ثقافة المقال

الديمقراطية في العالم العربي

بقلم:محمد سعيد الريحاني*

صدمة الحداثة في الثقافة العربية  بدأت مع دخول الاستعمار إلى البلدان العربية في القرنين الماضيين. لكنها بقيت صدمة دون أن تتعد الأمر إلى الخطوة الموالية: خطوة ممارسة الحداثة التي تبقى الديمقراطية إحدى أهم تجلياتها. ولقد كانت أهم العوائق التي حالت دون تحقيق تلك الخطوة لبداية رحلة الألف ميل هي تغليب كفة المصلحة على كفة الفعل التاريخي والإقلاع الحضاري. فقد كان الدستور يُوضع على مقاس السلطان وقانون الممارسة الديمقراطية على مقاس السلطان والتدريس على مقاس السلطان والقضاء على مقاس السلطان… وقد استمر الأمر لمدة ستين عاما حتى جاءت انتفاضات محمد البوعزيزي المتعددة الجنسيات لتفجر الاختيارات العقيمة التي تخنق الإرادة العربية التواقة إلى الانطلاق ودخول التاريخ وممارسة الفعل التاريخي..

الآن فقط بعد هذه الثورات الواحدة المتعددة التي تعم العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه يمكن الحديث عن عودة القطار العربي إلى سكته الصحيحة. الآن فقط يمكن البدء في تصنيف الديمقراطيات العربية إلى ديمقراطيات واعدة أو ديمقراطيات كاذبة. الآن فقط يمكن الحديث عن جمهورية تونس الديمقراطية وجمهورية مصر الديمقراطية وجمهورية ليبيا الديمقراطية. أما الباقي من الدول التي تسابق الزمن وتسابق التغيير وتسابق شعبها بافتعال تظاهرات  تسبق التواريخ التي حددها الشعب للخروج في مسيرات شعبية سلمية وبافتعال أعمال فوضى وشغب عبثت بالمنشآت العمومية وكسرت زجاج المقاهي وضرب الناس بالحجر في محاولة لتشويه صورة التظاهر وطمس معالم الحق في التظاهر وكبح جماح الجماهير الشعبية التواقة للجهر بمواقفها ضد الظلم والفساد وثني الشعب عن الخروج في أي تظاهرة  لن يكون في إمكان احد السيطرة عليها… تلك الدول لا يمكنها الاستمرار لا في تمثيلياتها ومسرحياتها ولا في شعاراتها ووعودها بالفعل والبداية في الفعل والتفعيل وبداية التفعيل. تسونامي التغيير قادم ولن ينجو منه إلا من ارتقى الأعالي أيام الطقس الصحو.

إن الديمقراطيات تبنى إما بالتدرج وهذا ما لم يتحقق في العالم العربي بعد مرور أزيد من نصف قرن من الكتابات والخطب والقوانين، أو هي تقام بالثورات وهذا ما بدأ بالفعل في العالم العربي ولن تطفأ جذوته حتى تشمل كل الوطن العربي لتنتقل إلى المستوى الثاني الذي حاول أن يبدأ به هواة السياسة من حكام عرب القرن العشرين: مستوى توحيد الوطن العربي الحر من الطفيليين ووحوش السلطة ومجنوني العظمة والمهووسين بالكراسي…

*باحث وقاص ومترجم مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق