قراءات ودراسات

“من شرفة ابن رشد” لعبد الفتاح كيليطو

قراءات جديدة  للموروث الثقافي

كتب: هشام بنشاوي

كثيرون  يحرصون على متابعة جديد الناقد والباحث المغربي د.عبد الفتاح كيليطو ..  لأنه اعتاد ألا يبخل عليهم – ومع كل قراءة جديدة للموروث الثقافي- باكتشاف جوانب/جماليات أخرى، كانت مهملة ومنسية، كما التراث عادة. وأمام دهشة تلك الاكتشافات التراثية بعيون كيليطو، ندرك فداحة تجاهل تلك النصوص الفصوص التي لم نكن نبالي بها، مفضلين قراءة الأدب المعاصر عالميا وعربيا، حتى لا نرمى بالعته.. حين نضبط  متلبسين بجرم قراءة كتب  تآكلت حواشي أوراقها، في زمن يتباهى فيه الناس بحداثتهم المزعومة، ونوقن أنه من حقنا أن نفتخر بذلك السرد العربي القديم.

في  الفصل الأول من كتابه الأخير “من شرفة ابن رشد”، والموسوم بـ”كيف نقرأ كليلة ودمنة؟”، يشير  د. عبد الفتاح كيليطو إلى أن كتاب  “كليلة ودمنة” يعلمنا أن الحيلة تعمل حين تعوز القوة، وترتبط أساسا بالكائن الأدنى، الأضعف، وتفرض خطابا مزدوجا، مثل لسان الحية المشطور، لكن الأسد أقل تلك الحيوانات كلاما، وحين تواجهه أية صعوبة يفوض القول لحاشيته، أو يأذن به، أو يطالب به. إن الخطاب في “كليلة ودمنة” يستميل المخاطـَب بسرد حكاية، فالإثبات وحده لا يكفي. هكذا يغدو السرد خطابا غير مباشر، إضافة إلى أن “السرد سلاح الأعزل”. الأسد ليس بحاجة لأن يروي حكاية أو يبحث عن إقناع، مثلما علمتنا “ألف ليلة وليلة” أن الخليفة لا يروي حكاية أبدا، إلا إذا كان خليفة مخلوعا.

ويعتبر كيليطو الترجمة فعل حب وعلامة انفتاح وتسامح، لكن  كثيرا من الشعوب لا تقبل أن تترجم نصوصها المقدسة، لأنها تعتبر العبور من لغة إلى أخرى اعتداء، وحتى لا يفقد النص المقدس روحه ويتحول إلى جثة، يجب ألا يغادر لغته وبيته، لكن في حالة رفض  الفيلسوف بيدبا لانتشار كتابه، فليس  خوفا مما قد يطرأ على النص من تشوهات الترجمة، وإنما كان يخشى أن يتملكه الفرس، ويتمثلوا مضمونه ويستمدوا منه القوة والمجد، ولأن “الترجمة غزو” حسب نيتشه، فرغم كل الاحتياطات ترجم الكتاب إلى الفهلوية، وتمّ الاحتفاء بالترجمة مثلما تم الاحتفاء بتأليفه، ولم يلتمس وزير  ملك الفرس حظر الوصول إليه، ففرضت الترجمة العربية نفسها بقوة بلغت أن لا أحد اهتم بالأصل الهندي أو الفارسي. واعتبر الباحث “كليلة ودمنة” يتضمن كتابين متمايزين، أحدهما ظاهر وآخر خفي، لذا فهو كفيل بقراءتين، ولن يبلغ مداه الرمزي إلا بقراءة جيدة: “لكن من سيستطيع ذلك، هل سيبقى في حاجة لهذا الكتاب؟”.

في فصل “الكلام إلى السلطان” يتوقف  المطل من شرفة ابن رشد عند  صفحة  خصها “اليوسي” في “المحاضرات” لابن أبي محلي، ويورد مشهدا يتلقى فيه السلطان (ابن أبي محلي) خطابين مختلفين، خطاب مديح تنطق به الجماعة، وخطاب تأنيب ينطق به فرد.. يصير الرجل متهما، ويبدو كمنغص للاحتفال، بعد أن أثار صمته السلطان، ولم يتحدث إلا بعد أن طلب الأمان، مما يعني أن الآخرين نطقوا بأكاذيب، وأن الحقيقة كريهة والنطق بها مجازفة…  يخاطبه بطريقة ملتوية، دون استعمال ضمير المتكلم أو المخاطب، وتغدو دموع ابن أبي محلي هي نفسها تلك الدموع التي ذرفها في طفولته حين كان والده يعاقبه بعد أن يوثقه بالحبل، وكأن حياته غير المستقرة بعد سن الرشد امتدادات لإفلاتات الطفولة، ثم يورد اليوسي حادث رسالة سفيان الثوري إلى هارون الرشيد والذي أصر على أن يرد على ظهر القرطاس، على يد أحد تلامذته رافضا لمس القرطاس. إن الوعظ يثير بكاء السلطان، والوعظ الموجه للسلطان، يتأثر به وحده، بخلاف الهجاء الذي  قد يجد ضحية واحدة ومستمتعين كثر.

ويرى كيليطو أن سلطة الخطاب والسلطة السياسية عند اليوسي منفصلتان، توجدان في فضاءين مختلفين ومدعوتان إلى التقارب (علاقة اليوسي بالسلطان مولاي إسماعيل)، لكنه يكتب إليه بطريقة ماكرة، وكأن وعظه للسلطان قد كتب استجابة لرغبة عميقة منه (السلطان)، وكان  اليوسي واعيّا  بجرأته، مثلما يعلم أن “السلطة لا يمكن أن تكون مطلقة إلا باقتران المحبة بالهيبة”.

في “عزيف الجن” يتطرق الناقد لكتاب “مروج الذهب” للمسعودي، ورؤية الثقافة العربية للجن، مفتتحا مقاله بالمقارنة  بين بيداء المعلقات وبيداء الشعراء الصعاليك، وفي “تلك الجنة الخضراء” يقارب منمنمة الواسطي، والمستوحاة من إحدى مقامات الحريري، سابرا أغوارها، ملتقطا رموزها، حيث الخطيئة مرتبطة بميلاد الإنسان، دون أن يفوته التنبيه إلى أن جنة عدن تكتفي بذاتها، وتستغني عن كل مخلوق!.

ويفرد  د. كيليطو فصل “بيريك والحريري” للمقارنة بينهما، واللذين يشتركان في  التلاعب بالألفاظ،  و يرى  أن الحريري وأمثاله، وبسبب “بهلوانياتهم اللغوية”  كانوا وراء الانحطاط الذي شهده  الأدب العربي. وفي مقالته المعنونة بــ”بارت والرواية” يكتب عن قراءات بارت الروائية، حيث روايات تقرأ بالنهار، وسط  ضجيج الفضاءات العمومية، و قراءات  ليلية بالبيت، حيث الوحدة والفراش والنوم والحلم، ولا يتوانى بارت عن المجاهرة- وبشجاعة نادرة- بأن قراءة  بعض الكتب مجرد دين يُدفع بالتقسيط أو عقوبة أو واجب، بعدها يعود للكتاب الحقيقي. بيد أن مشروع  بارت الحقيقي لم يتحقق… فقد كان يحلم  بكتابة رواية ودراسة في آن واحد أو ليست لا هذه ولا تلك. هي رغبة مزدوجة- والعهدة على الناقد- في أن يكتب كتابة حقيقة، وأن يحيا حياة حقيقية… رغبة صيغت عام 1978م، وبعد عامين، وافته المنية.

***

لن نجازف إن اعتبرنا  “لغة القارئ” أكثر فصول  هذا الكتاب  أهمية، لأنه يتطرق لإشكالية قلما ينتبه إليها الكتاب، لاسيما من يكتبون للآخر. فبعد مقاربة  رواية أحمد الصفريوي، (التي تقدم رؤيتها للعالم بعيون بطلها الطفل/ سيدي محمد، الذي لم يتجاوز ربيعه السادس، راصدا طبيعة  تلك العلائق الملتبسة داخل وخارج البيت)، والمكتوبة بالفرنسية/لغة النصارى بتعبير أم سيدي محمد. يطرح كيليطو هذا السؤال: هل الكاتب المغربي يكتب بلغة واحدة؟

الصفريوي – بالنسبة إليه- يكتب بلغتين، ويتوجه قبل كل شيء إلى قارئ فرنسي أو فرنكفوني، ويتساءل مرة أخرى عن هوية ولغة ذلك القارئ الضمني..

إن الصفريوي  مثلما يكتب بلغتين، يتعامل مع نمطين من القراء، وربما مع ثلاثة : الأول لا يعرف الفرنسية، وهو خارج اللعبة، الثاني يعرفها ويجهل العربية، ومن أجله يوقف  السرد ليفسر بعض الكلمات العربية المتناثرة في النص، ويلاحظ الناقد  أن بعض المفردات قد تربك القارئ الثاني، لكن القارئ الثالث (ثنائي اللغة) يكتشف دون وسيط  دلالة أسماء العلم، وما وراء أية كناية، وفي هذه الحالة فإن وجود بعض المفردات العامية، تجعل ترجمة رواية الصفريوي صعبة بالنسبة لمن ليس على دراية  تامة بالعامية المغربية من المترجمين العرب، ويورد  الباحث نماذج من الحوارات ملمحا إلى وجود تعابير لا يستعملها الرجل وأخرى تتجنبها النساء، ويخلص إلى أن الروائي يترجم الحوارات من العربية إلى الفرنسية، بينما يقوم القارئ بالعكس. “القراءة  الحقيقية، التي  تتطابق مع فرادة الكتابة، يبدو أنها امتياز مخصوص به القارئ الذي يتقن لغة المؤلف”، بيد أن  قراءة غير ثنائي اللغة  ليست خاطئة ولكنها مختلفة فقط. إن رواية الصفريوي- حسب كيليطو- لا تتضمن رواية واحدة بل روايتين، وهو ما يحتم  على الكاتب المغربي  ضرورة اعتبار لغة القارئ، فــ”السؤال: بأي لغة تكتب؟ لن يكون له معنى إلا إذا  استكمل بهذا السؤال الآخر، المهمل باستخفاف: بأي لغة تقرأ؟”.

في الفصل الذي يحمل اسم الكتاب، يرى الكاتب في حلمٍ  أشبه بمتاهة بورخيسية  ابن رشد ومترجمه إلى العربية (ع.ك)، وهو نفسه عبد الفتاح كيليطو، لكنهما مختلفان، فكيليطو لا يوافق على ترجمات ع.ك، بينما يتهمه المترجم  بأنه يكره اللغة العربية. ويفكر في تلك الجملة الحلمية الملغزة : “لغتنا الأعجمية” التي  ينسبها إلى ابن رشد، ويتساءل عن اللغة التي يحلم ويفكر بها مزدوج اللسان مثله: “حين نتكلم لغة، أو عن لغة، فنحن نلحق الضيم بالأخري، والمؤكد المعلوم أن هذه الأخيرة لا تنتظر سوى لحظة القتل”، و”اللغتان -على لسان الجاحظ- مثل الضرتين، بينهما حرب إبادة، بدون رحمة”!. ولأن عبد الفتاح كيليطو  يجيد لعبة التفرعات السردية المدهشة، يتناول الحديث عن الكتب لم نقرأها، مستحضرا  كتاب جان بيير بايار بعنوان “كيف نتكلم عن الكتب التي لم نقرأها؟”، وطبعا قلة من يعرفون كيف يدارون جهلهم بكتب لم يطلعوا عليها، مثل الأستاذ الذي استفسره عن ابن رشد وأين كتبت تلك الجملة الملغزة، فلاذ بابن سيرين و أولاده الثلاثين…  في الختام، يدرك أن تلك العبارة لابن منظور، ولم يقصد بها سوى الخطر الأزلي الذي واجهته  لغة الضاد، أي ضعفها في زمنه.

بأسلوبه السهل الممتنع – والممتع أيضا-، وبلغة  مكثفة، يواصل عبد الفتاح كيليطو  توغلاته  في اتجاه أحراش التراث السردي… بحثا  بين نفائسه،  متسلحا بمناهج نقدية حديثة و بثقافته العالمية، مما يخلق متعة متفردة للمتلقي، متعة مضاعفة.. متعة قراءة هؤلاء الكتاب ومتعة قراءة كيليطو. لقد اعتاد  القارئ العربي النفور من الكتب النقدية،  فهي تبدو له متجهمة وممقوتة بسبب لغتها المتخشبة،  فضلا عن تعالي  النقاد على القراء العاديين، لكن بمجرد أن تتصفح  أي كتاب لكيليطو، ستتسارع  بالتهامه من الغلاف إلى الغلاف، وستسعى للبحث عن بقية مؤلفاته النقدية التي لا تخلو من إبداع.  لهذا يشكل الباحث – وعن جدارة واستحقاق- حالة استثنائية في النقد العربي.

*”من شرفة ابن رشد”، عبد الفتاح كيليطو، ترجمة عبدالكبير الشرقاوي،  دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 2009.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق