ثقافة السرد

الفيديو الذي أبكى الملايين

عدي الزعبي

“لك شرفوا قعدوا. أستاذ سامر هي الكرسي… أنتو قعدوا عالتخت يا شباب”.

كان المضيف محمد في مقتبل العمر، نحيفاً جداً، ويدخن بشراهة. حماسته تملأ الغرفة الصغيرة المهملة، وصوته ذو النبر العالي يزعج الجميع.

“لك أهلا وسهلا، لك مية أهلا وسهلا أستاذ سامر. والله يا أستاذ لازم تشوف هالفيديو يلي أنا صورتو، هاد هو الفيديو يلي بكّى الملايين، والله عنجد”.

يفتح الفتى حاسوبه، ويعتذر:

“آسف الكمبيوتر قديم كتير… بدو شي نص ساعة هلق ليفتح. شي أثري كأنو… بعرف انتو كلكن عندكن آبل”.

“والله أنا ما عندي، أنا جماعة توشيبا”.

أقول بمرح.

“أيه، بس الأستاذ سامر ما عندو غير أبل. صح أستاذ سامر؟ أكيد ما فيك تشتغل عهيك شغلات متل توشيبا وكزا”.

يرد الأستاذ، ” لك أيه صعب الواحد يشتغل عغير الآبل بهالوقت. خلص، كلو آبل، الموبايل والأي باد والكمبيوتر، وبتوصلون عالتلفزيون وباقي غراض البيت، وخلص…”.

“والله حكيك صح أستاذ سامر، لشو الواحد يعزّب حالو، كلو من آبل وخلص”.

“بس هيك بتموت السوق كلها بأيد شركة وحدة، مو هاد احتكار؟ بعدين باقي الموبايلات فيها نفس الميزات، آبل بس أغلى وبهورة”.

أقول بجدية.

“مو صحيح. آبل أريح وأحسن واحد”.

يقول نادر، أحد الشباب الجالسين على التخت.

يوافقون جميعاً على أهمية آبل.

يقول محمد إنه سيشتري أي فون الشهر المقبل. لم يملك أي شيء من آبل سابقاً، ولكنه يعرف جيداً كيف يشتغل عليه. يعدّد أنواع الهواتف المحمولة والحواسيب وغيرها من المعدات التي أنتجتها الشركة الشهيرة في السنوات الماضية، مع الفوارق التكنولوجية والتطبيقية بين الأجهزة.

يصرخ بعصبية ما إن ينهي سرد معلوماته، ” لك وين العصير؟”.

يدمدم، “مو معقول، هدول النسوان ما بيفهمو بشي. حتى عصير ما بيعرفو يعملو”.

يقف ويربت على كتف سامر، الذي لا يستطيع ضبط ملامح وجهه المنزعجة من التماس الجسدي مع بشري غريب.

سامر النجّار، أحد أشهر ممثلي التلفزيون السوري، وبطل من أبطال المسلسلات الشامية والتاريخية والكوميدية: وسيم وجذّاب؛ متملّق ومدّعٍ؛ لامع مظهره الخارجي؛ قدراته الفنية محدودة بمحدودية الشاشة الصغيرة؛ يحب التسكع مع الكتاب والرسامين، ومناقشة قضايا فلسفية عميقة لا يفقه فيها شيئاً، علاقاته النسائية سرية، على عكس زملائه، وعلى عكس ما نتوقع من شخص مثله؛ مهذّب على العموم مع المعجبين والمعجبات؛ كريم، متعلّق بأسرته أكثر مما يجب، الشيب المنتشر في لحيته يضفي جدية على وجهه المبتسم دوماً.

يخرج محمد من الغرفة غاضباً.

نسمع صوته يصرخ على أخته، ثم همسها المعتذر.

يعود سريعاً. يجلس أمام حاسبه، “يلا يلا”.

أسأله، ” قديش صرلك هون محمد؟”.

“بالبيت ولا بعنتاب؟”.

“التنين”.

“بعنتاب تلات سنين، بهاد البيت 5 تشهر”.

يقول سامر، “انشالله بترجعوا قريباً لك أخي”.

تدق الأخت الباب. يتجه محمد إليه بلهفة، “هي العصير أستاذ سامر”.

نظرات الفتاة تتدحرج إلى الداخل، كي تلمح الممثل الشهير.

تتبادل مع أخيها همساً نسمعه بوضوح.

“خليني بس فوت قول مرحبا”.

“لأ، انقلعي من هون. العمى شو صرلك”.

يعود متوتراً وفرحاً.

“أهلا وسهلا أستاذ سامر. لك مية أهلا وسهلا. والله ماني مصدق أنك معنا هون”.

يرد سامر بخجل، “يا هلا بيك وبالشباب.”

يلتفت محمد إلينا فجأة، “أهلا وسهلا بالشباب والله. لك شرفتو. مين الشباب مرة تانية؟”.

لا نستطيع أن نكتم ضحكنا.

منذ دخلنا المنزل، تجاهلنا بشكل تام، مأخوذاً بالممثل الشهير.

نقدّم أنفسنا، نحن الثلاثة، الجالسين على التخت كمن ينتظر الباص في كراجات العباسيين. نادر، مهندس كهربائي يعمل في اليونسيف؛ نورس، موظف في مجموعة “ياسمين دمشقي” الخيرية؛ وأنا، الصحافي والقاص المغمور.

“أيه، أهلا وسهلا. هلق بقا بيفتح هالفيديو وبتشوفو كلكون، وبتشوفو معنا أستاذ سامر”.

ننتظر صامتين صابرين متكلين.

“يا جماعة انا بأيدي صورتو لهاد الكليب. والله، سميتو الفيديو الذي أبكى الملايين، وشوفو بقى قديش عالم فاتت وشافت. الله وكيلك يا أستاذ سامر ناس من مصر وناس من سورية وناس من تونس، ومن كل محل. كلو بدو يشوف الفيديو الذي أبكى الملايين. هلق في كزا فيديو بنفس الاسم، بس هاد الوحيد يلي عنجد بيبكي الملايين. والله العظيم”.

“عن شو الفيديو محمد؟” يسأل نادر.

“هلق هلق بتشوفو، يلا… لك يحرق أخت هالجهاز”.

دقيقتان تمران بصمت. كان محمد موظفاً في “ياسمين دمشقي”، وتركها نتيجة لنقص التمويل منذ شهرين. أجبرنا على زيارته في البيت، بعد غداء في مطعم قريب، كان مدعواً إليه مع المجموعة. لم نستطع الرفض، مع إلحاحه الشديد، حيث كان يعلم أننا نملك ساعات عدة من الفراغ قبل موعد العشاء.

فجأة، يفتح طفل الباب ويدخل بسرعة. يقفز إلى حضن سامر، ويقبله. تتبعه بنت أكبر قليلاً، تتجه إلى الممثل ببطء وخجل.

يعتذر محمد، ويحاول طرد الأطفال. يدخل طفلان آخران، ولد وبنت. تطل الأخت مسؤولة العصير من وراء الباب، معها فتاة أخرى. ثم نسمع صوت امرأة أكبر تجر رجلاً يلهث. يدخلون الغرفة ويرحّبون بسامر بحرارة: عمة محمد وزوجها، مستأجرا البيت، ويستضيفون محمد وبعض إخوته في بيتهم هذا.

بعد دقائق، نسمع صوت الباب الخارجي، يفتحه أحدهم ليدخل الجيران. ترحب بنت عم محمد بالضيوف وتدعوهم للدخول كي يسلّموا على الأستاذ سامر.

علامات اليأس والحرج على وجه محمد تتضاعف.

تمتلئ الغرفة والممر المؤدي إليها بأناس يريدون رؤية الممثل الشهير. يتسلق بعض الأطفال الممثل، وتحيط به أيد عديدة، مع الكثير من الصور الملتقطة على موبايلات مختلفة الأحجام. يجبرونه على الوقوف كي يستطيعوا التقاط صور أفضل. المزيد من الجيران يدخلون البيت باحثين عن سامر النجار. تمتلئ الغرفة تماماً ببشر من كافة الأعمار والأحجام والمناطق السورية. يصعد طفل ليجلس في حضني. يحاول نادر إبعاد طفلة قذرة عنه، تتمسك به. طفل آخر يجلس بيني وبين نورس.

فجأة، يعلو صوت رجل من دفعة الواصلين الأخيرة. يضم سامر طويلاً. يتراجع الحشد تاركاً الرجلين في الوسط. يحلف الرجل أن نور لم يكن مجرماً: نور، الشاب المهذب الذكي، أذكى شاب في الحارة وأجملهم. كان فيه شبه من سامر، كل الناس كانت تقول إنه يشبهه.

يتدخّل محمد، نافد الصبر مما حدث ويحدث، “خلص عمو، اتروك سامر يرتاح. يلا كلكن سلمتو عليه، اتركوا يرتاح. كنا عمنحكي أنا وياه بكم شغلة”.

“لا لا، أستاذ سامر بدك تنزل لعنا تشرب شاي”. يرد الرجل.

“لا عمو، بدو يضل معي. عمنحكي بكم شغلة أنا وياه”.

“بدو ينزل معنا، يا الله شو بيشبه نور”. يقبّله مرتجفاً.

يقترب زوج عمة محمد من الرجل، ويربت على كتفه.

“خلص أبو محمود، خلينا نمشي”.

يرفض أبو محمود.

يحتد محمد طالباً منه الخروج، ببعض الصلف.

فجأة، ينفجر الرجل، “اخراس انت وانضب. قاعد لا شغلة ولا عملة غير تتحركش ببنات العالم وجاية تحكي”.

يكظم محمد غضبه، “عمو، ما بيصير هالحكي قدام الأستاذ سامر. هي القصة كلها كزب”.

“لك اخراس ولا، أنت واحد حقير وما عندك أخلاق. اخراس، مو حاجة حاويينك هون لا شغلة ولا عملة”.

“عمو أبو محمود، انا قاعد عند عمتي…”.

يقاطعه، “ولك يا سافل مين عميدفع آجار بيت عمتك يا حقير؟ أخي أبو ناجي بيدفع كل شي. وقت اشتغلت ما حطيت قرش بهالبيت يا حقير. بعتت المصاري لرفقاتك بأورفة؟ بدك ياهون يعيشو عحسابك وأنت متل الجحش عايش عحسابنا”.

تحاول بعض النساء تهدئته، ينسحب بقية الجيران بصمت.

يترك محمد الغرفة، ونبقى وحدنا مع أبي محمود.

يجلس على الكرسي، مكفكفاً دمعه.

“آسف يا جماعة، الله يرحمو. الله يرحمو يا رب”.

يأخذ سامر ويضمه لفترة طويلة.

يبكي بحرقة.

بعد فترة، يجلس على الكرسي مردداً بعض آيات الذكر الحكيم.

تطلب منا زوجته أن نغادر.

نسمع نشيجه ونحن على الباب.

ينتظرنا محمد، مع مراهقين آخرين، في الشارع.

يعتذر عن تصرف أبي محمود، يقول إنه لم يتقبل مقتل ابنه. قُتل الفتى في قصف النظام العشوائي على الصاخور. لم يكن له أي نشاط سياسي، ولا حتى رأي في الثورة؛ يكره السياسة ومشاغلها ومشاكلها. يشرح لنا أنه بالفعل يرسل كل ما يكسبه إلى أصدقاء له في أورفة محتاجين إلى الأموال كي يدفعوا إيجار منزل العائلة. ولكن قصة البنت مختلفة عما قاله الرجل: كان على علاقة مع ابنة أبي محمود، كان يحبها.

لا يريد أن يحكي لنا التفاصيل الآن؛ لا حاجة إلى إزعاجنا. يقول إن أباه متوفٍ وأمه ما زالت في حلب عند أختها، مريضة على شفا الموت. مضطر إلى العيش مع عمته هنا.

“أستاذ سامر، رح ضيفك عالفيس وأبعتلك الفيديو. أمانة أستاذ، خلينا نعمل تشات…”.

يودّعنا مع وصول ليلى، مديرة المجموعة الخيرية، كي تقلنا إلى الفندق.

تخبرنا ليلى أن محمد كان أحد أشجع الإعلاميين في ريف حلب. فقد بعض أصدقائه في الحرب، وهرب مع دخول داعش بلدته.

يقول إنه سيعود ما إن تتحرر البلدة.

أجلس في السيارة، متأملاً عنتاب، مدينة اللجوء السوري الكبرى.

ألمح محمد يضحك بصخب، وهو يشعل سيجارة.

ضحكته تجعل أسنانه البنية المتناثرة في فمه على مسافات متباعدة أكثر وضوحاً وبروزاً.

عيناه تضحكان، أيضاً، كما لا يضحك إلا من ينتصر على أساه شبابُه الغض دوماً.

كلب ضخم يتمطَّى بجانب إشارة المرور، متجاهلاً محمداً وأصدقاءه.

يرمي محمد سيجارته راكضاً كي يصل إلى حافلة الترام التي تقترب من المحطة.

يصلها في الوقت المناسب.

يركض صديقاه بمرح خلف حافلة الترام التي تقلّه، صارخين بما لن أفهمه.

يقهقه محمد ونصف جسده يخرج من نافذة الحافلة صارخاً بمرح.

تبتعد الحافلة؛ يتضاءل ما أراه منه، حتى يختفي تماماً.

مئات الشبان والشابات يتجولون في عنتاب، متسكعين بلا هدف في هذا المساء الربيعي العادي.

على الراديو أخبار عن وقف إطلاق نار جديد على كامل الأراضي السورية.

يهمس سامر، “انشالله خير، انشالله خير. رب العالمين ما رح ينسانا من رحمتو…”.

نسيم ربيعي حار واثق من نفسه يؤكد على كلامه، ومئات الشبان والشابات يتجولون في شوارع عنتاب، متسكعين بلا هدف، في هذا المساء الطويل الأنيس الهادئ…

*كاتب من سورية

من مجموعة “كتاب الحكمة والسذاجة”، التي ستصدر العام المقبل عن دار ممدوح عدوان، والحائزة على منحة الكتابة الإبداعية 2017 من مؤسسة اتجاهات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق