قراءات ودراسات

جديد رشيد بوجدرة: الانغماس في ذاكرة تعيش الوجع الاستعماري

حميد عبد القادر*

ترتبط رواية رشيد بوجدرة الجديدة (“نزع الملكية”، منشورات “غراسيه” باريس، 2017. 201 صفحة)، بعوالمه وهواجسه الإبداعية، العائدة دائما، والتي نعثر عليها في جل أعماله الإبداعية، منذ رواية “التطليق” (1969). وتستمر هذه العودة على شكل هواجس محورية راسخة، إلى غاية آخر أعماله “الربيع” (2014).

تنغمس رواية بوجدرة في ذاكرة تعيش على الوجع الاستعماري، وعلى طغيان السلطة القهرية البطريركية، عبر شخصية محورية لا تحمل اسما (هل هو رشيد بوجدرة؟)، وتستعيد حياة ماضية خلال الخمسينات، في خضم حرب التحرير الوطنية، في مدينة قسنطينة وهي تعيش على وقع تجاوزات الجيش الفرنسي.

ترحل والدة الراوي، صاحب القدرة الفائقة على استعادة الماضي، كأحداث مرتبطة بحياته الشخصية، وبمجريات الحياة العائلية تارة، وتتعداها تارة أخرى لتصل إلى هشاشة التاريخ عامة، وإلى كل ما تعلق بالذاكرة، ومما هو موجود بين كتب التاريخ، حيث تبرز في الرواية قراءات ترجعنا إلى طارق ابن زياد، وفق ما رواه ابن خلدون، الذي ركز في تاريخه وهو يتحدث عن “فتح الأندلس”، على غيرة موسى بن نُصير (هذه الإحالة التي نعثر عليها في رواية “معركة الزقاق”، 1987).

اتكاء على لوحتين: تشكيليتين مميزتين

تقف الرواية، وأحداثها التي تنطلق مع رحيل والدة الراوي (سنة 1964)، بين تنقلاته شابا بين قسنطينة والجزائر العاصمة. وتتكئ عملية السرد على لوحتين تشكيليتين مميزتين، اكتشفهما الراوي في مكتب المحاسبة الذي يديره عمّه إسماعيل بالشراكة مع يهودي يدعى يعقوب تيمسيت، وهما لوحة الفنان التشكيلي الفرنسي ألبير ماركي، بعنوان “مسجد ساحة الحكومة” التي رسمها سنة 1927، بعد إقامته نهائيا في المدينة سنة 1920، ولوحة أخرى ليحيى بن محمود الواسطي، عنوانها “معركة الزقاق”، التي تناولها في رواية سابقة نشرت بعنوان “الانبهار” (2000)، وهي عبارة عن منمنمة ثمينة رسمها الواسطي عام 334 هجرية، تُظهر القائد البربري الفاتح طارق بن زياد، وفق ما جاء في الرواية، رفقة جنوده، سنة 711 هجرية، قبالة صخرة مضيق جبل طارق. وفيما تظهر لوحة ماركي بالنسبة للراوي، “مُسالمة وهادئة”، تبدو له مُنمنمة الواسطي التي رسمها سنة 1094، في غاية “الاعتداء، والغزو”.

ومن خلال قراءة للوحتين، تغوص رواية بوجدرة في ذكريات بعيدة، يستعيدها الراوي، المهووس بالتاريخ والفن التشكيلي والهندسة المعمارية، وبالروائيين الكبار (وليام فولكنر الذي يعشقه، على خلاف أندريه جيد الذي يمقته بشدة لأنه منع نشر رواية مارسيل بروست، ولأنه كان مهووسا بفتيان مدينة بسكرة جنوب الجزائر)، وبحياة ألبير ماركي بالخصوص. فعبر لوحة هذا الأخير، تلتصق الرواية بالنصب التذكاري الاستعماري للدوق دورليان، وسط “ساحة الحكومة” بوسط العاصمة الجزائر، والذي كان يهابه وهو بعدُ في ريعان الشباب، لارتباطه بقسوة الغزو الاستعماري، الذي لا تظهر ملامحه في لوحة ماركي المتواطئة مع الاستعمار، وكأن بوجدرة يفكك هنا عوالم الفنان الفرنسي، ويقول ما لا تقوله لوحاته التي رسمها أثناء الاستعداد للاحتفال بمئوية الاستعمار الفرنسي سنة 1930. وكذلك يفعل مع لوحة الواسطي، حيث يقول ويروي ما لا ترويه اللوحة، التي يُقابل عوالمها الممجدة للفتح بمقدمة ابن خلدون، وهو يحلل غيرة موسى بن نُصير، وتعامله مع طارق بن زياد وفق هذا الإحساس الإنساني.

مثلما هو الحال في جل أعمال بوجدرة الروائية، تلعب حاسة الشمّ دورا أساسيا في الرواية، وتساعد الراوي، مثل مارسيل بروست، على استعادة حياة سابقة، منها حرب التحرير الوطنية (1954- 1962)، وسن الخامسة عشرة، حيث يتعرف على زوجة ألبير ماركي، التي يقدّمها له اليهودي يعقوب تيمسيت، وقد أصبحت من أهل البلد، وانخرطت في النضال.

بين مدينة قسنطينة (التي يقضي فيها تسعة أشهر في العام)، والجزائر العاصمة (مكان عطلة الصيف ومدتها ثلاثة أشهر)، تعود ذكريات البطل صغيرا (نعثر له هنا على اسم وهو بود أبوت، في إشارة لممثل أميركي اشتهر في الأربعينات في أدوار ثنائية مع الممثل لو كاستيلو)، وعلاقته بوالده شابا يافعا، وخلافاته العميقة معه بخصوص تصور مسار التاريخ الإسلامي ومسألة الفتح، وحياته المضطربة (بالأخص تلك التعاسة والاضطرابات النفسية التي سببتها له سمنته المفرطة) على المستوى الشخصي، والتي ترتبط بشكل وثيق بالذاكرة الموجعة لمدينة قسنطينة التي سقطت في يد الغزاة الفرنسيين سنة 1846 (وقد امتلأت بالجثث، وبالرؤوس المقطوعة، وقد شاهدها الراوي صغيرا في إحدى لوحات الفنان التشكيلي أوجين دو لاكروا الذي يمقته مقتا شديدا، معتبرا إياه مجرد مُخبر في خدمة الغزو). كما ترتبط باختفاء شقيقه كمال، المطرود من قبل الوالد (البطريرك) بسبب مثليته ورحيله في ظروف غامضة، حيث يسافر الراوي لاحقا إلى لندن بحثا عنه، بغية معرفة أسباب هذا الرحيل.

مآسي الكولونيالية

كما يسرد رشيد بوجدرة مآسي الكولونيالية، وتجاوزاتها (وقد فعل ذلك في روايته السابقة “شجر الصبار” سنة 2010) متنقلا بين مآسي وفظائع كثيرة لم يسلم منها السكان الأصليون، لكنه سرعان ما يعود إلى فواجعه، ثم إلى الحياة الشخصية لألبير ماركي في الجزائر العاصمة، والرسائل التي كان يبعث بها لفنان تشكيلي آخر هو هنري ماتيس، ثم ظروف رسمه لوحة “مسجد ساحة الحكومة”، وصولا إلى قراءة رواية “الصخب والعنف” للأميركي وليام فولكنر، لتكتسي الرواية نفس “صخب وعنف” أستاذه فولكنر.

كما تستعيد الرواية ذكريات قديمة، وظروف حرب التحرير (معركة الجزائر، استشهاد البطل العربي بن مهيدي، اختفاء موريس أودان، وإعدام المناضل الشيوعي فريناند إيفتون، وتجاوزات فرانسوا متيران حافظ الأختام ووزير العدل) بشكل مستمر على طول صفحاتها المئتين، اعتمادا على شخصيات متعدّدة، وسرد مكثف لحياة الراوي (وقد التحق بالمجاهدين في الجبال، بعد أن تعرف على “سيلين” إحدى شخصيات رواية “التطليق”) صاحب هذه القدرة الفائقة على استعادة ما مضى من الحياة، مع محاولة التأثير على التاريخ، وتجنب القراءة المُكرسة.

ولا تتوقف رواية “انتزاع الملكية”، عند هذا الشعور بالفاجعة جراء التاريخ الاستعماري، بل تصل عند حاضر مُضطرب، حيث يقوم أحد البيروقراطيين بالاستحواذ على لوحات ألبير ماركي، وعلى بيته (فيللا جنان سيدي السعيد) سنة 1971، وهو عام رحيل زوجة ألبير ماركي (مارسيل مارتيني)، التي لم تغادر البلاد مع الأقدام السوداء في صيف 1962، ليظهر ذلك كشكل من أشكال الاعتداء المُمارس من قبل الدولة الوطنية التي سارت مسارا أحاديا، يرفض التعدد والاختلاف. وكانت مارسيل مارتيني قد ساندت الثورة الجزائرية، ووقفت إلى جانب الجزائريين في نضالهم، وحاولت إقناع زوجها ألبير ماركي بالحذو حذوها، بيد أنه لم يفعل، مكتفيا بإبداء ما يشبه الندم في رسالة وجهها للفنان هنري ماتيس، جاء فيها: “لم يخطئ بيكاسو، ليس نحن من رسم حمامة السلام. هو على صواب. لهذا كان رساما بارعا، وأحسن منّا (….) كنا مولعين بالشكل والألوان. لقد أعمتنا. بينما عرف هو كيف يتجنب ذلك. كان يقوم بكل شيء، وفي الوقت ذاته… لا تنس “غورنيكا”، أما نحن، فماذا فعلنا من أجل إسبانيا الجمهورية؟ لا شيء، هنري، لا شيء إطلاقا”. بيد أن عدم انخراط ألبير ماركي في الثورة، جعل الراوي يرفض فكرة الاستحواذ على مسكنه “جنان سيدي سعيد” من قبل بيروقراطي لا يُعير أي اهتمام للفن، ومثل “حلزون عنيد”، يُصر الراوي على إبقاء أواصر الصلة والارتباط بينه وبين إرث الفنان الفرنسي.

احتفظ رشيد بوجدرة، في هذه الرواية بقدراته الكبيرة في الكتابة الروائية، فلا أسلوبه الأدبي خفت بريقه، وفقد متعته، ولا قدرته على سبر أغوار شخوصه تراجعت، ليبقى روائيا نادرا، له هذه القدرة الفائقة على تقديم أعمال مُميزة.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق