قراءات ودراسات

ماريو بارغاس يوسا في: ( رسائل إلى روائي شاب )

سعد محمد رحيم

في كتاب ( رسائل إلى روائي شاب ) اثنتا عشرة رسالة بعثها الروائي البيروي ماريو بارغاس يوسا إلى كاتب شاب، لا نتعرف على اسمه، ولا نقرأ نصوص رسائله التي اكتفى المؤلف بالإشارة إليها في بضعة مواقف، وردَّ عليها برسائل جوابية. وفي هذه الرسائل الأخيرة ضمّن يوسا رؤيته إلى العمل الروائي، وخلاصة تجربته في كتابة أعمال كبيرة تنتمي إلى هذا الجنس الأدبي. وليس مهماً إن كانت هناك حقاً تساؤلات يطرحها روائي شاب، يعيش في عالمنا، يطلب من خلالها النصح من الروائي المجرب. أو أن الأخير يفترض مثل هذا الروائي الذي تشغله تلك الأسئلة.. المهم هو سيل الأفكار والاستبصارات النقدية الذي يجري تحت قلم الكاتب، حيث يكشف لنا عن جوانب من مصادره الثقافية ومرجعياته، وخبراته، فضلاً عن تقويمه لنماذج عديدة من الفن الروائي العالمي. ومن ثم الكيفية التي يستطيع بها أي شخص أن يغامر في دنيا الكتابة والأدب؛ أن ينتج روايات، على وجه التحديد… ليس ثمة وصفات جاهزة يمكنها أن تعين شخصاً ما في أن يكون روائياً، أو شاعراً، أو موسيقياً، أو رساماً أو مخرجاً مسرحياً، الخ. وأولئك الذين يشتغلون في أي من الحقول الفنية المذكورة أعلاه، أو غيرها، يفهمون هذه الحقيقة. فلا بد من توفر جملة من المزايا الذاتية، تكاد أن تكون طبيعية في تكوين الإنسان ودخيلته، ويتم صقلها وتعزيزها فيما بعد. تلعب دور المناخ الملائم، أو الأرض الصالحة التي تحتاج إلى الرعاية، والبدء بتنمية القدرات ومن ثم بالإنتاج الفني وتطويره.
باستطاعة الروائي الشاب الذي يبحث عن نقطة شروع صائبة وعن مسار جيد، سالك، الاستفادة من تجارب الروائيين المحترفين. فالأخيرون يمكنهم تقديم نصائح ناجعة ومثمرة بهذا الخصوص، ووصايا تختزل صعوبات جمة وتُجنّب من اختار الكتابة الروائية طريقةً في الحياة كثراً من المشاكل والخطوات المتعثرة فيما بعد. ومن يجد من يقدّم له النصح والمشورة في وقت مبكر من حياته الإبداعية يعد محظوظاً لأنه سيختصر الوقت والجهد الذي سيستثمرهما في تطوير وتحسين لغته وتقنياته وأسلوبه.
هناك دوماً ما يفلت، بهذا الصدد، من الإمساك به وتحديده، أي من التشخيص.. الموهبة، في سبيل المثال. ولكن ما معنى أن يكون امرؤ ما موهوباً.. معظم الكتّاب المعاصرين أنكروا وجود ما كان يُعرف في السابق بالكائن الخفي الملهم ( شيطان الشعر مثلاً ) الذي يهمس في أذن الكاتب ويملي عليه ما يكتبه، غير أنهم اعترفوا بوجود هذا الشيء الذي اسمه؛ الموهبة.. ذلك الاستعداد الفطري في جوانية المرء/ المبدع، وميله القوي والحازم إلى تكريس حياته من أجل الكتابة، من غير التفكير بتحقيق مكاسب من أي نوع.
يلجأ الكاتب، لتوضيح مقاصده وآرائه، إلى كنايات، تبدو للوهلة الأولى، غريبة، لكنها تعيننا في فهم ما يرمي إليه.. يطلق عنوان ( قطع مكافئ للدودة الوحيدة ) على رسالته الأولى، حيث يشبّه الميل إلى الإبداع والكتابة بمن تعيش في أحشائه دودة وحيدة تأكل كل ما يتناوله. وعلى الروائي أن يعيش ليكتب وليس العكس، فالميل الأدبي كما يقول؛ “ليس تزجية للوقت، وليس رياضة، ولا لعبة راقية تمارس في أوقات الفراغ. إنه انكباب حصري وإقصائي لما عداه. وشأن له أولوية لا يمكن أن يقدم عليه أي شيء آخر، وعبودية مختارة بحرية، تجعل من ضحاياها ( من ضحاياها المحظوظين ) عبيداً”.
وإذ ينطلق الروائي وهو يكتب عمله من تجربته الحياتية، مشيداً عالمه المتخيل على أسس الواقع، يأتي يوسا بمثل ( الكاتوبليباس ) الذي هو حسب وصفه؛ “مخلوق مستحيل، يلتهم نفسه بنفسه، بادئاً بقدميه. وبمعنى أقل مادية بكل تأكيد، يقوم الروائي كذلك، بالنبش في تجربته الحياتية الخاصة، بحثاً عن دعائم ومرتكزات لكي يبتكر قصصاً”. والكاتب لا يمتلك حرية واسعة جداً في اختياره لموضوعاته، فهذه الموضوعات هي التي تفرض نفسها عليه.. إنها رحيق تجاربه وخبراته التي يبدأ بها لكنها لا تحدد عنده نقطة الوصول، فالروائي مسؤول عن كيفية معالجته فنياً للموضوعات التي هيمنت على ذهنه، ووجّهته للكتابة عنها. إنه ينصاع لمتطلبات عمله، تحت وطأة تلك الرابطة الحميمة التي تجمعه مع صور ومشاهد وحالات بعينها من هذا العالم، فيكتب قصصه المتخيلة. والطريقة التي يجسدها بها هي ما تجعل من هذه القصص “أصيلة أو مبتذلة، عميقة أو سطحية، معقدة أو بسيطة، وهي التي تمنح الشخصيات الكثافة، والغموض والاحتمالية؛ أو تحولها إلى كاريكاتيرات بلا حياة، إلى دمى يحركها مدبـِّر العرائس”.
ليست الرواية في نهاية المطاف سوى كذبة أو خدعة بمعنى ما.. إنها لا تنقل الواقع بحذافيره، بل تخلق، بوساطة اللغة، واقعاً آخر مكافئاً، أو موازياً؛ له استقلاليته وخصائصه الفريدة. ومن هنا تكون مهمة الروائي إقناعنا بأن ما يرويه هو الحقيقة، وإن لم يكن كذلك. وحتى حين يمضي بالسرد المتخيل إلى أفق الفانتازيا عليه أن يموه بطريقته في التعاطي مع اللغة والأسلوب السرديين إلى درجة اندماجنا مع عالمه المخلوق كما لو كنا، كقراء، نعيشه، أو كأننا صرنا جزءاً منه؛ فيما “الرواية الرديئة التي تفتقر إلى قوة الإقناع، أو التي تملكها ضعيفة جداً، لا تقنعنا بحقيقة الكذبة التي ترويها لنا. وعندئذ، تظهر لنا تلك الكذبة على حقيقتها، مجرد كذبة، خدعة، بدعة تعسفية وبلا حياة خاصة بها؛ تتحرك بتثاقل وخراقة..”. وكان هذا مضمون رسالة بارغاس يوسا الثالثة.
وفي الرسالة الرابعة تطرق يوسا إلى قضية الأسلوب الذي يجب أن يكون فعالاً ومناسباً لمهمة الروائي التي “هي نفخ وهم بحياة ــ بحقيقة ــ في القصص التي يرويها”. ولذا عليه أن يكتب بلغة متماسكة ليتحاشى حدوث فجوة؛ “بين ذلك الذي يرويه، والكلمات التي يرويه بها. هذا الافتراق أو الازدواجية بين لغة القصة والقصة نفسها”. فإذن على الروائي أن يبحث، مثلما ينصح يوسا، عن أسلوبه، وأن يجده، في نهاية المطاف.
أما الراوي ومكانه فهو موضوع الرسالة الخامسة.. الراوي من حيث هو شخصية متخيلة ومختلقة تتحدد علاقته بمكان القصة من خلال الضمير الذي تروى على لسانه باحتمالات ممكنة ثلاثة: أولاً، الراوي الذي يستخدم ضمير الأنا المتكلم، وهنا تكون الرؤية أو وجهة النظر المكانية هي التي “يختلط فيها مكان الراوي مع المكان المروي”. وثانياً الراوي كلي المعرفة المتحدث بضمير الغائب ( هو ) وهذا سيشغل “مكاناً مختلفاً ومستقلاً عن المكان الذي يحدث فيه ما يرويه”. وثالثاً هناك الراوي الملتبس الذي يروي بضمير المخاطب ( أنت ) وهذا يمكن أن يكون أي من الراويين السابقين. وفي ضمن المخطط هذا نجد متسعاً لتنويعات شتى “مما يسمح لكل كاتب، بعد أن يختار رؤية مكانية محددة، ليروي قصته، بامتلاك هامش واسع من التجديد والتلون، أي من الأصالة والحرية”.
وحين يعرّج على موضوعة الزمن، في رسالته السادسة، يقرر يوسا؛ أن الزمن في الرواية تخيل أيضاً، كما هو شأن الراوي والمكان فيها. يستثمره الروائي من أجل تعزيز قدرته على الإقناع. وثمة قانون مستنبط من عالم الخيال مؤداه “أن زمن الروايات، هو زمن مشيد انطلاقاً من الزمن النفسي ( السيكولوجي )، وليس المتسلسل ( الكورنولوجي )”. فتغدو في هذه الحالة وجهة النظر الزمانية “هي العلاقة القائمة، في أي رواية، بين زمن الراوي، وزمن ما يروى”. أما الانتقال بين مستويات زمن الراوي والزمن المروي، لإضفاء قوة فنية على العمل الروائي فيفترض أن يكون محسوباً، الهدف منه “أن تقدم دلالة أكبر ــ تكثيف، تعقيد، تصعيد، تنوع، كشف ــ للشخصيات وللقصة”، وليس لغاية استعراضية، أو لإرضاء نزوة، يبدو معها العمل مفتعلاً أو مهلهلاً ومرتبكاً.
يمضي يوسا في الرسالة السابعة لاستجلاء سر تقني آخر في الكتابة الروائية يسميه ( مستوى الواقع ) فيعرّف رؤية ( أو وجهة نظر ) مستوى الواقع بأنها “العلاقة القائمة بين مستوى، أو طبقة الواقع التي يقف فيها الراوي لكي يروي الرواية من جهة،ومستوى أو طبقة الواقع التي تدور فيها أحداث ما يروى من جهة أخرى”. ولأن الواقع يمكن أن يتفرع إلى مستويات لا حصر لها فإنه يشرع الأبواب لما لا حصر له من وجهات النظر حول الواقع الروائي. ولأن الروائي يشتغل في عالم التخييل فإنه يتحرك ضمن عدد محدود من مستويات الواقع و؛ “ربما كان المستويان الأكثر استقلالية ذاتية، وتعارضاً، الذي يمكن تواترهما، هما مستوى عالم ( واقعي ) ومستوى عالم ( فانتازي )”.
وتبقى القدرة على الإقناع في العمل الروائي هي المحور الذي تدور حوله القيم السردية الأساسية والقوانين التي تحكم البناء الفني في السرد. ففي الرسالة الثامنة يتحدث يوسا عن ( النقلات والقفزة النوعية ). والمقصود بالنقلة؛ “كل تبدل تتعرض له أي واحدة من وجهات النظر أو الرؤى” المكانية والزمانية والخاصة بمستوى الواقع. والروائي الجيد هو الذي يستطيع ضبط هذه التبدلات والقفزات ليتجنب الاضطراب والفوضى. والنقلة قد تكون بطيئة أو مفاجئة. وإحداثها يعتمد على مقدرة الروائي وبراعته، فالطريقة التي يستخدمها الراوي في ذلك هي التي “تعمل على تعزيز قدرة الرواية على الإقناع، أو تطيح بها وتدمرها”.
ويستعير فكرة ( العلبة الصينية ) في الرسالة التاسعة، فيوضح للروائي الشاب الكيفية التي يمكن بها أن تتولد من القصة الرئيسة، مجموعات من القصص الأصغر في متوالية تتلاحق وتتداخل نحو ما هو متناه في الصغر. ويكون الاعتماد حينئذ على طاقة المخيلة التي تستفيد من تجارب الحياة الصغرى وتزجها في العمل. وهذا ما يفضي بيوسا، في الرسالة العاشرة إلى التطرق إلى مــا يطلــق عليــــه تسميــة؛ ( المعلومة المخبأة ). ففي السرد الروائي يمكن للراوي أن يخبئ معلومات معينة بصورة مؤقتة، أو إلى ما بعد نهاية الرواية فتكون مضمرة تتحدى فطنة القارئ وذكائه لاكتشافها. وعموماً لا يستطيع الروائي عرض التفاصيل كلها التي تتعلق بقصته “فالقسم المكتوب من أي رواية لا يشكل إلاّ جزءاً، أو مقطعاً، من القصة التي ترويها”.
ويستخدم يوسا صورة الأواني المستطرقة كنايةً عن جمع واقعتين أو أكثر تجريان في أزمنة أو أمكنة أو مستويات واقع مختلفة تشترك في كلية سردية بقرار من الراوي، “بهدف أن يتمكن هذا التجاور أو المزج من إحداث تعديل متبادل، مضيفاً لكل منها دلالة، جواً، رمزاً، الخ… مختلفاً عمّا هو مروي في كل واقعة منها بصورة منفصلة”. هذا ما يوضحه في الفصل الحادي عشر. ومن ثم يُضمِّن الفصل الثاني عشر كلمات وداعية يختمها بهذا النصح؛ “إنني أحاول أن أقول لك أن تنسى كل ما قرأته في رسائلي، حول الشكل الروائي، وأن تبدأ، دفعة واحدة، بكتابة الروايات”.
( رسائل إلى روائي شاب/ الصادر عن دار المدى ــ دمشق 2005.. بترجمة صالح علماني ) كتاب ممتع لكل قارئ، ومفيد لكل من يدخل دنيا الكتابة السردية، أو يخوض في مجال نقد فنون السرد كافة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق