ثقافة السرد

The Airport Jeeny

بقلم: نازك ضمرة*

احسّ نادر بالتعب، بعد ساعات من العمل المتواصل الرتيب، فتح درج مكتبه، واجهته صورتها قطعها قبل يومين من المجلة. ارتشف قهوته للمرة الثانية، ملأ صدره بنفس طويل، ثم نفثه بوقت اطول، وعيناه مركزتان على الصورة المستقرة بقعر الدرج المفتوح._ تشبهها تماماً ! هل يمكن ان تكون هي نفسها يا ترى ؟ ملامحها نفسها! أنوثتها ،جسمها المتناسق ،شعرها المناسب،سمرتها العربيه الساحرة ،بشرتها الغضة المترفة!يا الهي!هل أنا احلم ؟!كان يوماً جميلاً!!…

تأخرت الطائرة عن موعدها في ذلك اليوم، ازداد اكتئابه، احس ان عقارب الساعة توقفت، بل عادت للوراء، بعد ان اعلنت مكبرات الصوت بالمطار “ان الطائرة سوف تتأخر ثلاث ساعات”،جلس فمل الجلوس ، تمشى بقاعة الانتظار حتى تعبت يداه وتيبست اصابعه وهو ينقل شنطة (البريف كيس) من يد الى يد، قرأ ما حمل من جريدة او مجلةن بل قرأ كل الاعلانات، (ومانشيتات) الدعاية الملصقة على كل جدار ، خطر بباله ان ينتقل الى 0الكافتريا) رغم انه يعرف ان تكلفة الطعام و المشروبات في المطارات مرتفعة بالنسبة له، نظر الى لائحة الطعام والمشروبات، قرر ان يكتفي بفنجان من القهوة الامريكية، وقف في الصف،حمل فنجان القهوة،وتقدم نحو امين الصندوق، ناوله ورقة الخمسين دولاراً .

_اعطني وحدة نقد اصغر, لم يبق لدي صرف! قال (الكاشير).

_لا يوجد معي وحدة اصغر!! هل اعيد القهوة؟او ان اعود لك بعد قليل لإعطائي الباقي؟

_كلا! لا ترجعها ! خذ الحساب عني وعنه!

قال صوت نسائي ، التفت الى الخلف، امتدت يد فتاة فارعة الطول ,فاتنة الوجه,شامخة الثديين في تمرد وبلا رباط يستندهما , بل دفعت الحلمتان قميصها الخفيف فاتخذ شكلهما.

_شكراً يا سيدتي! اشعر بالحرج! اسمحي لي ان اعيد فنجان القهوة، ان كان ذلك لا يضايقك، فأنا لست من مدمني شرب القهوة.

أعاد ة(الكاشير) الباقي لها ، بعد ان ناولته العشرة دولارات, خرجا من الصف،ينظر كل منهما صوب فراغ الصالة الفسيح، باحثاً عن المكان الذس سيجلس أو سيقف فيه،سبقته الى طاولة جانبية ، تطل على حدائق و أرض المطار. دعته لمشاركتها الطاولة إذا رغب.

اقترب من النافذة , شاهد حوضاً جميلاً من الزهور الملونة, وصفاً من اشجار السرو الطويلة الباسقة المتمايلة وقد زرعت بشكل منسق قبل بضع سنوات، نسي الضيق الذي كان يحس به بسسب تأخير الطائرة , لقد اتعبه السهر الطويل في الليلة الماضية عندما جاء اصدقاؤه لتوديعه.

تمنى قبل دقائق لو يتمكن من الغاء هذه السفرة. ثم وجد نفسه متجهاً الى حيث تجلس (الكهرمانة) السحرية التي نزلت اليه من عالم آخر وكأنه مسح على مصباح علاء الدين فامتثلت له.

تأملت وجهه، فرأت الحيرة في عينيه، وكأنما احست بما يفكر به،خاطبته في ثقة.

_طلبت قهوة مثلك،لأفعل شيئاً يبعد الملل عني،مع انني كنت انوي طلب عصير او (آيس كريم),ما رأيك ان تشاركني بأكل قطعة (الكاتوه) هذه مع قهوتنا فهي كبيرة وأنا اراعي وزني.

لم يجب على طلبها اول الامر ، لكنه رحب في داخله بهذه الوجبة الارستقراطية خاصة وانه في المطار، ولا تسمح امكانياته المادية بتبذير فلوسه المحسوبة للضروريات فقط.

_اسمي نادر ! وأنوي السفر الى باريس!

_وانا كذلك!

ارتشفت من فنجان قهوتها، وأعادت تأمّل ما يجري في الصالة قائلة:

_اعجب لهؤلاء النساء واطفالهن! كيف لا نحافظ على النظافة؟! ومتى ترتقي نساؤنا

_لماذا تسافرين؟

_امي وأخي يعيشان في باريس، وأبي يدير شركته في الوطن العربي, ادرس فصلاً بجامعة فرنسية ،وأسافر فصلاً آخر لمساعدة ابي، هل ستنزل بفندق معين؟ او عند احد في باريس؟!

_اوفدتني ادارة الشركة التي اعمل بها لمدة اربعة ايام وعلى حسابها لزيارة احد المصانع قرب باريس للاطلاع على انتاجه,وسأنزل بأي فندق مناسب.

عضّت على ما علق بطرف الشوكة من نتفة الكعك بأسنانها حتى لا يلامس شفتيها،ولما تنّبه لها الحّت عليه ان يأكل جميع القطعة متذرعة بأنها تناولت شطيرة خبز باللحم (همبركر) قبل قليل.

_ماذا تقرأ؟ارى معك كتاباً وكشكولاً؟

_اقرأ ما يقع بيدي من ادب وفلسفة وعلم. احاول ان اكتب الشعر احياناً، او ان ادوّن ما يعجبني من خلال قراءاتي في هذا الدفتر.

استأذنته بالاطلاع عليه، وافق فناولها اياه،حنت رأسها باتجاه الصفحات،وبدأت بتقليبها، غطى شعرها الذي انسدل من الجهة اليمنى معظم وجهها، احسّ بالحرية في النظر الى فتحة قميصها فرأى نهديها اللذين زادا بروزاً، ودفعا القميص الناعم الواسع الفتحة اكثر واكثر .قال لنفسه: هل انا في حلم ام انا في علم؟!

_قصائدك لطيفة! تشبه الاغاني العاطفية والرسائل الغرامية.

نمت بعض الألفة والتقارب بينهما، نسيا كل ما يدور حولهما من تذمر المسافرين او بكاء الاطفال، وشتائم النساء على الطيران والمطارات والقائمين عليهما، كثرت حركة عمال النظافة في الصالة لتنظيف ما يلقي الاطفال والنساء من فضلات الطعام ومناديل الورق والفوط، وهما في شغل عن ذلك حتى انهما صارا يتبادلان سرد الطرائف والتعليقات عما يدور حولهما. نسي نادر التعب والنعاس والملل، تمنى ان لا تحضر الطائرة لثلاث ساعات اخرى بل لليلة كلها .

في الثامنة مساء ،علا نداء مكبرات الصوت بالمطار، يدعو الركاب بالتوجه للطائرة المقلعة الى باريس. قال في نفسه: (كنت طائرأ في صالة المطار قبل هذا النداء.)

اخرجت كهرمانة ورقة انيقة من حقيبة يدها، كان لون الورقة زهرياً وبقلم ذهبي رقيق كتبت له اسمها واسم فنهدق في باريس ليقيم فيه.

قالت له:

_هذا فندق جيد! وقريب من المنطقة التي تقيم فيها والدتي وأخي. سأتصل بك! وربما اعرّفك على امي وشقيقي .

تسلم الورقة شاكرأ،تأملها قليلاً، ثم ناولها بطاقة عليها اسمه وعنوانه ورقم هاتف . اتجهت هي الى ناحية ممر ركاب الدرجة الاولى، وتوجه هو مع الصف الطويل لركاب الدرجة العادية.

بعد إقلاع الطائرة بقليل، تناول نادر الوجبة الممتازة التي قدمت للركاب، وبدت بتنويعها وكأنها اعتذار او تعويض عن تأخير عدة ساعات. داعب النعاس عيني نادر، لكنه اراد ان يشاهد او يتحادث قليلاً مع (كهرمانة )، مشى متجهاً لمنطقة ركاب الدرجة الاولى، اعترضته المضيفة، ودلّته على المرافق الصحية، ظنًا منها انه يبحث عنها، لكنه قال لها:سأتحدث مع صديقتي بالدرجة الاولى، سمحت له، تبعته تراقب حركاته وعينيه ويديه.

نظر الى رفيقته في مقعدها،رأى الانوثة تعلن عن نفسها في كل مكان من جسدها الممتد المتراخي بلا مبالاة.

قال لنفسه:(انها تغط في نوم عميق!!)

تسمر في مكانه لبضع ثوانناحس بالحرج عندما رأى المضيفة تقف بقربه وترقب كل حواسه،هاجمه دوار جعله يعج!ل العودة لمقعده مردداً:

_وأنا بحاجة للراحة ايضاً! سأعرف عنوانها عندما تزورني في الفندق الذي طلبت مني النزول فيه! سأتعرف عليها جيداً! لكن هل احبتني كما تعلّقت بها يا ترى؟!

هل اسجل في مذكراتي ان طريق نجاحي وسعادتي بأت اليوم؟!

سأطلب منها ات تتجول في باريس وضواحيها معاً،ولتعرفني على معالم باريس التاريخية والحضارية.

هبطت الطائرة في مطار (اورلي)،بحث عن حقيبته ثم اسرع يبحث عنها، لم يجد لها اثراً استفسر من موظف الفنادق بالمطار،عرف منه ان الفندق الذي اعطته اسمه يكلف مائة وخمسين دولاراً لكل ليلة للمبيت فقط,مع ان الشركة خصصت له خمسين دولاراً لليوم الواحد…اضطرب وصار يسأل عنها في كل مكان,ليبلغها عن اسم الفندق الذي سينزل به،يئس من العثور عليها، قال لنفسه:

_سأترك لها رسالة لدى الفندق الذي اعطتني اسمه وسيبلغونها بها!….

ركب سيارة تاكسي الى فندق يديره شخص مغربي في باريس يتناسب وميزانيته.

رغم مرور عام على رحلته تلك،لا زال نادر يحلم انه سيلاقي كهرمانة, حتى تنير عمره ساعات اضافيه في مطار او فندق او صحراء . تأمل صورة المجلة مرة اخرى،اقفل درج مكتبه وأعاد ترتيب اوراقه امامه. امسك بقلمه يكمل المذكرة المقرر تسليمها اليوم، كتب على طرف المسودة:

نحاول التحكم بالمرأة, والمرأة تسحرنا… و …


*كاتب فلسطيني مقيم في أمريكا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق