ثقافة السرد

مقطع من رواية العمى .. للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو

ترجمة: خضير اللامي

انتهى الكاتب والمترجم خضير اللامي من ترجمة رواية العمى الحائزة على جائزة نوبل للآداب للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو الذي رحل عن عالمنا قبل اشهر قليلة. وتعد الرواية من الأعمال الإبداعية الرائعة التي حاول فيها ساراماغوأن ينقل لنا صورة مصغرة عن عالم ينتشر فيه وباء عمى أبيض، تحوله هذه الجائحة إلى عالم بلا جذور ، أعمى ، يعود إلى بدائيته الأولى، مستنزف، تكاد تنتهي الحياة فيه وتنقلب القيم الأخلاقية والفكرية والاجتماعية نتيجة تحول الإنسان المبصرالى حالة من العمى تشل تفكيره وسلوكياته ومستقبله. ويمسي كل شيء مشاعا بين البيوت، وتنتهي الملكية الخاصة، كما تتحول مؤسسات الدولة هي الأخرى إلى ملكيات عامة يستخدمها ألعمي أنفسهم، ليس هذا حسب، إنما حتى الأطباء الذين كانوا يعالجون المرضى يصابون بالعمى مثلهم،….
كل هذا يسرده علينا مؤلف الرواية من خلال شخصيات الرواية التي لا تحمل أسماء على وفق فلسفة ساراماغو في الحياة والأدب، لأنها أي الأسماء لا معنى لها  ويكتفي بشخصيات مثل، سائق الإجرة، الطبيب ، خادمة الفندق، زوجة الطبيب، الفتاة ذات النظارة السوداء، الرجل الأعمى ،الخ,, كما أن أحداث الرواية مجهولة المكان ، كما زمانها أيضا ، ما عدا إيماءات قليلة تشير إلى أنَ أحداث الرواية تقع في عصرنا هذا . وسيتعامل المترجم مع إحدى دور النشر لنشرها .

ظهرالسفاحون مرة ثانية ، في اليوم الرابع . جاؤوا في الموعد المحدد لاستلام ما استحق على النساء اللاتي في الردهة الثانية ، بيد أنهم توقفوا لهنيهة أمام باب الردهة الأولى ليستفسروا إن كان نساؤها قد تعافين من عربدة الجنس الجماعي لليلة الفائتة ، كانت ليلة حمراء ، تماما سيدي ، قال أحدهم باندهاش وهو يلعق شفتيه ، تناغم الآخر معه ، هؤلاء النساء السبع يعادلن أربع عشرة امرأة ، صحيح ، كانت إحداهن لم تستجب كثيرا ، لكن من يعير انتباها وسط ذلك الصخب كله ، كان رجالهن محظوظون ملعونون ، إن كانوا حقا رجالا في عيون نسائهم . من الأفضل ألاَ يكونوا كذلك ، ليكوننَ أكثر شبقا . من الزاوية القصية في الردهة ، قالت زوجة الطبيب ، لم نعد سبع نساء ، هل رحلت إحداكنَ ، أجاب أحد المجموعة ضاحكا ، أنها لم ترحل ، أنها ماتت ، يا للجحيم ، إذن ، في هذه الحالة ،  أنتنَ محظوظات ، لتقومنَ بمضاعفة المهمة في المرة القادمة . إنَها لا تشكل خسارة كبيرة ، لأنها لم تتقن المهمة في الفراش ، ردَت عليه زوجة الطبيب . إرتبك السفاحون ، لم يعرفوا كيف يردوا عليها ، فما قد سمعوه قد أصعقهم بوصفه عهرا ، الى حد أن َبعضهم انتهى به التفكير الى استنتاج أنَ جميع النساء هنَ عاهرات ، ومن قلة الاحترام ، الإشارة الى امرأة مثلها لأنَ مجرد حلمتيها كانتا في غير موضعهما ، ولا تملك أستا تتباهى به . حدقت زوجة الطبيب بوجوههم ، بينما هم يحومون حول الباب ، مترددين ، يحركون أجسادهم مثل دمى آليَة . شخصتهم ، كان ثلاثة منهم قد قاموا بإغتصابها ، في نهاية الأمر ، ضرب أحدهم بهراوته على الأرض ، قال ،هيا ، دعونا نغادر . راحت صرخات تحذيرهم وطرقات هراواتهم تتلاشى وهم يشقَون طريقهم باتجاه الممر، احذروا ، احذروا ، أننا قادمون ، ثم خيَم الصمت ، ثمة أصوات غامضة ، كانت النساء تستقبل أوامر باستعدادهن بعد الغداء، آتية من الردهة الثانية . مرة أخرى ، كانت طرقات أصوات الهراوات تسمع، احذروا ، احذروا ، ومرت ظلال الرجال ألعمي الثلاثة من عتبة الردهة وراحت تتلاشى رويدا رويدا .

رفعت زوجة الطبيب ، التي كانت تسرد حكاية للطفل الأحول يدها ، دون أن تنبس بكلمة ، تناولت المقص الذي كان معلَقا بواسطة مسمار . قالت للطفل ، سأقصَ عليك بقية الحكاية فيما بعد . ليس ثمة أحد في الردهة ليسألها لماذا تحدثت باحتقار مع تلك المرأة العمياء التي تعاني من الأرق . بعد فترة قصيرة ، نزعت حذاءها وراحت تطمئن على زوجها ، لن أتأخر كثيرا ، أنني سأعود مباشرة . اتجهت نحو الباب . هناك توقفت وبقيت تنتظر . بعد عشر دقائق ظهر النساء العمياوات من الردهة الثانية في الممر . كن خمس عشرة إمرأة . بعضهن كان يبكي . لم يكنَ في نسق واحد ، لكنهنَ كنَ على شكل مجموعات ، مربوطات بعضهنَ البعض بقطعة قماش يبدو من الواضح ، أنها معمولة من ملاءات شراشف الأسرَة . حينما اجتزن ، تبعتهنَ زوجة الطبيب . لم يدركن أنَ هناك من يرافقهنَ . لكنهنَ يعرفن من ينتظهرنَ ، ولم تعد أخبار اغتصابهن التي يعانين منه سرَا على أحد ، ولم تعد كذلك أخبارا جديدة ، ويبدو أنَ العالم تبدَا لهنَ هكذا . ما يرعبهنَ ليس هو المزيد من الاغتصاب ، ولكن ما يرعبهنَ حقا هو العربدة الجنسية ، والعار ، وما تضمره لهنَ هذه الليلة من رعب ، خمس عشرة امرأة يتمددن على الأسرَة وعلى الأرض ، وينتقل الرجال من سرير إلى آخر ، ينخرون كالخنازير ، قالت امرأة عمياء لنفسها ، إنَ أسوا شيء سأشعر نه ربما هو اللَذة . حين دخلن الممر الذي يؤدي الى الردهة التي إتجهن إليها ، نبَه الرجل الأعمى الحارس ، أنني أسمع أقدامهن ، سيكوننَ هنا في أية لحظة. وأزيل السرير الذي كان يستخدم كبوابة ، ودخلت النساء واحدة بعد الأخرى ، أوه ، أنه عدد كبير ، اندهش المحاسب الأعمى ، وهو يعدهنَ بحماس ، إحدى عشرة ، أثنتا عشرة ، ثلاث عشرة ، أربع عشرة ، خمس عشرة، خمس عشرة ، أنهنَ خمس عشرة امرأة . غادر بعد آخر إمرأة ، وضع يده المتلهفة على تنورتها ، يبدو أنها لعوب ، أنها حصتي . وانتهوا من قياسات تلك النساء ، لمواصفاتهن الجسدية . في الواقع ، إذا كن جميعن سيواجهن قدرا واحدا ، فمن العبث مضيعة الوقت والحد من شبقهم في اختيارهم على وفق الطول و قياس الصدر والعجز . سرعان ما أخذونهن إلى الأسرَة  وعرُوهنَ بوحشية، لم يمض طويل وقت حتى سمعت أصوات البكاء وطلب الرحمة ، لكن الإجابة تأتي كما هي متوقعة ، إذا أردتنَ أن تأكلنَ ، أفتحن سيقانكنَ . ثم فتحن سيقانهنَ ، بعضهم أمروهنَ بأن يرضعن كتلك المرأة التي انحنت على ركبتيها بين ساقي قائد هؤلاء الأوغاد، بيد أنَهن لم يعترضن . دخلت زوجة الطبيب الردهة ، تسلَلت بهدوء بين الأسرَة، ويبدو أنها لم تكن بحاجة الى تلك التحذيرات ، ولم يسمعها أحد حتى لو كانت ترتدي قبقابا ، ولكن ، إذا ، مسكها في خضم هذه الشجارات أحد الرجال ألعمي ، وعرف أنها امرأة ، فإنهم سيضمونها إلى الأخريات ، لم يدرك الأمر أحد ما ، وفي وضع مثل هذا ، فليس من السهل أن يكون ثمة اختلاف بين العدد خمسة عشر والعدد ستة عشر .

ما يزال قائد هؤلاء السفاحين يحتفظ بسريره في الزاوية القريبة من الردهة حيث تتكدس حاويات الطعام . رفعت الأسرَة القريبة من سريره ، لأنَ هذا الرجل يرغب أن يتحرك بحرية، ودون أن يصطدم بجيرانه من العمى . من السهولة بمكان قتله. بينما كانت زوجة الطبيب تتقدم ببطء عبر ممر الجناح الضيق ، راحت تدرس حركات الرجل الذي تنوي قتله ، وكيف راح يرمي رأسه إلى الخلف وهو يستمتع ، كما لو أنه يعرض رقبته لها، إقتربت منه ببطء، أدارت السرير وتموضعت خلفه، كانت المرأة العمياء مستمرة في القيام بما هو متوقع منها . رفعت زوجة الطبيب المقص بهدوء ، كان نصلا المقص مفترقين بحيث ينفذان كخنجرين . فقط الآن ، في هذه اللحظة الحاسمة ، بدا الرجل الأعمى يشعر بحضور شيء ما ، بيد أنَ رعشة الجماع قد حوَلته عن عالم الإحساسات الاعتيادية ، وحرمته من أي قدرة على الانتباه ، لم يكن لديك متسع للوقت لتبلغ ذروتك الجنسية هذه، فكرت زوجة الطبيب وهي تنزل بذراعها إلى الأسفل بكل ما أوتيت من قوة . أنغرز المقص عميقا في حنجرة الرجل الأعمى ، واستدار نصلا المقص حول نفسيهما دائرة واحدة وراحا يتصارعان مع الغضاريف والأنسجة الغشائية لحنجرة الأعمى ، وراحا يعمقان بقوة شديدة في الفقرات العنقية . كانت صرخته مخنوقة وتكاد لا يسمعها أحد ،   مثل حيوان يصدر صوتا وهو على وشك القذف ، كما كان يحدث لبعض الرجال العمي ، راح الدم يشخب في وجهها ، في الوقت ذاته أستقبل فم المرأة العمياء مني الرجل . أفزعت صرختها بقية الرجال العمى . كانوا متعودين على الصراخ ، بيد أنَ هذه الصرخة لا تشبه تلك الصرخات . كانت من المحتمل ، دون أن تعرف من أين أتى هذا الدم ، فإنها قامت بتنفيذ ما خططت له ، بقطع قضيبه . ترك الرجال العمى النساء ، اقتربوا متلمسين طريقهم ، وهم يتساءلون ، ماذا يجري هنا ، ما كل هذا الصراخ ، بيد أنَ في هذه الأثناء ثمة يد وضعت على فمها ، وهمس شخص ما في أذنها ، اهدئي ، ثم سحبها بهدوء الى الخلف ، لا تقولي أي شيء ، كان صوت امرأة ، وهدأت ، هل م من الممكن في مثل هذه الظروف الموجعة من يبادر الى طمأنتها. وصل الرجل المحاسب الأعمى مباشرة الى الآخرين ، كان أول رجل يلمس الجسد المقلوب من على السرير ، وأول شخص يمرر يده عليه ، إنَه ميت ، قال ذلك باندهاش مفاجئ . كان رأسه متدل من على أحد جوانب السرير ، ما زال الدم يشخب من الجسد ، قال ، إنَهم قتلوه . توقف الرجال العمي في طريقهم ، لم يصدقوا آذانهم ، كيف قتلوه ، من قام بهذه الفعلة ، أحدثوا جرحا غائرا في حنجرته ، لا بد وأن تكون تلك المرأة العاهرة التي كانت معه في الفراش ، يجب أن نلقي القبض عليها ، تحرك الرجال العمي وببطء هذه المرة ، كما لو أنهم كانوا يخافون من الاقتراب من ذلك النصل الذي قتل زعيمهم . لم يستطيعوا رؤية الرجل الأعمى المحاسب الذي راحت يداه تبحثان بسرعة في جيوب الرجل الميت ، أزاح مسدسه جانبا وفيه حقيبة صغيرة تحتوي على أطلاقات. أنتابهم اضطراب وذعر وقلق حينما سمعوا صيحات عالية من النساء العمياوات اللاتي كنَ في ذلك المكان ، فقد بعضهن الحركة للوصول الى باب الردهة ، وخرجن في الإتجاه المعاكس وارتطمن بالرجال العمي الذين اعتقدوا أنهن على وشك مهاجمتهم بينما وصل اضطراب الأجساد الى درجة عالية من الهيجان . في نهاية الردهة كانت زوجة الطبيب تنتظر بهدوء اللحظة المناسبة لهروبها . كانت تمسك بقوة المرأة العمياء ، وفي اليد الأخرى بالمقص استعدادا للانقضاض على أي رجل أعمى يحاول الاقتراب منها . وللحظة كان الفضاء متسعا أمامها ، بيد أنها أدركت أنها ليست قادرة على التريث . ووجد عدد من النساء طريقهن الى الباب ، بينما الأخريات نازعن من أجل تحرير أنفسهن من أيدي الرجال العمى . ثمة المرأة الغريبة التي ما زالت تحاول خنق عدوها لتضيف جثة أخرى . صاح المحاسب الأعمى صيحة من يريد فرض الهدوء على الرجال العمي ، أهدؤوا ، لا تفقدوا أعصابكم ، أننا على وشك أن نصل إلى خيوط القضية ، ولكي يعيد الهدوء وينفذ أمره ويقتنع الجميع أطلق رصاصة في الهواء . كانت النتيجة عكس ما توقع تماما . ويا للمفاجأة ، أنهم اكتشفوا أنَ المسدس كان في يد أخرى ، وكان ثمة اعمى آخر على وشك ان يعلن نفسه قائدا ، وتوقف السفاحون العمي عن الصراع مع العمياوات ، وتخلوا عن محاولة السيطرة عليهن ، وخاصة حينما تخلى أحد الرجال العمي عن النزاع معهن لأنه مات مخنوقا . في هذه اللحظة قررت زوجة الطبيب أن تتحرك . انطلقت وهي توجه الضربات يمينا ويسارا ، وفتحت مسارا . شرع الآن السفاحون بالصيحات ، وقد اصطدم أحدهم فوق الآخر ، وتسلَق بعضهم فوق بعض ، ومن يستطيع من بين العمي أن يرى هذا المشهد سيدرك ، مقارنة بما سبقه من مشاهد وسيعلق عليه أنَه كان عبارة عن مزحة . فزوجة الطبيب لم تكن لديها نيَة في القتل ، وكل ما أرادته هو الخروج بأسرع ما يمكن ، وفوق ذلك ، لا تريد أن تترك خلفها أي إمراة ، وهذه المرة لن يدعوها تفلت من أيديهم حيَة ، عنَت لها هذه الفكرة حينما كانت تطعن بالمقص صدر زعيم السفاحين . سمعت إطلاق رصاصة أخرى ، لنخرج ، لنخرج ، قالت زوجة  الطبيب ، وهي تدفع أي إمرأة تصادفها أمامها . كانت تبذل جهدا واضحا في إنهاض بعضهن على أقدامهن ، وهي تردد ، بسرعة ، بسرعة ، والآن جاء دور المحاسب الأعمى ليصيح في نهاية الردهة ، أقبضوا عليهنَ ، لا تدعوهنَ يهربن ، بيد أن صرخته جاءت بعد فوات الأوان ، فإنَ النساء العمياوات استطعن الخروج من الممر ، فقد هربن وهنَ يترنحن إحداهنَ فوق الأخرى ، نصف عاريات ، يمسكن بأسمالهن بكل ما استطعن من قوة . وقفن أمام الردهة . صرخت زوجة الطبيب بغضب ، تذكروا ما قلته لكم أنني لن أنسى ذلك الوجه ، ومن الآن فصاعدا فكروا بما أقوله لكم جيدا ، أنني لن أنس وجوهكم أيضا . ستدفعون غاليا ثمن اغتصابكم لنا ، مهددة بذلك المحاسب الأعمى ، أسمع  ، أنت ورفاقك ، والذين يسمَون رجالك ، أنكم لن تعرفوا من أنا ومن أين أتيت ، أنت من الردهة الأولى في الجانب الآخر ، هددها المحاسب الأعمى ، وتطوع أحد الرجال لاستدعاء النساء ،وأضاف المحاسب ، لا يمكن أن أخطا في تمييز صوتك ، أنك ما أن تتفوهي بكلمة واحدة بحضوري حتى تجدي نفسك في عداد الموتى ، وقد سبق من كان يردد مثل هذا الكلام وتحوَل إلى جثة الآن ، أنني لست عمياء مثله أو مثلك ، حينما أصبتم بالعمى ، كنت أعرف كل شيء عن هذا العالم ، أنك لن تعرف أي شيء عن عماي . أنت لست عمياء ، لا تحاولي خداعي ، ربما أنني الأكثر عمى بينكم ، بيد أنني استطعت أن أقتل ، وسأقتل مرة أخرى إذا اضطررت لذلك ، أنك أول من يموت من الجوع ، ومن اليوم فصاعدا لن تذوقوا طعم الأكل ، حتى وإن جئتن جميعا لتعرضنَ ثقوبكنَ الثلاث على صينية. إنَ أي يوم تحرموننا من الطعام سيكون أحد رجالكم كبش فداء بمجرد خروجه الى عتبة باب الردهة ، لم يكن بمقدوركنّ فعل ذلك ، أوه ، سترين ذلك ، ومن الآن فصاعدا نحن سنجمع الطعام ، وستقتاتون على مخزونكم من الطعام ، عاهرة ، العاهرات ، لسن من النساء ولا من الرجال ، إنهن عاهرات حسب ، أنكم تعرفون قدرهنَ الآن ، وانتابه السخط ، وأطلق المحاسب الأعمى النار باتجاه الباب ، وأزَت الرصاصة وهي تعبر من فوق رؤوس الرجال العمى دون أن تصيب أي أعمى من الرجال ، واستقرت في ممر الباب .  قالت زوجة الطبيب إنك أخطأتني ، وخذ حذرك ، إذا نفدت ذخيرتك ، فثمة آخرون مثلك هنا سيرغبون أن يكونوا قادة مثلك أيضا .

تحركت زوجة الطبيب ، مشت خطوات عدة ، ما زالت ثابتة ، ثم تقدمت باتجاه الممر ، كانت في الغالب منهكة ، وفجأة خارت قوى ساقيها ، وسقطت على الأرض . غامت عيناها ، وقالت ، إنني سأعمى  ، بيد أنها أدركت أنَ الوقت لم يحن بعد ، هذه دموع تغشي رؤيتها حسب، إنني لم أذرف مثل هذه الدموع في كل حياتي ، فضلا عن ذلك إنني قتلت رجلا ، قالت بصوت خفيض ، أردت قتله ، فقتلته ، وأدارت رأسها باتجاه باب الردهة ، إذا جاء الرجال العمي الآن ، فإنها لن تكون قادرة في الدفاع عن نفسها . كان الممر مهجورا ، واختفت النساء ، مازال الرجال العمى يرتعبون نتيجة إطلاق النار وكثرة زيادة الجثث من رجالهم العمى ، لم يجرؤوا على الخروج ، واستعادت قوتها تدريجيا ، مازالت عيناها تغرقان بالدموع ، ببطء ولكن أكثر صفاء ، كما لو أنها تواجه شيئا غير قابل للعلاج . وصارعت كي تقف على قدميها ، كان ثمة دماء تلطخ يديها وملابسها ، وفجأة أوحى لها جسدها أنها أمست عجوزا . عجوزا وقاتلة في الوقت ذاته ، قالت مع نفسها ، بيد أنها عرفت إن كان من الضروري ، أن تقتل مرة أخرى ، ومتى تحكم الضرورة في القتل ، قالت هذا واتجهت نحو الممر ، وأجابت هي على السؤال ، حينما سيكون الحي ميتا . هزَت رأسها وهي تفكر ، وماذا يعني ذلك ، كلمات ، لا شيء غير الكلمات ، وراحت تمشي وحدها . واقتربت من الباب الذي يؤدي الى الباحة الأمامية ، بين درابزين البوابة استطاعت أن تكتشف ظل الجندي الذي كان يقوم بالحراسة . ثمة أناس هناك ، يبصرون . أرعبتها أصوات أقدام خلفها ، أنهم العمى السفاحون ، فكرت واستدارت بسرعة والمقص بيدها استعدادا لأي حركة محتملة . كان زوجها . حينما عادت النساء من الغرفة الثانية اللاتي كنَ يصرخن بما قد جرى في الجانب الآخر ، إنَ امرأة  طعنت زعيم السفاحين وأردته قتيلا وجرى إطلاق نار ، لم يسألهن من هي المرأة ، ربما تكون زوجته ، فقد سبق لها أنها أخبرت الصبي الأحول أنها ستحكي له بقية القصة بعد عودتها ، وماذا جرى لها ، ربما هي الأخرى ماتت ، قالت ، إنني هنا ، وجرت نحوه واحتضنته ، ولم تلاحظ أنها ستلطخه بالدم ، أو أنها لاحظت ولكنها لم تعره انتباها ، وحتى الآن مازالا يشاركان في كل شيء ، سأل الطبيب ، ماذا حدث ، يقولون إنَ ثمة رجلا قد قتل ، نعم ، أنا التي قتلته، لماذا ، كان يجب أن يقتله شخص آخر ، أليس هناك غيرك من يقوم بذلك ، والآن ، الآن نحن أحرار ، وهم يعرفون ماذا ينتظرهم إن حاولوا الإساءة إلينا مرة أخرى، من المحتمل أن تكون ثمة معركة ، أو حربا ، فالعمي هم دائما في حالة حرب ، هل ستقتلين مرة ثانية ، نعم ، إن اضطررت الى ذلك ، إنني لن أتحرر من هذا العمى ، وماذا عن الطعام ، سنجلبه ، أنا أشك إن كانوا يجرؤون في المجيء الى هنا مرة ثانية ، على الأقل في الأيام القليلة القادمة أنهم سيخافون ما قد يحدث لهم مرة أخرى ، أنَ نصلي هذا المقص ستنفذان الى حناجرهم ، أننا أخفقنا في تصعيد المقاومة ضدهم ورضخنا الى تنفيذ طلباتهم حينما جاؤوا الينا أول مرة ، بالطبع ، كنا خائفين والخوف لا يعد دائما استشارة حكيمة ، دعينا نذهب ، لكي نؤمَن على أنفسنا يجب أن نحكم متراس باب الردهة ، ونضع الأسرَة بعضها فوق بعض ، كما يفعلون ، اذا وجب أحدنا أن ينام على الأرض ولم يستطع النوم ، فإنه أفضل له من الموت جوعا .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق