ثقافة النثر والقصيد

لا أحب العطلة

أحمد هلالي أحمد هلالي

لا أحب العطلة

لا أحبها أبداً

وإن حصل فمن أجل فاصلٍ

ضروري لأوركسترا الألم

التي تؤدي معزوفتها الخالدة

على ضفة القلب.

فيها متسعٌ من الوقتِ

كي تنظر بإعجابٍ إلى نفسِك في المرآة

بعد سهرة ماجنةٍ

في سريرِ الألم

وتطلَّ على ثقب الوجود العميق

في سواد الأيام الرتيبة

تمنحك الوقت

لتطوف على حديقة جروحِك

مثل بستاني محترفٍ

بمقص أذرعُه أطول من سؤَالٍ

وشهيةِ متشردٍ.

لا أحبها

وإن حصل فمن أجل فاصلٍ ضروريٍّ

لأوركسترا الألم

يشرب عازفوها فناجين قهوةٍ سوداء

يدخنونَ غلايينَ وسجائرَ

ويفرغون مثاناتهم من أسماء الضحايا…

تجعلك من دون رغبةٍ

تطوف على ألبوم الخسارات

مثلَما العجائز يطفن صباح الجمعة

على مقبرة الحيّ

بمشامِيمَ وردٍ يانِعةٍ

تمشي بين ممراتها

مكسورَ الرُّوحِ

تتفرَّسُ في الوجوهِ

تقرأ الشواهد بشراهةِ مدمنِ كتبٍ

من دون أن تزعجك الهمزة الفائضةُ عن السطر

تستلذُّ أخطاءَ النحو فيها

لأنها دليل الحياة الوحيد في المكان!

لا أحب العطل

والإجازات الصيفية

لأنها تجعلك تنظر

لخط الدخان الذي خلَّفْتَهُ وراءك

مثل طائرةٍ

تؤلمني المحطاتُ كثيراً

المحطات التي مثل طعناتٍ غادرةٍ

تذكرك بنُقطةِ الانطلاقِ

ترش ملحَ الشك في عين حقيقتِكَ

ومثل سكاكينَ جائعةٍ

تقطع النوافذ المسرعة مجدك الضئيل،

فتتركه مزقاً على أسلاك الكهرباء بينما أنت،

ما بين النقطتين،

هلاماً لا يقبض على شيءٍ

خطَّ أنينٍ يَدُورُ على نفْسهِ يدورُ، يدورُ، من دون أن يتوقَّفَ…

لا أحب العُطلةَ

حتى لو كانت نهاية أسبوعٍ

أو يوم عيدٍ

تمنح الفرصةَ للأسئلَةِ

تعترض طريقَ خلاصِك

لتنهش المساحات البيضاء في جسد يقِينكَ.

لا أحبها،

قاسيةٌ غادرةٌ شرهةٌ

وهي تسلخ دقيقةَ صمتِك بشريط عابر:

توقظ في غفوةِ لحظتك كلَّ الصور

لا ترسو بك إلا على شفرةٍ

أربعونَ مضينَ في حراسة جثةٍ عقيمةٍ

بذلت من أجلها الغيوم

والأحلام الملوَّنة

وآلافِ فناجينِ القهوة الممزوجة بالمرارة

معجمُ أرقٍ بكاملِ فُصولِهِ

أربعون مضين في تقريع الفراغ

تحرث الريح بقرني فكرةٍ تافهةٍ.

أربعون مضَيْنَ،

مضين لا غير

هكذا بكل الحظِّ الذي قد يقيم في رقم ميلادي

العطلة السنوية

هي من ذكرتني بكل هذا:

الخسارات التي بطعم الكرز

الضربات التي بسرعة الحلم

النوم الذي بتفاصيل الموت

الغياب الذي بهيئة ليلٍ

الوجبات الأسرع من لقاء جنسي عابر

الخطوات الأكثر رتابة من موعد طبيب

الليالي التي بخاتم أسود في أصابعها

الريح التي بسكاكين الشك

وهي تعد للهاوية أطباق حفلها الأخير

لم أكن آبه لكل هذا

لتكتكات الساعة على الجدار

وهي بعقربها النَّهم تأكل دقائق الروح.

لا أحبُّ العطلة

لا أحبها أبدًا

توقف نمو الأشجار في قلبي

و تبني حوله سوراً من ضباب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق