ثقافة المقال

آلية التحولات القسرية فى مجموعة ” يد بيضاء مشعة ” لعبدالنبى فرج

د.محمدالسيداسماعيل

تزخر المجموعة القصصية الجديدة ” يد بيضاء مشعة ” لعبدالنبى فرج بالعديد من النماذج الشخصية المتنوعة غير ان تيمة القهر هى التيمة الجامعة بين أغلب هذه الشخصيات سواء كان قهرا اجتماعيا كما يبدو فى القصة الاولى التى تحمل عنوان ” خزى” او قهرا وجوديا يتمثل فى مواجهة الانسان للزمن كما فى قصة ” ليل رجل هرم ” او قهرا سياسيا كما فى قصة ” غيلة ” التى تصور أحداث ثورة يناير من خلال استشهاد أحد الثوار وإخفاء هذا الأمر عن والدته بما يوحى بأنسنة هذا الحدث السياسى والتقاط الجانب الانسانى فيه او القهر المتمثل فى مسخ الذات كما فى قصة ” الممثلة ” التى تدور حول قيام احد الممثلين بدور امرأة وصراخه قرب نهاية القصة انه فى محنة لابد من اجتيازها ليتمكن من استعادة ذاته من جديد والقصة – بطبيعة الحال – يمكن ان تحمل دلالات متنوعة فهى تعكس لعنة المسخ التى اصابت الانسان المعاصر وتحوله الى ” شئ” داخل قوانين الحضارة الحديثة أما التيمة الثانية الجامعة بين العديد من النماذج الاخرى فهى ماأسميه بالتحولات القسرية فى مصائر الشخصيات ففى قصة ” الذئبة” يتحول عارف ابو حسين من العنف والتهور الى الضعف والاستكانة بعد زواجه من سعدية كما تتحول سعدية نفسها من ” نصابة ” تتحايل على صاحب مجوهرات من اجل المال الى قاتلة – بكل قسوة – لهذا الجواهرجى بعد خروجها من السجن وفى قصة ” رجل فى حقل التين ” يجد هذا الرجل نفسه متهما باغتصاب طفلة فوجئ بوجودها فى حقل التين وسيرها وراءه حتى عطف عليها واصطحبها معه الى مشارف القرية فيأتى أهل الطفلة ويأخذونها فى صمت وعند عودته الى القرية ينهالون عليه ضربا بتهمة اغتصابها . هذه التيمات كلها تفضى الى الشعور بالغربة والمتاهة والاحساس بالعرى وانكشاف العورة وهى معان تبدو كلها فى قصة ” عراء” – والعنوان نفسه دال على هذه المعانى – التى يظهرفيها البطل كما لو كان فى كابوس لايعرف حقيقته او فى سجن لايستطيع الخروج منه .كما يحتل الجنس مساحة واضحة داخل معظم قصص المجموعة وهو يأتى على انحاء مختلفة منها ارتباطه – كما فى قصة عرى – بالعنف والسادية حيث يرقص البطل ملوحا بخنجر قبل اقترابه من عشيقته العارية مسلطا عليها – وهو نوع اخر من الايذاء – اضواء الكاميرا كما يأتى – اى الجنس – فى قصة ” يد بيضاء مشعة ” مرتبطا بما يمكن ان نسميه ب ” الايروتيكا” المحرومة فالأمر كله لايتجاوز محاولات ملامسة أنثى داخل عربة اجرة واللافت ان الرغبة فى التمتع بالجسد او العيون – والعيون تحديدا كثيرة التردد فى قصص هذه المجموعة – لاترتبط بالايروتيكا او الشبق بل بالحاجة الروحية وأحيانا مايتم الاكتفاء بمجرد الرؤية على شبكة الانترنت دون قدرة – واحيانا دون رغبة – فى خوض تجربة عاطفية او جنسية وتمثل شخصية المدرس فى قصة ” السيدة ذات القرط” ذلك الصراع بين الرغبة والعقل فالعقل والتحسب لما قد يحدث من مفاجآت تمنعه من اقامة علاقة مع ارملة جميلة والدة أحد الطلاب خشية تعقد حياته فهو شخصية مسطحة لاترغب فى تغيير حياتها الروتينية لاتتغير سوى مكتسباته المادية من الدروس الخصوصية التى تمكنه من بناء بيت جديد والعيش فى حياة ميسورة وهو يتوازى مع بطلة قصة ” عباد الشمس ” التى ظلت معتدة بنفسها غير راغبة فى الارتباط بأحد حتى عندما يعود احد زملاء العمل من سفره وتقيم معه علاقة عاطفية تهرب فى اللحظات الاخيرة كأنها تهرب من السجن الى حرية الذات واستقلالها التى عاشت بها طول حياتها .يتراوح الضمير السردى بين ضمير الغائب وهو الغالب على المجموعة وضمير المتكلم وتمتاز اغلب القصص بالدخول المباشر فى قلب الحدث واحيانا فى نهاياتها فالقصة الاولى تبدأ بعد مقتل الشاب – ابن احد الخدامين فى احد قصور عائلة ثرية – دون ان نعرف سبب هذا القتل هل تجرأ على احد وجهاء هذه العائلة ؟ هل أقام علاقة مع احدى فتياتها ؟ يتحدث الاب عن تهور الشباب لكننا لانعرف ما كنه هذا التهور الذى ارتكبه الشاب وأصبح هدف الاب ان يعطوه الجثة فقط لدفنها لكنه بمجرد ذهابه للقصر ودخوله عليهم وتوسله ان يتركوا له ابنه تأتيه رصاصة فى عنقه ليسقط هو الاخر مقتولا القصة اذن تتحدث عن المشهد الاخير تاركة لخيال القارئ ملء الفراغات السابقة التى سكت عنها الكاتب والشخصيات – ربما وفاء لطبيعة فن القصة القصيرة – تبدأ مكتملة النمو يسبقها ماض يستطيع القارئ استحضاره على سبيل التقريب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق