الموقع

عريضة إلى السيد رئيس الجمهورية: إنهم يقتلون الكتُّاب

سيدي: هذه ليست شكوى. إنها تقرير واف لحالة موت مستعجلة، ارفعه إليكم ورجائي أن يجد أذنا تصغي وقلبا يفهم وعينا تبصر ويدا تبطش بزبانية الكِتاب وقتلة الكُتَّاب ممن جعلتهم رعاة على أقدس ما في الأمة على الإطلاق، هؤلاء الذين استأمنتهم على روح الشعب، تلك المسماة ثقافة. إني أرفع إليك هذا التقرير الصارخ بمعاناة صُنَّاع الحلم وحملة الأمل من مبدعين وكتاب وجدوا أنفسهم رهائن جزّاري ثقافة لم تعد تحمل من اسمها في فترة استوزار السيدة خليدة تومي إلا تلك الصورة السخيفة التي ارتسمت في أذهان العامة كلما ذكرت لهم، من أنها هذر لا طائل من ورائه إلا المزيد من الهذر. تلك الصورة المتجذّرة في معظم وسائل الإعلام من أنها مزبلة، يلقى فيها الضعاف والمشكوك في قدرتهم وتمكنهم….

إني أشكو إليك نفسك، أن جعلت روح الأمة بين يدي وزارة لم تعد تمثلني ولا غيري من كتاب لا عمل لهم إلا الكتابة والإبداع الحقيقي، خاصة بعد اندثار هيبة اتحاد الكتاب الجزائريين، وخروج باقي الجمعيات الثقافية عن دورها الحضاري وركوبها بحار الاسترزاق بأي شكل.

إني أشكوك إليك، أن جعلتنا نحلم من جديد، ثم وضعت حلمنا بين يدي مقاولي الثقافة يتاجرون به ويبتزون الشرفاء من الكتاب بواسطته، عبر ما أصبح يعرف بـ”الألف كتاب وكتاب”. هذا المشروع الذي أطلقته بحسن نية، وبرغبة حقيقية للنهوض بالكتاب وصانعيه، والذي أصبح بعد كل تلك السنين مجرد وهم، حظ الكاتب منه كحظ المومس من الشرف، وكل الحظ فيه للمرتزقة من دور النشر ووسطاء الكتاب ممن أنيط بهم مهمة توزيع الحصص.

إني أدعوك سيدي أن تنظر بعين الحاكم العادل، الصريح مع نفسه، أي إنجاز حققته الملايير التي صرفت في مشاريع الدعم لكتاب يكدس في المكتبات البلدية والوطنية، دون أن تطاله يد القارئ المعني به مباشرة، بسبب أن الوزارة التي استأمنتها على روح الوطن لم تلاحظ – أو لا ترغب أن تلاحظ-  أنها عوض أن تفرض على دور النشر المتعاقدة معها طبع أكثر مما تشتريه، تصر أن تمنحها المزيد من المشاريع لطبع المزيد من الكتب التي تصدر لتختفي، وتطبع لئلا تقرأ.

إني أدعوك سيدي لتنظر في قوائم دور النشر المستفيدة من دعم الوزارة، وتقارن عددها الصوري بالعدد الحقيقي الموجود فعلا في مجال النشر، ثم تنظر من جديد في تلك التي أسست لغرض الاستفادة من الدعم فحسب، دون أن يكون لها وجود في طبع وإصدار كتب أخرى غير مدعومة من الوزارة. ثم إذا انتهيت من النظر في هذين، فانظر مرة ثالثة في قوائم دور النشر المستفيدة وعدد ما تستفيد منه وقارنها بكل سنة، وإن لم يحبطك كل هذا فانظر في أصحاب دور النشر تلك وأخبرنا من يكونون.

إني ، أدعوك إلى ذلك دون أن أجرأ أن أسألك أن تدقق في فواتير الكتب تلك والتي ستدهشك لا محالة، خاصة إذا اكتشفت وستكتشف أن بعض الكتب المدعومة فعلا يباع للوزارة بضعفي قيمتها الحقيقية وأحيانا أكثر. لا أدعوك إلى ذلك ولا إلى أن تحقق في سفريات الوزارة ولا في أسماء بعثاتها ولا في قوائم كتابها المعتمدين دائما ودوما في كل ملتقى أدبي أو شبه أدبي.

لا أدعوك لذلك، لأنه لا يعنيني من يُثرى من جزاري ومقاولي الثقافة والأدب، بقدر ما يعنيني من يبتز ويسرق جهدهم من كتاب وأدباء حقيقيين، صدقوا الحلم الذي أطلقته، ولكنهم حين مدوا إليه أيديهم لم يمسكوا غير السراب.

أشكوك حقنا المغتصب باسم سياسة كِتاب لم تعد تخدم الكاتب في شيء، وباسم قانون المؤلف الذي لم يسأل الكتاب رأيهم فيه، حتى غدا بعد وضعه مرجعا قانونيا للسلب والسرقة، لعدم احتوائه على إجراءات محددة لحفظ حقوق الكاتب ماديا ومعنويا، خاصة ما تعلق منه بمراقبة الطبعات وبطرق إثبات ما بيع من نسخ، وأيضا حق الاحتكار ومقابله، وأيضا بإعادة النظر في شرط النسبة المئوية التي لا تناسب الطبع الضئيل المعتمد في دور النشر الجزائرية، واعتماد نسب مئوية تتناسب طرديا مع عدد السحب.

كما أدعوك سيدي أن تعيد النظر في ميكانيزمات مشروعك المتعلق بالكتاب والأخذ بالمسائل التالية:

* تنصيب لجان قراءة من كفاءات أدبية وفكرية مشهود لها، كل في مجاله، شريطة أن يتم تجديدها كل سنة.

* وضع دفتر شروط يلزم دور النشر المتعاقدة والمستفيدة من مشروع الكتاب بما يلي:

– طبع ضعف الكمية التي تشتريها الوزارة.

– ضمان توزيع الكتب المنجزة وطنيا.

– ضمان أقدمية في المجال لا تقل عن خمس سنوات، وبمعدل 20كتاب مطبوع سنويا من غير دعم.

– تقديم بيان بنكي مفصل، يؤكد القدرة المالية لدور النشر على طبع الكتب الموكلة إليها “تأكيد ملاءة”.

– اشتراط وصل استلام بنكي يؤكد تسلم المؤلف لحقوقه كاملة مع ملف الفوترة.

– امتناع دور النشر عن احتكار أي عمل يصدر بدعم من الوزارة لأية فترة كانت.

– تمكين المؤلف من حقوقه المادية في الكتب المدعومة من الوزارة، بمجرد قبول الدعم، والتي يجب أن تقسم على الشكل التالي: 10بالمائة من المبيعات الفورية+ مقابل التوقيع، على ألا يقل عن 100ألف دينار.

* تخصص 30بالمائة من ميزانية المشروع لمنح تسمى “منح التفرغ للإبداع”، تكون في فترات تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، وهي منح أكدت التجارب العربية جدواها ونجاحها، ومن الغريب أن وزارتنا لم تنتبه إليها لحد الآن.

كما أحب سيدي أن أثير انتباهكم إلى أمر خطير، وهو غياب مجلات أدبية ذات توزيع وطني في الجزائر، بسبب صعوبة الحصول على الاعتماد والتمويل وهو أمر أستغرب من وزارة ثقافة تملك كل الإمكانيات المتوفرة أن لإنشاء ودعم أي مجلة تظهر.

لهذا أرى أن يتم تحرير الاعتمادات الخاصة بإنشاء مجلات ثقافية متخصصة أو عامة، وألا توكل بوزارتي العدل والثقافة، بل توكل مهمة منحها للمكتبة الوطنية، أو تكون خاضعة لنفس شروط تأسيس دور النشر.

كما أنه لم يعد خفيا سيدي، تلك الشكوك المتعلقة بجائزة أمرت أن تحمل اسم شهيد الإبداع علي معاشي رحمه الله وتحظى باهتمامكم الشخصي، لذلك أرى أنه من الضروري إعادة النظر فيها بما يضمن نزاهتها ويحقق رؤيتك لها في أن تكون بمرتبة الجوائز التقديرية للدولة. وفي اعتقادي أن هذا لن يحدث ما لم تستقل الجائزة عن الوزارة وتوضع تحت وصاية رئاسة الجمهورية، كمؤسسة قائمة بذاتها، تشتغل على خط مواز لوزارة الثقافة، ولكنها لخدمة الثقافة أيضا. لأن بقاءها على ما هي عليه، خاصة بعد أن فقدت مصداقيتها، ولي الفضل في ذلك، من شأنه أن يفقدها نقاطا أكثر وهو ما لا يصح ما دامت تحت رعاية شخصكم وتحمل اسم شهيد تقدس الثرى بدمائه.

وفي الأخير، أسألك سيدي أن تعيد النظر في وضع وزارة الثقافة، خاصة وأنها أثبتت لأكثر من مرة عدم قدرتها على فهم تطلعات الساحة الثقافية، وهو أمر مفهموم على اعتبار أن صاحبتها لا تنتمي إليها ولا إلينا، على عكس المعمول به في الدول التي تؤمن بدور الثقافة في الرقي الاجتماعي والوطني، بما فيها الدول العربية المهتمة بهذا الشأن، والتي جعلت وزراء ثقافتها من الأدباء والفنانين الذين أضافوا الشيء الكثير لوزارتهم، على عكس وزيرتنا التي أضافت إليها الوزارة دون أن تضيف هي إليها شيئا. هذا كله مع احترامي لتاريخ السيدة تومي وسيرتها النضالية، التي تجعلني آمل أنها ما زالت تفهم ذلك المثل الذي حفظناه في الابتدائي “بقاؤه من عدمه”

وإن أرفع إليك هذه العريضة، فإني ألزمك بها، ما دمت قد ألزمت نفسك حين أعطيتكُ صوتي أن تخدم الثقافة ما قدرت، وما كنت لأصوت عليك لو لم أثق أنه حين يحين وقت السداد فستدفع راغبا.

التوقيع: سمير قسيمي- روائي لم تسمع به

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق