت قفص السماء الرصاصي أشتاق للنهر.

(2)

• يرخي الربيع شعره، تعج الضفاف بالبق، أسمع صرخات تمزق السماء، تتشبث بنادق الصيد بالطمي، تلتوي الرقاب في مهب الريح، أعين صغيرة تحدق بالموت، لا مكان للفتيات الصغيرات بشعرهن الأشقر، وحدها قبضات يد تحطم أسنانهن.
• أبي جزيرة، من دونه تجنح سفينتي، يمد يديه فيحتفظ بالمد والجزر، قطعة ثلج تحت قدماي، يتجمد المشهد كله، بالكاد يتنفس، أحلم بأجنحة وبطفولة.
• أصطاد الثلج ببندقية، أجرف النهر لأخيف الجليد، أحمي الغربان، الجثث لا تطفوا دائماً فوق الأرض .
• يزرع الرجال رؤوسهم، عند تراجع المد، نسمة تهب على شعري، وعندما يرتدي الربيع رداءه الأخضر ، يطارد أبي الأبدية .
• أضع شخصيتي الزائفة على ظهري ، ريش طائر ، حتى النخاع ، الهواء على ذراعي، لم يتعرف علىَّ الأوز، الطير الميت ليس كما يتصوره أحد .
• أبي يمنحني أوزة، قلبه وعيناه زائغتان، لقد منحني الأبدية، لكني لم أقبل هبته بعد، يمسح دموعه تحت السرير، والثلج يمحو خطواته في صمت .
• يمزق الهواء الستائر، من علي طرف الجناح، يتكسر الأفق، يمد أبي رقبته ، ترتجف قدماه حتى الفجر، جاء وقت هجرة الأرواح، لو كان بمقدوري أن أحلق لسمحت لذاتي أن تمخر عباب السماء.
• يضع الرصاص علامته على اللحم البارد، أحافير الذاكرة، أبي يصطاد في الحرب، كل ليلة تشحذ حبات المسبحة أصابعي، تحرس أمي النافذة، وتعلق البنادق على الحائط كالنياشين، يجلب انحسار المد جثث طيور نافقة، لا يترك الربيع شيئاً على حاله.
• الليل ما أوهنه، والكلاب كم تشعر بالصقيع، لو لم يعد أبي.
(3)

• كلمة عذبة على مجرى النهر، يمحو الصيف ندبات جروحه، وراء الجفون تتجمع جبال الذاكرة، على رقبتي يرنو النهر إلى السماء، دمعة في العين دون سابق إنذار.
• يناديني البحر باسمي، ينحو بعيداً، وعلى الجزيرة القذرة أحلم بأني أبتلع الطمي ملء فمي، ملء عيني، أغرق في هذه المياه التي لا تغفر.
• تعود الشمس أدراجها، تداعب التشققات وتصدم العظام و الأوردة العميقة عند حافة الجلد، تنكسر المسام، وتنكسر ركبتاي كذلك، لا تكفي الدموع، يجب أن أتعلم كيف أحل عقد الخشب.
• كي أتنفس، ألقي بنفسي بين أرجل الأوز الأبيض، ثعبان البحر يمضي في طريقه، والنهر يتدفق صوب السماء الساكنة، أعرف طعم المنفى، والصمت يتحدث.
• ما أثقل السروال الذي أرتدي، أسقط محطمة على الأرض، ترتجف الأرض تحت أنات الطفولة وتحت أظافري، عبثاً أبحث من أي ناحية يأخذ أحد بيدي.
• يُبعثر المطر شعري، ويواصل الاصطدام بالجبال، يلعق أصابع الغفران، لم أغرق بالكامل فما زالت روحي على السطح وإن هوى جسدي في الماء.
• قدمي في الماء، أنفض الدموع عن كتفي، يستقر الرصاص في أحشائي، والأرض عطشي لكل الجراح.
• يلتهم الريش قلبي، لو ابتلعت قنبلة لتحولت الجزيرة كلها إلى اللون الأبيض، أصحو أمام سور حيث تتسلق النباتات بحثاً عن قليل من شمس.
• أعثر على الجرحى بعد الحرب، أعلقهم على إبرة خيط، أخيط أجسادهم، يصارعون الحياة، ينزفون حتى الصباح، أسترد الإبرة لأفقأ عين الصيف.

(4)

• الخريف يقتل، أبي يسحب جزيرة من الجثامين التي تسقط من على ظهري، صخور المد العالي تمزق أنسجة الزهور، والرياح العاتية تهز حبل الملابس، ألقي بذراعي، وأدع الناس يخيطون قلوباً لم يعد بمقدوري أن أحملها.
• أعرف صيادين بوجوه زائفة يمضون أيامهم في اصطياد أوز ينتهي به المطاف في البحر، نظرتهم كالحريق وأمنيتهم أن يغلقوا أذرعتهم على وسادة من ريش.
• قلبي لم يعد ينبض بين أصابعي، لساني صلب كالصلصال، عيناي مثل الرصاص على صحن، تصطك الرياح بوجهي، وبهبة واحدة تحمل معها آلاف الأوز الجالس كالقرفصاء على جسدي.
• يتشقق صدري، ينثال الدم من الحلق إلى السرة، قطرة قطرة، والقرميد يحفر طريقه، ويكلل التجاعيد والعظام ، ينبغي أن نزيل الستائر الحريرية، تطفئ الأرض نورها للمرة الأخيرة.
• يهوي والدي في الظل، جناح مكسور على وجنتي، يهبط الصمت والطمي، أود لو أغفر، ويتواصل سقوط ريشي.
• متأخر، متأخر، متأخر، دائماً متأخر، لقد قُتل الأوز، أرى واحدة فأخرى، تجثم على الأرض وتهز أجنحتها صوبي.
• تشقق وراء الجفون، والروح الرطبة تحت صخرة، عند الإنهيار أغلق عيناي على الأبدية.
• نظف أبي كل شيء ، أخلى الأوز، ووضع القلوب على منصة، ونظف المكان برمته، لم يحتَّج القش، ألقى باللوم على كلب صيد، كان قد تركه يهيم على وجه.
• يقدم شرفة من قرميد أحمر، كذبة، لا أرقب والدي جالساً بلا ضجة وبلا حراك ، خشية أن يفر الأوز، لا ألمس أوز الذاكرة، أترك كل شيء على حاله ، دون المد والجزر، دون الفصول الجنائزية، أرحل على الفور.

(الأبدي)

• أوزة واحدة تكفي، لسحق المناظر الطبيعية.
• وطأة العالم على منقاره، على كتفي ، الأوز ونداء الهجرة بضربات كبيرة من أجنحته، ما وراء السحب، أشعر بأن سفينتي جنحت في الأفق.
• أبي يلقى بزجاجات في البحر، بين الرموش واليوم، لم أعد أشعر بالرمال ترج القارب، تمزقت الأصابع على الشفاه، لم يعد بوسعي أن أرى أمي تبتعد، البكاء لن يزيد من هدير النهر.
• تمد السماء ذراعيها صوب الجنوب، تميط اللثام عن ردائها، غير المكتمل، أزيح الهواء عن صرخاتي، في مكان ما عند الصدى، تعود السحب إلى طفولتها.
• أقص الخيوط التي تحمل الفجر، أغطس في ماء من جليد ومن نور، أعود إلى الجزيرة، أبي وأمي، تلك الأرض التي ولدتني، بقلب من ذهب، ومن اندفاع.
• في الضوء الخافت ، تقتفى أصابعي تشقق البورسلين، لن أضع رأسي في الماء من جديد ، لن أضع روحي في البحر من جديد، سأمضى دوماً صوب الضوء.
• بين راحة اليد ولحاء الشجرة، أحشائي من صخر، تتنفس، الأوز يغادر الواحد تلو الآخر، لا أتحدث عن الشتاء بل عن الأبدية.
• آلاف من الأوز يعود كل عام، تود الأرواح لو تستقر، الجزيرة الساكنة بين أضلعي، تصرف مياهها.
• أنا جزيرة، من أبدية ومن رصاص.

———————————————

* ميراي غانييه: كاتبة وشاعرة وروائية تعيش في كيبك بكندا. تتناول في أعمالها الشعرية بعض القضايا الجوهرية مثل العلاقة الوطيدة بين الإنسان والطبيعة، كما تزور عوالم داخلية نادراً ما يزورها أحد، كما في هذه النصوص التي ترجمناها والتي تكتشف فيها غانييه الكون من خلال صيد الأوز. الترجمة هي لكتاب:
Les oies ne peuvent pas nous dire. L’Hexagone, Québec, Canada, 2010

ملقة، إسبانيا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق