ثقافة المقال

في ضيافة بيت الشعر

د.عمارة بوجمعة

ثلاثة أيام في بيت الشعر كانت كافية للشعر الجزائري كي يؤسس من جديد جغرافيته البديعة المزدانة بكل أنواع الطيف.لقد سمجت هذه المناسبة السعيدة للشعر من أن ينطق وينصت في ذات الوقت لزخم أشكاله وإيقاعاته الغزيرة وأن يحضر بهسهساته العميقة وغنائياته المترعة بالجمال وأهازيجه الضاربة في الزمن والمكان: أهازيجه وأصواته الممتدة في فيافي الصحاري والتلال والهضاب والجبال. ألوان من الشعر انصهرت في روح اللقاء وامتزجت بعبق اللحظة الجميلة، وفي مشهد ثقافي بهيج يفرض اليوم على التأمل المعرفي والمتابعة النقدية نظرة جديدة، متجاوزة لاكراهات العزل والتصنيف وواعية بالخبرة التي تشكلها الأشكال الشعرية، أي واعية بإحداث الوصل والتراسل بين أشكال الشعر وخطاباته، نظرة تشترط الحفر في مناطق جديدة لم تلامسها النظرية النقدية المعاصرة، أي ملاحقة الشعري في تجاوب الإيقاعات والأصداء ، في تناغم الأنفاس وفي المشترك التي يلون بهجة المصير بآلامه ومعاناته وفرحه.
لقد أبانت التجربة الشعرية الجزائرية في بيت الشعر عن أصقاع محجوبة حجبتها مسطرة النقد الإيديولوجي،فقد كان لهذا النقد المأخوذ بسطوة النظرية النقدية وإجراءاتها فعله العنيف الجرد من الوعي في تمزيق روح النص وجسده وفصله عن سبل الاستئناس والتآخي والمجاورة، فقد تم ردم البئر التي تنضح بوجدان الشعر وحميميته العميقة، فتحولت النصوص في الشعر الجزائري إلى أمشاج معزولة عن بعضها البعض، نصول كثيرا ما كانت مغلقة ونافرة ومُبغضة.إن الجمالي على خلاف ما اعتقده هذا النقد لا يقيم في شكل محدد من الشعر ، وإنما هو مشاع في جميع الأشكال الشعرية ، هكذا بدت بعض النصوص ذات التعبير الشعبي أكثر تمكنا في تمثل روح الشعر ووهجه من تلك المكتوبة باللغة الفصحى، لقد أكد حضور الشعر في شكله العمودي والنثري في صياغته العامية أو الشعبية وفي لغاته وتكويناته الثقافية المختلفة أنه يتجاوز في هذا الحضور المتناغم والقوي التراتبية الإيديولوجية وكل معايير التصنيف والاستبعاد والتهميش والعزل، لقد جاء الشعر في تعدد مشاربه الفنية ومناخاته المختلفة والمتعددة عامرا بروح الحياة ، نابضا بتاريخ الإنسان ومصيره.
إن تطور الشعري والجمالي في هذا الكل المتعدد للإيقاعات والأشكال هو الرهان الذي يجمع بين الشعر والنقد، رهان يبدو اليوم حاسما عند الناقد كما هو عند الشاعر،فإذا كانت غاية الشعر الجزائري هي تلحيم الوجود وتمتين نسيجه، فإن فلسفة النقد يجب تشتق تفكيرها من هذا النزوع الإنساني الذي يعمل على مقاومة العزلة والتفكك والتلاشي والموت، أي من هذه اللغة المكتنزة بقوة الإرادة والجمال والسمو المأخوذة بالرغبة في التجذر في الماضي والحاضر والمستقبل،لذا كان لا بد للنقد من وعي يفي بإدراك النص الشعري في عمقه ، وامتداداته، وهو وعي يشترط الإنصات المتمكن لتمثلات الإبداع الشعري وخطابات المختلفة، بما يسمح من رصد إيقاعاته وتنضيد عناصره في تشابهها واختلاقها وهي غاية ستمكن التجربة الشعرية من اكتساب حيويتها ونبضها وامتلاك فاعليتها على الاستمرار والتطور. إن أهمية العمل النقدي يكمن هنا في قدرته على إرساء المعابر التي تسمح للنصوص الشعرية على اختلاف تكويناتها وطبيعة استعمالاتها اللغوية من أن تلتقي في فضاء أنساني مشمول بالمحبة والشغف.فضاء يتصل بالمعنى الذي يسند وجودنا ويوجهنا نحو المصائر السعيدة.

جامعة سيدي بلعباس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق